تسقط الأفكار العظيمة متى تفشل في صناعة الرُقي الإنساني، وتعجز عن ترسيخ قيم التحضر، والعدل، والحرية، وتحقيق رفاهية الشعوب.
في عام 1992 أطلق المفكر الأمريكي فرانسيس فوكوياما نظريته الشهيرة لـ"نهاية التاريخ" من خلال كتاب حمل العنوان ذاته، تلخصت فكرته في وصول الإنسان إلى قمة رُقيه وفكره الأيدولوجي من خلال أفكار الليبرالية والديمقراطية، والتي أعلنت انتصارها وسيادتها حتى اعتبرها البشر أفضل ما تطمح إليه الأمم على المستوى السياسي. وقتها كانت عين المفكر الأمريكي على سلسلة التحولات اللافتة في دول أمريكا اللاتينية من أنظمة ديكتاتورية عتيدة إلى حكومات ديمقراطية، فضلا عن تحول دول أخرى في آسيا إلى الليبرالية من باب التنمية الاقتصادية، وسقوط نظام الحكم العنصري في جنوب إفريقيا.
كانت البشرى التي أطلقها فوكوياما، وانتشى بها الليبراليون في كل مكان، وكُنت منهم، أن العالم لن يشهد مزيدا من الاضطهاد، وأن المذابح ستتراجع حدتها، وسيُنظر للأنظمة الديكتاتورية القليلة جدا باعتبارها حالات شاذة. وزايد البعض على أفكار فوكوياما فقال توم فريدمان في كتابه الشهير "السيارة لكزس وشجر الزيتون" إن الحروب لن تقوم بين دولتين ديمقراطيتين أبدا، وسيصبح العالم كله قرية واحدة.
لفّت السنون دوراتها الإلهية، حدثت مفاجآت، تبدلت أذهان، تغيرت مواقف وخرائط، توحش متحضرون، وترققت قلوب قاسية، كفر مؤمنون، وآمن كافرون، وانقلب المصفقون والمُؤيدون والمصدقون لـ"نهاية التاريخ" على التاريخ والجغرافيا وكافة القيم.
صارت أمريكا هي المُعتدي الأول على الليبرالية والعدل وحقوق الشعوب في العراق وفلسطين وباقي الدول، ثُم أفرزت دولة الليبرالية الكبرى تيارا فاشيا متشددا يشرعن القمع ويروج للاستبداد ويعادي الديمقراطية. بات من الغريب أن تُستخدم الديمقراطية سُلما لتوصيل أعداء الديمقراطية إلى السلطة، مثلما جرى في ألمانيا قبل صعود النازي. وهكذا وصل دونالد ترامب إلى الحكم رئيسا للولايات المتحدة عام 2017، ثُم عاد مرة أخرى عام 2025، بعد أن اقترب عمره من الثمانين عاما. اختاره الناس تحت إلحاح الخطاب الإعلامي الزاعق المتشدد النفعي الإحتيالي، ما هزّ الثقة في فكرة الديمقراطية برمتها، إذ لم تعد وسيلة مثالية لاختيار الأفضل أو الأرشد، وإنما صارت نافذة حضور للأعلى صوتا، وصاحب الشعارات الأقدر على خداع للجماهير.
لقد عادى الرجل حرية التعبير، والديمقراطية، والمؤسساتية كما لم يفعل رئيس أمريكي سابق. قاطع المخالفين، وسب المختلفين، ونحىّ أصحاب الرأي بعيدا، وأثبت فرديته واستبداده كحاكم قروسطي عتيق. جاهر الرجل بمعاداة قيم الحريات والعدل والتعايش السلمي، وانتهك القانون الدولي، وساقت حماقاته الآمنين إلى ساحات الدم، تحت تصورات انفعالية، وأوهام دينية، وتصرفات ضد العلم والمنطق ومصالح البشر.
ذوت أسطورة "نهاية التاريخ" وصارت مقولة فوكوياما مُجرد شعار ساذج سطحي لاواقعي للمتاجرة واصطياد الشعوب الموهومة الموصومة إزدراء وافتراء بالانتماء إلى عالم ثالث. لم تعد الفكرة نهاية التاريخ، وإنما نهاية الخداع والشعاراتية والنظرة الفوقية الإستعلائية. وهكذا ترجرجت ديمقراطية أمريكا، وانتفخت براجماتية الصين، وازدهرت شعبوية الهند، واستقرت شمولية روسيا، ولم تعد الأفكار سوى شباك صيادين مهرة في عالم لا يعرف الرحمة.
والله أعلم.


















0 تعليق