"غرناطة"..ذهابٌ وعَوْدة!!

الوفد 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

"مَنْ لا يقفزُ فهو مُسْلِمٌ"جملةٌ ردَّدها متعصبون أسبان في مباراة ودية  وكأنها نصلٌ حادٌ يعيد لواجهة الروح جرحاً نازفاً  يأبى الالتئام رغم مرور مئات السنين..جملةٌ قد يراها البعض بسيطةَ التركيب تمشي الهوينى فلا تتركُ أثراً ذا بالٍ  إذا مرَّتْ بالأسماع ؛ لكنها الذكريات الأليمة والشتات بعد العيْش قروناً في الأندلس الفردوس المفقود... ولِمَنْ يحاول إضفاء التسامح وإلقاء الماضي بمآسيه خلف الظَّهْر هل تتصورون أن بلديَّة"غرناطةَ" سنوياً تحتفل منذ قرونٍ في الثاني من يناير بتسلُّم مفاتيح المدينة من قبل آخر ممالك المسلمين في الأندلس لتصبح في يد الملوك الكاثوليك الإسبان، ؛ إذْ في يوم 2 يناير 1492، آخر يوم لحُكم المسلمين الأندلسَ بعد وجودٍ دام نحو ثمانية قرونٍ، سلَّم الأميرُ "أبو عبد الله محمد" مفاتيحَ"غرناطة"للملكة "إيزابيلا"وزوجها"فرناندو" ،ثم رحل وأسرته وحاشيته إلى ضَيْعتِه الكبيرة لبضعة أشهر قبل اختياره منفاه الطوعي في"فاس"بالمغرب، وطبيعيٌ أن ينقسم الجمهور إلى محتفلين بحماس وهم  اليمين المتطرف من جهة في مواجهة مسلمي الإسبان  المناهضين هذه الطقوس الداعين للتخلي عن هذه الاحتفالات التي يرون ذكراها غير مشرفة؛فلم يلتزم الملوك الإسبان بمضمون معاهدة التسليم ؛إذْ اضطهدوا المعارضين دينياً وثقافياً ولغوياً وقتلوهم .

ويبدع الرحّالةُ البريطاني "ألبرت فريدريك كالفرت" في كتابه "غرناطة وقصر الحمراء" في وصف غرناطة القديمة وقصرها فيقول عنها:"ليست سوى إبداعٍ صرْفٍ للمسلمين المغاربة، فتاريخها تاريخهم جميعا بلا استثناء، وماضيها سجلٌّ لأمجادهم وذكرى زوال دولتهم. تلك الرمَّانةُ -كما سماها فاتحُها- لم تُثمر وتتألّق إلا في شمس المسلمين الساطعة، ولم تذوِ إلا بانحسارها.ثم إذا بها في ظل الحكم المسيحي تهوي منزلتُها من عاصمة متألقة إلى مجرد ضاحيةٍ فقيرةٍ، وما هي اليوم إلا نُصبٌ تذكاريٌّ عظيمٌ يشهد على سلالةٍ تلاشت وحضارة دالت وبادت".

(في مدخل الحمراء كان لقاؤنا/ما أطيب اللقيا بلا ميعاد)(عينان سوداوان في حجريْهما/ تتوالد الأبعاد مـن أبعـاد)(هل أنتِ إسبانيةٌ.. ساءلْتُها/قالت: وفي غرناطة ميلادي)(غرناطةٌ.. وصَحَتْ قرونٌ سبعةٌ/في تينك العينين.. بعد رقاد)(وأميةٌ راياتُها مرفوعةٌ/وجيادُها موصولةٌ بجياد)(ما أغرب التاريخ كيف أعادني/لحفيدة سمراء من أحفادي)(وجهٌ دمشقيٌّ رأيت خلاله/أجفانَ "بلقيس" وجِيِد "سعاد")(ورأيت منزلَنا القديمَ وحجرةً/كانت بها أمي تمدُّ وسادي)(والياسمينة رُصِّعتْ بنجومها/والبركة الذهبية الإنشاد) (ودمشق..أين تكون! قلتُ تريْنَها/في شَعْرِك المنساب..نهر سواد)(في وجهكِ العربي..في الثغر الذي/مازال مُختزِناً شموس بلادي)(في طِيِبِ "جنات العريف"ومائه/في الفل، في الريحان، في الكَبَّاد)

