النفط الأمريكي.. حل سياسي أم عبء اقتصادي؟

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

وصل وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إلى الهند، السبت، في زيارة تحمل أبعادًا اقتصادية وجيوسياسية معقدة، وسط تصاعد المخاوف العالمية من اضطراب إمدادات الطاقة عبر مضيق هرمز، الذي بات ورقة ضغط تستخدمها إيران في ظل تعثر مفاوضات السلام الهشة مع الولايات المتحدة.

 

وتأتي الزيارة في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة للهند، ثالث أكبر اقتصاد في آسيا، والتي تعتمد بشكل شبه كامل على الخارج لتأمين احتياجاتها من الطاقة، في وقت تسببت فيه الاضطرابات المتصاعدة في الخليج بتقليص شحنات النفط والغاز المارة عبر مضيق هرمز، أحد أهم الممرات الحيوية للطاقة في العالم.

 

الهند في قلب أزمة الطاقة العالمية

تعتمد الهند على الاستيراد لتوفير أكثر من 80% من احتياجاتها النفطية، ما يجعل أي اضطراب في حركة الملاحة بالخليج تهديدًا مباشرًا لحياة أكثر من 1.4 مليار نسمة يعتمدون على الوقود المستورد في النقل والصناعة والطهي وتوليد الطاقة.

 

وفي محاولة لاستغلال الأزمة، تسعى واشنطن إلى تعزيز حضورها داخل سوق الطاقة الهندي، حيث كان روبيو قد صرح سابقًا بأن الولايات المتحدة ترغب في “بيع الهند أكبر كمية ممكنة من الطاقة”، مشيرًا إلى ما وصفه بالمستويات التاريخية للإنتاج والصادرات الأمريكية.

 

ويرى مراقبون أن الإدارة الأمريكية تحاول تحويل أزمة هرمز إلى فرصة اقتصادية واستراتيجية، عبر دفع نيودلهي لتقليص اعتمادها على نفط الشرق الأوسط وروسيا، مقابل توسيع وارداتها من الطاقة الأمريكية.

 

النفط الأمريكي.. حل سياسي أم عبء اقتصادي؟

بحسب تحليل لهيئة الإذاعة البريطانية، فإن الهند قد تجد في زيادة وارداتها من النفط والغاز الأمريكيين فرصة لتخفيف حدة التوتر التجاري مع واشنطن، خصوصًا بعد تصاعد غضب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من اتساع العجز التجاري لصالح الهند.

 

وسجل العجز التجاري الأمريكي مع الهند نحو 58.2 مليار دولار خلال عام 2025، بزيادة تجاوزت 27% مقارنة بالعام السابق، وهو ما دفع إدارة ترامب للضغط بقوة لإعادة صياغة العلاقات التجارية بين البلدين.

 

لكن رغم الإغراءات السياسية، تبدو الحسابات الاقتصادية أكثر تعقيدًا، إذ يشير محللون إلى أن استيراد النفط الأمريكي يفرض تكاليف شحن أعلى بسبب المسافات الطويلة، ما يجعل الاعتماد عليه كبديل شامل أمرًا صعبًا في المدى القريب.

 

اتفاقات بالمليارات مقابل خفض الرسوم

وكانت العلاقات التجارية بين البلدين قد شهدت انفراجة نسبية بعد قرار ترامب خفض الرسوم الجمركية المتبادلة على الهند من 50% إلى 18%، عقب حالة جمود استمرت نحو عشرة أشهر.

 

وجاء هذا التطور بعدما تعهدت نيودلهي بشراء سلع أمريكية بقيمة تصل إلى 500 مليار دولار، تشمل الطاقة والطائرات والتكنولوجيا والمنتجات الزراعية، ضمن اتفاق مؤقت أُبرم في فبراير الماضي.

 

ورغم ذلك، لا تزال المفاوضات جارية بين الجانبين بشأن الصيغة النهائية لاتفاق تجاري أوسع، وسط غموض يحيط بالتفاصيل الحقيقية للتفاهمات.

 

 

خلافات سياسية تلاحق التقارب الأمريكي الهندي

ورغم محاولات التقارب الأخيرة، فإن العلاقات بين واشنطن ونيودلهي لم تخلُ من التوترات السياسية، خاصة بعد تبادل الاتهامات بشأن الطرف الذي أنهى المواجهة القصيرة بين الهند وباكستان العام الماضي.

 

كما أثار إعجاب ترامب العلني بقائد الجيش الباكستاني عاصم منير غضبًا واسعًا داخل الأوساط السياسية الهندية، بعدما وصفه الرئيس الأمريكي بأنه “المشير المفضل لديه”.

 

وفي مواجهة الضغوط الأمريكية، تحركت الهند سريعًا خلال الأشهر الماضية نحو توسيع شراكاتها التجارية عالميًا، عبر تسريع اتفاقيات تجارة حرة مع المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي وأستراليا وسلطنة عُمان، في محاولة لتقليل اعتمادها على السوق الأمريكية وتعزيز هامش المناورة الاقتصادية والسياسية.

 

سباق نفوذ فوق صفيح الخليج الساخن

زيارة روبيو إلى الهند تكشف بوضوح أن أزمة الطاقة لم تعد مجرد ملف اقتصادي، بل تحولت إلى ساحة صراع نفوذ دولي، تتداخل فيها حسابات النفط بالتجارة والسياسة والأمن الإقليمي.

 

ومع استمرار التوتر في الخليج، تبدو نيودلهي أمام اختبار صعب بين احتياجاتها المتزايدة للطاقة، وضغوط واشنطن التجارية، ورغبتها في الحفاظ على توازن حساس بين القوى الدولية المتصارعة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق