الأوقاف تنشر الإصدار الثامن والأربعون من "سلسلة زاد الأئمة والخطباء"

الوفد 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

كشفت وزارة الأوقاف المصرية عبر منصتها الرقمية الإصدار الثامن والأربعون: سلسلة زاد الأئمة والخطباء،والذي يأتي بعنوان: النصوص الشرعية بين الفهم الصحيح وسوء التأويل، ويكون الهدف منها، هو التوعية بضرورة فهم النصوص الشرعية فهما صحيحًا، وبيان عواقب التأويل السيئ.

الإصدار الثامن والأربعون من "سلسلة زاد الأئمة والخطباء" وفقًا لوزارة الأوقاف

ويأتي الإصدار الثامن والأربعون من "سلسلة زاد الأئمة والخطباء"، كما نشرتها وزارة الأوقاف المصرية، كالتالي:

فإنَّ النصوصَ الشرعية من قرآنٍ كريمٍ وسنّةٍ نبويةٍ؛ هي النورُ الذي يهدي العقول، والميزانُ الذي تُضبط به حياةُ الناس، غير أنَّ الانتفاع بها لا يتحقق بمجرد قراءَتها، بل بوجوب بفهمها على مراد الله ورسوله، وفق منهجٍ علميٍّ راسخ، ومن هنا كان الفهمُ الصحيح أساسَ الهداية، وكان سوءُ التأويل من أعظم أسباب الانحراف والفتنة؛ إذ قد يُحمَل النصُّ على غير مقصوده، فيُتَّخَذ ذريعةً للغلو أو التفريط، فالحاجة ماسّةٌ إلى تدبّرٍ واعٍ، وفهمٍ منضبطٍ، يقي من الزلل، ويقود إلى الصراط المستقيم.

فالخطرُ كلُّ الخطر في العقول التي تُسيء فهم تلك النصوص، والألسنة التي تُحرّف معانيها، والقلوب التي تتبع المتشابه ابتغاء الفتنة، قال الله تعالى محذرًا: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} [آل عمران: ٧]، فتراهم يأخذون بعض الحق ويتركون بعضه، ويحملون الكلام على غير ما وُضع له.

وإليك بيان منزلة الفهم السديد، ومقوماته وأدواته، وأسباب الزيغ عنه

منزلة الفهم السديد:

قال تعالى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء: ٨٢]، وقال أيضًا: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [محمد: ٢٤].

وعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا، فَحَفِظَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ» [رواه أبو داود].

قال ابن بطال: "التفهم للعلم هو التفقه فيه، ولا يتم العلم إلا بالفهم، وكذلك قال علي رضي الله عنه: "والله ما عندنا إلا كتاب الله، أو فهم أُعطيه رجل مؤمن"، فجعل الفهم درجةً أخرى بعد حفظ كتاب الله؛ لأن بالفهم له تتضح معانيه وأحكامه، وقد نفى صلى الله عليه وسلم العلم عمن لا فهم له بقوله: «وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ»، وقال مالك: ليس العلم بكثرة الرواية، وإنما هو نور يضعه الله فى القلوب، يعنى بذلك فهم معانيه واستنباطه، فمن أراد التفهم فليحضر خاطره، ويفرغ ذهنه، وينظر إلى نشاط الكلام، ومخرج الخطاب، ويتدبر اتصاله بما قبله، وانفصاله منه، ثم يسأل ربه أن يلهمه إلى إصابة المعنى، ولا يتم ذلك إلا لمن علم كلام العرب، ووقف على أغراضها فى تخاطبها وأُيِّدَ بِجَوْدَةِ قريحة، وثاقب ذهن". [شرح صحيح البخاري لابن بطال].

وقد  دعا النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس رضي الله عنهما قائلًا: «اللهم فقِّهه في الدين وعلّمه التأويل» [رواه البخاري]، إشارةً إلى أن الفقهَ في الدين ليس مجرد حفظٍ أو رواية، بل هو فهمٌ عميق، ونظرٌ ثاقب، يُنزِّل النصوص منازلها، ويضعها في سياقها الصحيح، فبقدر ما يرزق العبد من فقهٍ صحيح، يكون قربُه من الحق، وبُعدُه عن الزلل والانحراف.

