أوضح الدكتور عطية لاشين، أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر، أن المقصود بإقامة الصلاة هو شروع المؤذن في الإقامة، وعندها لا يشرع للمسلم أن يبدأ صلاة نافلة جديدة، استنادًا إلى ما رواه الإمام مسلم عن سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة».
وأوضح أن جمهور الفقهاء استدلوا بهذا الحديث على كراهة أو منع الاشتغال بالنوافل عند إقامة الصلاة، لأن المقصود حينئذ المبادرة إلى أداء الفريضة مع الإمام وعدم الانشغال عنها بما سواها.
رأي الحنفية في صلاة السنة بعد الإقامة
وأشار الدكتور عطية لاشين إلى أن فقهاء الحنفية استثنوا سنة الفجر من هذا الحكم في بعض الأحوال، فقالوا إنه يجوز الشروع فيها إذا لم يخف المصلي فوات الجماعة، ولو بإدراك التشهد الأخير، أما إذا خشي فوات الجماعة فإنه يترك السنة ويدخل مع الإمام.
واستدل الحنفية بما رواه الإمام الطحاوي عن عبد الله بن أبي موسى عن أبيه أن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه صلى ركعتي السنة بعدما أقيمت صلاة الفجر، ثم دخل مع الجماعة، وكان معه حذيفة وأبو موسى رضي الله عنهما ولم ينكرا عليه ذلك.
كما نقل الإمام الطحاوي قوله في هذا الأثر: "فهذا عبد الله قد فعل هذا ومعه حذيفة وأبو موسى لا ينكران ذلك عليه، فدل ذلك على موافقتهما إياه".
أدلة الجمهور على ترك النافلة عند الإقامة
وبيّن أن جمهور العلماء أجابوا عن استدلال الحنفية بأن ما فعله عبد الله بن مسعود رضي الله عنه اجتهاد منه، ولعل النهي النبوي لم يبلغه في تلك الواقعة.
كما استدل الجمهور بما رواه الإمامان البخاري ومسلم عن عبد الله بن مالك بن بحينة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رأى رجلًا يصلي بعدما أقيمت صلاة الصبح، فقال له ما معناه إن فعله يؤدي إلى أن تبدو صلاة الصبح وكأنها أربع ركعات، وهو ما يدل على عدم مشروعية الانشغال بالنافلة بعد الإقامة.
ويؤكد هذا المعنى الحديث النبوي الشريف: إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة، وهو أصل مهم في هذه المسألة الفقهية التي تناولها العلماء بالشرح والتفصيل.
ماذا قال المالكية في هذه المسألة؟
وأوضح الدكتور عطية لاشين أن المالكية يرون أنه إذا أقيمت الصلاة فإنه يحرم ابتداء صلاة فرض أو نافلة سواء كان المصلي منفردًا أو مع جماعة أخرى داخل المسجد أو في رحبته.
وأضافوا أن من فعل ذلك أجزأته الصلاة مع الإساءة، واستثنوا سنة الفجر بشروط محددة، فإذا أقيمت الصلاة وهو داخل المسجد أو رحبته وجب عليه تركها والدخول مع الإمام، أما إذا كان خارج المسجد جاز له أن يصليها إذا لم يخف فوات ركعة مع الإمام.
ويستند هذا الرأي كذلك إلى دلالة الحديث الشريف إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة الذي يقدّم صلاة الجماعة والفريضة على غيرها من العبادات التابعة.
موقف الحنابلة من صلاة النافلة بعد الإقامة
أما الحنابلة فقد شددوا في هذه المسألة، فرأوا أنه إذا أقيمت الصلاة فلا يشرع للمسلم أن يبدأ أي صلاة نافلة أو راتبة سواء كان داخل المسجد أو خارجه إذا كان يريد الصلاة مع الإمام.
وأكدوا أن من شرع في النافلة بعد الإقامة فإن صلاته لا تنعقد أصلًا، لأن وقت الالتحاق بالجماعة قد حضر، وأصبح الاشتغال بغير الفريضة مخالفًا للمقصود الشرعي.
ويظهر من هذا الرأي مدى عناية الفقهاء بامتثال التوجيه النبوي الوارد في حديث إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة وحرصهم على عدم تفويت فضيلة الجماعة.
ماذا يفعل من كان يصلي نافلة ثم أقيمت الصلاة؟
وتطرق الدكتور عطية لاشين إلى حالة من كان قد بدأ بالفعل في صلاة النافلة قبل إقامة الصلاة، موضحًا أن الفقهاء اختلفوا في ذلك،
فالحنابلة يرون أنه إذا أقيمت الصلاة وهو في نافلة فإنه يتمها ندبًا إذا لم يخف فوات الجماعة، ليجمع بين فضيلة إتمام النافلة وفضيلة صلاة الجماعة، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾.
أما المالكية ففرقوا بين حالتين؛ فإن كان لا يخشى فوات ركعة مع الإمام أتم صلاته، وإن خشي فوات الركعة قطع النافلة والتحق بالجماعة مباشرة.
















0 تعليق