يشهد قطاع الزراعة في مصر خلال السنوات الأخيرة تطورًا ملحوظًا في العديد من المحاصيل الاستراتيجية، وفي مقدمتها القمح الذي يمثل أحد أهم ركائز الأمن الغذائي للدولة.
وتولي الحكومة اهتمامًا خاصًا بهذا المحصول الحيوي نظرًا لارتباطه المباشر بإنتاج الخبز المدعم الذي يعتمد عليه ملايين المواطنين يوميًا، فضلًا عن دوره في تقليل الاعتماد على الواردات الخارجية وتعزيز قدرة الدولة على مواجهة التقلبات الاقتصادية العالمية.
وتسعى الدولة بشكل مستمر إلى زيادة معدلات الإنتاج المحلي من القمح من خلال التوسع في الرقعة الزراعية، واستنباط أصناف عالية الإنتاجية، وتقديم حوافز متنوعة للمزارعين لتشجيعهم على زراعة المحصول وتوريده للجهات الحكومية، كما تعمل على تطوير منظومة التخزين والصوامع الحديثة للحفاظ على المحصول وتقليل الفاقد، بما يساهم في بناء احتياطي استراتيجي آمن من السلع الغذائية الأساسية.
توريد القمح المحلي
وفي هذا الإطار، كشفت بيانات رسمية حديثة عن تحقيق مصر معدلات غير مسبوقة في توريد القمح المحلي خلال الموسم الحالي، حيث نجحت الحكومة في شراء نحو 4.38 مليون طن منذ انطلاق موسم التوريد في منتصف أبريل الماضي، لتسجل بذلك أعلى كمية توريد للقمح المحلي في تاريخ البلاد.
وتعكس هذه الأرقام نجاح السياسات الحكومية الرامية إلى تشجيع المزارعين على تسليم محصولهم للدولة، من خلال توفير أسعار توريد مجزية وتسهيلات في إجراءات الاستلام، الأمر الذي أسهم في زيادة الإقبال على التوريد وتحقيق نتائج إيجابية غير مسبوقة مقارنة بالسنوات الماضية.
وأظهرت البيانات نموًا ملحوظًا في حجم الكميات الموردة، حيث ارتفعت بنسبة 15% مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025، والتي بلغت خلالها مشتريات الحكومة نحو 3.79 مليون طن. كما سجلت زيادة أكبر بلغت نحو 37% مقارنة بعام 2024 الذي شهد توريد نحو 3.19 مليون طن فقط.
ويرى متخصصون في الشأن الزراعي أن هذه القفزة الكبيرة تعكس نجاح منظومة إدارة محصول القمح خلال السنوات الأخيرة، سواء من خلال دعم المزارعين أو التوسع في المشروعات الزراعية القومية التي استهدفت زيادة الرقعة المزروعة بالمحاصيل الاستراتيجية.
كما تسهم زيادة الكميات الموردة في تقليل فاتورة استيراد القمح من الأسواق الخارجية، خاصة في ظل الاضطرابات التي تشهدها الأسواق العالمية وارتفاع أسعار الحبوب وتكاليف الشحن. ويؤدي ذلك إلى تخفيف الضغط على العملة الأجنبية وتعزيز استقرار السوق المحلية.
وتكتسب هذه الإنجازات أهمية إضافية في ظل اعتماد منظومة الخبز المدعم على توفير كميات كافية من القمح، حيث يستفيد من البرنامج أكثر من 69 مليون مواطن في مختلف محافظات الجمهورية، ما يجعل تأمين احتياجاته أولوية استراتيجية للدولة.
وتستهدف الحكومة الوصول بإجمالي مشتريات القمح المحلي إلى خمسة ملايين طن خلال الموسم الحالي الممتد من 15 أبريل وحتى 15 أغسطس المقبل، وتشير المؤشرات الحالية إلى أن تحقيق هذا الهدف بات قريبًا مع استمرار عمليات الحصاد والتوريد بوتيرة مرتفعة في مختلف المحافظات.
وفي سياق متصل، تواصل الحكومة دراسة تطوير منظومة الدعم من خلال بحث آليات التحول التدريجي من الدعم العيني إلى الدعم النقدي، بهدف رفع كفاءة توجيه الدعم وضمان وصوله إلى الفئات المستحقة، مع الحفاظ على منظومة الحماية الاجتماعية وعدم المساس بحقوق المواطنين المستفيدين.
وتؤكد الأرقام المحققة خلال الموسم الحالي أن قطاع القمح المصري يسير بخطى ثابتة نحو تحقيق مستويات أعلى من الاكتفاء الذاتي، بما يعزز الأمن الغذائي الوطني ويدعم جهود الدولة في بناء اقتصاد أكثر قدرة على مواجهة التحديات والمتغيرات العالمية، فضلًا عن ترسيخ مكانة الزراعة كأحد المحاور الرئيسية لتحقيق التنمية المستدامة في مصر.


















0 تعليق