قيمة العقل في فهم النصوص:
إنَّ العقل السديد مفتاحٌ لفهم النصوص على وجهها الصحيح، فهو الذي يميّز بين الظاهر والباطن، ويستخرج الحكمة من الأحكام، ويجمع بين الأدلة في المسألة الواحدة، ومن ضيّع العقل أو أهمله، خسر الفهم، وتحولت النصوص إلى حروفٍ جامدةٍ بلا حياة، بينما من أبدع استخدام عقله وفْق مراد الله، صار النص مصدر هداية ونور في الدنيا والآخرة.

قال تعالى: {‌فَفَهَّمْناها ‌سُلَيْمانَ} [الأنبياء: ٧٩]، إذ وهبه الله فهمًا عميقًا للأمور، وعلمًا بالحكمة في تدبير الخلق، فاستنار عقله بالمعرفة، وتمكّن من إدراك مقاصد الله في النصوص والأحداث، وتطبيقها على الواقع بعدل وحكمة.

وعن عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «ثَلاثٌ مَنْ حُرِمَهُنَّ حُرِمَ خَيْرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ: عَقْلٌ يُدَارِي بِهِ النَّاسَ، وَحِلْمٌ يَرُدُّ بِهِ السَّفِيهَ، وَوَرَعٌ يَحْجِزُهُ عَنِ الْمَعَاصِي» [العقل وفضله لابن أبي الدنيا].

عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ: قُلْتُ لِعَلِيِّ رضي الله عنه: هَلْ عِنْدَكُمْ كِتَابٌ؟ قَالَ: "لَا، إِلَّا كِتَابُ اللَّهِ، أَوْ ‌فَهْمٌ ‌أُعْطِيَهُ ‌رَجُلٌ مُسْلِمٌ، أَوْ مَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ" [رواه البخاري].

عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: "إِنَّمَا كَانَ يُطْلَبُ هَذَا الْعِلْمُ مِمَّنِ اجْتَمَعَتْ فِيهِ خَصْلَتَانِ: الْعَقْلُ وَالنُّسُكُ، فَإِنْ كَانَ نَاسِكًا وَلَمْ يَكُنْ عَاقِلًا، وَإِنْ كَانَ عَاقِلًا وَلَمْ يَكُنْ نَاسِكًا لَمْ تَطْلُبْهُ، فَإِنَّ هَذَا الْأَمْرَ لَا يَنَالُهُ إِلَّا النُّسَّاكُ الْعُقَلَاءُ" [العقل وفضله لابن أبي الدنيا].

ومما كتبه الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أبي موسي الأشعري رضي الله عنه في شأن القضاء: "الفهمَ ‌الفهمَ ‌فيما ‌يتلجلج في نفسك مما ليس في قرآن ولا سنّة" [رواه ابن أبي شبة في تاريخ المدينة].

أقسام عقول البشر في فهم النص:
العقول الربانية: 
هي عقولٌ أيقظها الإيمان، فسمت عن سفاسف الأمور، واتجهت نحو الغاية التي خُلقت لها؛ فاستخدمت نورها في طاعة الله، وسخّرت فكرها فيما ينفع الخلق ويُصلح أحوالهم، ويقودهم إلى الخير والرشد، لا تُفكّر لنفسها وحدها، بل تحمل همَّ الإنسانية، وتعمل على تغيير واقعها نحو الأحسن، مستضيئةً بهدي الوحي، ومستنيرةً ببصيرة الحق.

تلك عقولٌ أدركَت أن رسالتها أسمى من حدود الذات، فبذلت وسعها في تبليغ مراد الله كما أراده، لا كما تهواه النفوس أو تُحرّفه الأهواء، فكانت عاقبتها حميدة في الدنيا أثرًا طيبًا، وفي الآخرة أجرًا عظيمًا؛ لأنها جمعت بين صفاء القصد، وصواب الفهم، وحسن العمل.