لم يزر إسبانيا عربيٌّ قطُّ إلا ووقع في عشق "غرناطة" وقصر الحمراء سواءٌ زارها منفيا مثل أمير الشعراء"شوقي بك" أو زارها درويشاً عاشقاً مثل"نزار قباني"إذ بدأ رائعته "غرناطة"بسرد لقاءٍ غير متوقع بامرأة فاتنة بجمالها العربي الأخَّاذ تؤكد بحديثها هويَّتها الإسبانية الغرناطية مُدَّعيةً أنها مالكة قصر الحمراء،وهي لا تدري أن هذه الروعة وهذا الجمال ينتميان إلى جذور عربية دمشقية..إنها المأساة إذ يجحد الحاضر كل أثرٍ للماضي لضعف أهله وذويه،بل يصل بالحاضر أن يدَّعي مآثر الماضي وأمجاد الأجداد فلا يملك نزار قباني سوى محاولة فاشلة لتضميد جراحه والتمتمة بأحقيته التاريخية بعد وداع مثير وحقائق لا تجد النصير

(سارت معي.. والشعر يلهث خلفها/كسنابل تُركتْ بغير حصاد)(يتألق القرط الطويل بجَيِدِها/مثل الشموع بليلة الميلاد)(ومشيتُ مثل الطفل خلف دليلتي/وورائيَ التاريخ كوم رماد)(الزخرفات.. أكاد أسمع نبضها/والزركشات على السقوف تنادي)(قالت:هنا "الحمراء" زهو جدودنا/فاقرأ على جدرانها أمجادي) (أمجادها..!!ومسحت جرحاً نازفا/ومسحت جرحاً ثانيا بفؤادي)(يا ليت وارثتي الجميلة أدركتْ/أن الذين عنَتْهمُ أجدادي)(عانقت فيها عندما ودعتُها/رجلاً يُسمَّى"طارق بن زياد")

أجلْ..لم تكن هتافاتٍ متعصبةٍ في مباراةٍ من الممكن تجاهلها نظراً لمواقف إسبانيا الرسمية المؤيدة الحقوقَ العربيةَ في المحافل الدولية؛لكنها أشبه بالمطرقة التي يوقظ صداها الماضي دفعةً واحدةً ليتجدد النزف ...لعل أصحابَ المعالي الجالسين على مقاعد الأنظمة العربية المكرِّرين خطايا الماضي يستفيقون.. فالتاريخ لن يرحم،والإعصار القادم لا عاصمَ منه سوى الاعتبار بما حدث للأجداد؛لقد فقدتم البوصلة ووضعتم أيديكم في أيدي أعدائكم  دون حذرٍ وتفرقتم شِيَعاً فماذا تنتظرون 
..!! ليكون الختام الدامع نزارياً في قصيدته"أحزان في الأندلس"التي أرسلها إلى سائلةٍ عما تبقى في أيدي العرب من فردوس الأندلس الضائع.. يتجاوب شكل القصيدة في موسيقاها وقافيتها المختومة بالهاء الساكنة التي يقول سكونها أكثر مما تقول حروف الصراخ مجتمعةً، في جُمَلٍ تلغرافيةٍ قصيرةٍ تزيل الغشاوة عن الأبصار بألفاظها البسيطة.. ومجازٍها الخالي من التعقيد والزخرفة..لكنها أشبه بأمواسٍ تمزِّق الأستارَ الحاجبةَ البصائرَ كيما ترى الأعماق دون مواربةٍ:

(لم يبقَ في إسبانيهْ...منّا، ومن عصورنا الثمانيهْ)(غيرُ الذي يبقى من الخمرِ..بجوف الآنيهْ)(وأعينٍ كبيرةٍ..كبيرةٍ ما زال في سوادها ينامُ ليلُ الباديهْ..)(لم يبقَ من قرطبةٍ سوى دموعِ المئذناتِ الباكيه)(سوى عبيرِ الورود، والنارنج والأضاليهْ..)(لم يبق من ولَّادةٍ ومن حكايا حُبها..قافيةٌ ولا بقايا قافيهْ..)(لم يبقَ من غرناطةٍ..ومن بني الأحمر.. إلا ما يقول الراويهْ)(وغيرُ (لا غالبَ إلا الله)تلقاك في كلِّ زاويهْ..)(لم يبقَ إلا قصرُهم كامرأةٍ من الرخام عاريهْ..)(تعيشُ لا زالت على قصَّةِ حُبٍّ ماضيَهْ..)(مضت قرونٌ خمسةٌ مُذْ رحلَ (الخليفةُ الصغيرُ) عن إسبانيهْ)(ولم تزل أحقادُنا الصغيرهْ..كما هيَه../ولم تزل عقليةُ العشيرهْ.. في دمنا كما هيهْ)(حوارُنا اليوميُّ بالخناجرِْ/أفكارُنا أشبهُ بالأظافرِْ/مَضت قرونٌ خمسةٌ ولا تزال لفظةُ العروبهْ..كزهرةٍ حزينةٍ في آنيه..)(كطفلةٍ جائعةٍ وعاريهْ)(نصلبُها على جدارِ الحقدِ والكراهيهْ..)(مَضت قرونٌ خمسةُ.. يا غاليهْ)(كأننا.. نخرجُ هذا اليومَ من إسبانيهْ..!)

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق