الخميس 04/يونيو/2026 - 09:01 م 6/4/2026 9:01:24 PM
هل تعد السينما ذاكرة الأمة؟ سؤال إجابته تكشف المستور والمسكوت عنه وتؤكد أن الفن الحقيقى، حتى وإن كان بسيطاً فى مضمونه وإنتاجه إلا أنه قادر على توثيق متغيرات المجتمع، ورصد كم الإحباطات والتداعيات التى ضربت بعنف وقوة أوصال التركيبة المجتمعية لمصر خلال السنوات العشر، بعد أن ترسخ فى الوجدان وفى السلوك أن الذى أصابنا هو من جراء أفعالنا وأن التغيير والإصلاح لن يأتى إلا إذا غيّرنا وأصلحنا معتقداتنا وأفكارنا التى تؤمن بأن الله توّاب غفور، وثم فالخطيئة والكبيرة والذنوب سوف يغفرها المولى أياً كانت؟! حتى وإن كررناها ليل نهار بدعوى المظلومية والاحتياج والظروف وما إلى ذلك من مبررات غير ذات جدوى.. فيلمان مصريان عرضا خلال هذا الموسم السينمائى «السادة الأفاضل» 2025، و«برشامة» 2026، أحدثا صدمة فكرية وأطلقا سهام الرعب والخوف من كم الانهيار الأخلاقى الذى ضرب جذور الشخصية المصرية فى مقتل، وإن كانا قد قدّما العرض فى قالب كوميدى ساخر إلا أن الدم النازف من شريان القلب المصرى الموجوع المتألم المصاب يكفى لأن يهز أركان أى منظومة قيمية خادعة كاذبة نتشدق بها ونتوهم أننا نعيش مرحلة ازدهار وتقدم فى أى مجال.. السادة الأفاضل فيلم مصطفى صقر وكريم الشناوى يحكى عن موت الأب جلال «بيومى فؤاد» الذى نكتشف أنه تاجر آثار ورجل منافق مخادع لديه زوجة وأبن معاق فى الخفاء، ويستتر خلف ستار دكان يبيع الكبدة ويدعى الشرف والفضيلة، وكما يعتقد ابنه الطبيب حجازى «محمد شاهين» أن أباه رجل فاضل وأنه تعلم وفتح عيادة بأموال الكبدة، لتنجلى حقائق الأسرة الفاسدة والابن الأكبر طارق «محمد ممدوح» والعم «أشرف عبدالباقى» المتحرش والأم «انتصار» الطماعة التى سرقت الملايين وتركت الأولاد والأب والعزاء، وعلى التوازى نجد العصابة الصغرى المكونة من ثلاثة عاطلين يسرقون مكتب البريد ثم المومياء المهربة وينتهى الأمر بموتهم وضياع الأثار.. صورة مصغرة لمجتمع ريفى وأسرة ريفية فقدت كل المعانى والقيم والأخلاق ومع ذلك يسمون أنفسهم «السادة الأفاضل».
على الجانب الآخر من الرواية الحزينة نجد فيلم «برشامة» لخالد وشرين دياب، يتعرض لأخطر قضايا الوطن ألا وهى التعليم والغش.. الأحداث تدور فى مدرسة أثناء امتحان ثانوية عامة «منازل» لمادة اللغة العربية.. فنجد العمدة باسم السمرة الذى يريد توريث المنصب لأبنه العبيط فاقد الأهلية «مصطفى غريب»، والذى يمتحن فى اللجنة ومعه الراقصة فاتن «ريهام عبدالغفور» والسجين «حاتم صلاح» وزينب الفتاة المقهورة من أخيها وخطيبها.. وأيضاً هناك السيدة العجوز التى تحمل جميع الكتب وتخبئهم تحت جلبابها.. والشاب المتدين بتطرف هشام ماجد الذى يقف أمام الجميع ضد الغش وفكرته.. كل هذه الأحداث تجرى داخل قاعة إمتحان يشرف عليها الأستاذ المدرس كمال أبوريه وهو لا يستطيع الكلام لإصابته بجرح فى حنجرته ويخرج صوته المزيف المتحشرج غير مفهوم.. هذا الأستاذ يموت خلال فترة التعليم والامتحان ويترك الساحة مستباحة للجميع ليمارسوا كل الأساليب الممكنة خارجياً وداخلياً ليحققوا مكاسب الغش الجماعى ويصل بهم الأمر لأن يستخدم العمدة ميكرفون المسجد لنقل إجابات ورقة الامتحان.. ثم يستخدمون الموبايل الخاص بالأستاذ الذى يمثل أنه ميت، ويساعدهم أحد العاملين بالمدرسة.. الكل فاسد والكل يقبل الخطيئة ويستحسن الكذب والغش مرة بدعوى الحاجة للتغيير أو الاصلاح أو التمكن من الهروب والظروف، أو أن الغش قد أصبح مجرد سلوك شائع ومقبول ومدعم من الجميع بلا استثناء.. حتى ذلك المتدين فى نهاية الفيلم يقبل الغش ويعطى ورقة إجابته للراقصة تعبيراً عن امتنانه لها ومساعدتها فى تغيير واقعها.. الكل يغش ويكذب ويستبيح الحرام.. لأن الأستاذ قرر أن يموت ولا يعلم ولا يربى ولا يراقب ولا يحاسب ولا يقوم بدوره، وهذا هو لب القضية ومفتاح إجابة السؤال.. الفيلم سلسلة متصلة من المواقف المضحكة الساخرة المؤلمة.. هل هذا هو المجتمع المصرى الآن؟ إذا استطعت ألا تكذب وألا تغش وألا تجمل الإجابة، فلقد نجوت مع من قد ينجوا من ذلك الطوفان القادم لا محالة.














0 تعليق