العقول الضيقة:
هي عقولٌ أُوتيت نصيبًا من الذكاء والفطنة، لكنها ضيَّعت وجهتها، فحبست نفسها عند ظاهر الألفاظ، ووقفت عند حرفية النصوص دون أن تنفذ إلى مقاصدها أو تستضيء بهداياتها الواسعة، فغفلت عن روح الشريعة، وأغلقت أبواب الاجتهاد في تنزيل النصوص على واقع الناس، فصار فهمها قاصرًا، وأثرها محدودًا، إنها عقول تشبثت بظاهرٍ مجرَّد، وغفلت عن فهم السياق والمآل، فلم تر في النص إلا كلماتٍ تُحفظ، لا معاني تُفهم، ولا مقاصد تُستثمر في إصلاح الحياة، ومع ما مُنحت من قدرةٍ على الفهم، إلا أنها عطّلت طاقتها عن إدراك مراد الله، فحرمت نفسها من نور البصيرة، وحجبت غيرها عن سعة الشريعة ورحمتها ومقصودها.

العقول الفاسدة: 
هي عقولٌ انحرفت عن جادّة الحق، فلم تقف عند حدود الجهل فحسب، بل تجاوزته إلى التلاعب بالنصوص وتطويعها لخدمة الأهواء والمصالح، تنظر إلى الوحي نظرةً سطحيةً مبتورة، تنتقي منه ما يوافق رغباتها، وتُقصي ما يخالفها، ثم تُلبِس ذلك ثوبَ التأويل لتمنح باطلها مسحةً من الشرعية.

لا تقف عند ضعف الفهم، بل تمضي إلى تحريف المعنى، وتوجيه النصوص لهدم الثوابت، وبثِّ الاضطراب في المجتمعات، وزعزعة الأمن الفكري والقِيَمي، فهي بذلك لا تُسيء إلى نفسها فحسب، بل تُسهم في نشر الفتنة، وتُحدث شرخًا في وعي الناس، حين تجعل من النص – الذي هو مصدر هداية – أداةَ تضليلٍ وإفساد.

وهذه العقولُ أخطرُ من غيرها؛ لأنها تجمع بين سوء الفهم وفساد القصد، فلا تهتدي إلى الحق، ولا تدع غيرها يسلك سبيله، فكان علاجها بالرجوع إلى منهج العلماء، وتجريد النية لله، والوقوف عند حدود النصوص بفهمٍ سليمٍ يردّها إلى مقاصدها الصحيحة، ويصونها من العبث والتحريف.

عن عَبْد اللهِ بْن عَمْرِو رضي الله عنه قال: سَمِعْتُ النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: «إِنَّ اللهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ النَّاسِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يَتْرُكْ عَالِمًا، اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا» [متفق عليه].

قال الإمام بدر الدين العيني: "المراد برفع العلم هنا قبْض أهله، وهم العلماء، لا محْوه من الصدور، لكن بموت أهله، واتخاذ الناس رؤساء جهالًا، فيحكمون في دين الله تعالى برأيهم، ويفتون بجهلهم، قال القاضي عياض: وقد وجد ذلك في زماننا، كما أخبر به عليه الصلاة والسلام، قال الشيخ قطب الدين: قلتُ: هذا قوله مع توفر العلماء في زمانه، فكيف بزماننا؟!" [عمدة القاري شرح صحيح البخاري].

وقال سيدنا عمر بن عبد العزيز: "من عبد الله بغير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح" [الزهد لأحمد بن حنبل].

كَتَبَ الْجُنَيْدُ إِلَى إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَحْمَدَ الْمَارِسْتَانِيِّ رِسَالَةً فِيهَا: "يَا أَبَا إِسْحَاقَ، لَا ضَيَّعَ اللَّهُ مَيْلِي إِلَيْكَ وَلَا إِقْبَالِي عَلَيْكَ... وَبَعْدُ يَا أَخِي، فَاحْذَرْ مَيْلَ التَّأْوِيلِ عَنِ الْحَقَائِقِ وَخُذْ لِنَفْسِكَ بِأَحْكَمِ الْوَثَائِقِ، فَإِنَّ التَّأْوِيلَ كَالصَّفَّاءِ الزَّلَّالِ الَّذِي لَا تَثْبُتُ عَلَيْهِ الْأَقْدَامُ، وَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ  هَلَكَ مِنَ الْمَنْسُوبِينَ إِلَى الْعِلْمِ وَالْمُشَارِ إِلَيْهِمْ بِالْفَضْلِ بِالْمَيْلِ إِلَى خَطَأِ التَّأْوِيلِ وَاسْتِيلَاءِ ذَلِكَ عَلَى عُقُولِهِمْ، وَهُمْ فِي ذَلِكَ عَلَى وُجُوهٍ شَتَّى، وَإِنِّي أُعِيذُكَ بِاللَّهِ وَأَسْتَعِينُهُ لَكَ وَأُعِيذُكَ بِهِ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ" [حلية الأولياء].

منهج الراسخين في العلم في فهم النصوص:
قال الله تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: ٤٣].

جمع النصوص في المسألة الواحدة: 
إنهم لا يكتفون بآيةٍ واحدة أو حديثٍ مفرد، بل يدرسون النصوص المتعددة وسياقاتها، ويقارنونها، ويوازنوا بين المراد الإلهي في كل نص، ليخرجوا بالاستنتاج الذي يحقق المقصد الشرعي بكماله وعدالته، هذا الجمع يُجنّب الإنسان الانحراف عن المعنى الصحيح، ويقيه من الغلو أو التفريط، ويصونه من إساءة التطبيق أو سوء التأويل، فالراسخون في العلم يعرفون أن النصوص متشابكة الأبعاد، وكل نص يُكمّل الآخر، ومنها ما هو خاص ومنها ما هو عام، ومنها ما هو مجمل ومنها ما مفصل، وهكذا، وفهمها في مجموعها هو السبيل لإدراك المقاصد الإلهية وتحقيق الهداية المرجوة.

فلا يجوز أن يأخذ الإنسان آية واحدة ويترك غيرها، ومثال ذلك: قول الله تعالى: {وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ} [البقرة: ١٩١]، فقد يظن الجاهل أن الإسلام يأمر بقتل كل الناس، لكن إذا نظرنا إلى السياق وجمعنا النصوص وجدنا أن الآية تتحدث عن حالة الحرب والقتال، وقد قال الله تعالى أيضًا: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الممتحنة: ٨]، فتبين أن الإسلام يأمر بالعدل والإحسان مع المسالمين.

معرفة سبب النزول أو سبب ورود الحديث:
لأن هذا السياق يضيء المراد الإلهي، ويكشف الحكمة من التشريع، فالنصوص لم تُنزل أو تُرْوَ عن عبث، بل جاءت في مواقف محددة، وردت لتجيب عن قضية، أو تحكم في موقف، أو توجيه لأمر مهم؛ فمن أدرك سبب النزول أو سبب الحديث، فَهِم المقصود الحقيقي، وتَمَكّن من تطبيق الحكم على الواقع بما يتوافق مع الشريعة.

أما من أغفل هذا العامل، فقد يُحمّل النص معنى أوسع أو أضيق مما أراده الله، فيقع في سوء الفهم أو التأويل الخاطئ، وقد يؤدي إلى اختلال التطبيق أو إثارة الفتنة بين الناس.

قال الشمس البرماوي: "ومما يُعتبر أيضًا في إيقاع الاجتهاد:... أنْ يعرف أسباب النزول في الآيات، وأسباب قوله صلى الله عليه وسلم الأحاديث؛ ليعرف المراد من ذلك وما يتعلق به من تخصيص أو تعميم" [الفوائد السنية في شرح الألفية].

فهم النص في ضوء لغة العرب: 
فهم القرآن والسنة لا يتمّ على الوجه الصحيح إلا بإحكام العربية، والإلمام ببلاغتها وأدواتها ومعاني ألفاظها ومجازها؛ فالكلمة الواحدة قد تحمل معاني متعددة بحسب السياق، والجملة قد يتغيّر مرادها بتغير الأسلوب أو الوزن أو البناء، فمن عُني باللغة العربية، واستوعب مفرداتها وأوجه البيان فيها، استطاع أن يفتح للنص آفاقًا من الفهم لم تكن لتظهر لمن لم يُمعن النظر في لغته، أما من أهمل اللغة، فقد يفسّر النص تأويلًا خاطئًا، ويصطدم بالحقائق الشرعية أو يفوّت مراد الله.

قال الشمس البرماوي: "لأن القرآن والسنة عربيان، فلا بُدَّ للمستدل بهما مِن معرفة لُغة العرب، بل هما أفصح الكلام العربي، قال تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا} [يوسف: ٢]، وقال تعالى: {وَهَذَا ‌لِسَانٌ ‌عَرَبِيٌّ ‌مُبِينٌ} [النحل: ١٠٢]، وقال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ} [إبراهيم: ٤]، وغير ذلك من الآيات" [الفوائد السنية في شرح الألفية].

مراعاة "فقه المآلات وفقه الواقع":
لا بد لصناعة فهم صحيح أمين على هدي القرآن وعلومه، من ثلاثة أركان عظام: وهي معرفة الوحي الشريف، ومعرفة مناهج فهمه، والإلمام بالواقع إلمامًا صحيحًا، وإياك أن تكون ممن ادَّعى النص، وتمرد على المنهج، وغلبه الواقع [الحق المبين في الرد على من تلاعب بالدين أ.د/ أسامة الأزهري].

قال تعالى: {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام: ١٠٨] .

قال الإمام الزمخشري: "رب طاعةٍ عُلِم أنها تؤدي إلى مفسدة، فتخرج عن أن تكون طاعة، فيجب النهي عنها؛ لأنها معصية، لا لأنها طاعة، كالنهي عن المنكر هو من أجل الطاعات، فإذا عُلِم أنه يؤدي إلى زيادة الشر انقلب إلى معصية، ووجب النهي عن ذلك كما يجب النهي عن المنكر" [الكشاف عن حقائق التنزيل].

عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهَا: «يَا عَائِشَةُ، لَوْلاَ أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُو عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ لَأَمَرْتُ بِالْبَيْتِ، فَهُدِمَ، فَأَدْخَلْتُ فِيهِ مَا أُخْرِجَ مِنْهُ، وَأَلْزَقْتُهُ بِالأَرْضِ، وَجَعَلْتُ لَهُ بَابَيْنِ، بَابًا شَرْقِيًّا، وَبَابًا غَرْبِيًّا، فَبَلَغْتُ بِهِ أَسَاسَ إِبْرَاهِيمَ» [متفق عليه].

قال أ.د/ موسى شاهين لاشين: "ويؤخذ من الحديث: أنه إذا تعارضت المصالح، أو تعارضت مصلحة ومفسدة، وتعذر الجمع بين فعل المصلحة وترك المفسدة، بدئ بالأهم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن نقض الكعبة وردها إلى ما كانت عليه من قواعد إبراهيم عليه السلام مصلحة، ولكن تعارضه مفسدة أعظم منه، وهي خوف فتنة مَن أسلم قريبًا" [فتح المنعم].

الرجوع إلى فهم الصحابة:
لأنهم شهدوا التنزيل وعرفوا المقصود، قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: "التَّفْسِيرُ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ، ‌وَجْهٌ ‌تَعْرِفُهُ ‌الْعَرَبُ مِنْ كَلَامِهَا، وَتَفْسِيرٌ لَا يُعْذَرُ أَحَدٌ بِجَهَالَتِهِ، وَتَفْسِيرٌ تَعْلَمُهُ الْعُلَمَاءُ، وَتَفْسِيرٌ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى" [الإتقان في علوم القرآن].

معرفة مقاصد الشريعة:
إن غياب المعرفة بمقاصد الشريعة، وغياب المعرفة بالسنن الإلهية يتركان خللًا كبيرًا في الفهم، ومن لم يحط بأمثال هذه العلوم فسد فهمه للنص، وفسد فهمه للواقع. [الحق المبين في الرد على من تلاعب بالدين أ.د/ أسامة الأزهري].

قال الإمام ابن حجر الهيتمي: "ومن قواعد الشافعي رضي الله عنه: أنه يستنبط من النص معنى يخصصه أو يعممه، ولا يستنبط منه نصًّا يعود عليه بالبطلان" [الفتاوى الفقهية الكبرى].

 

 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق