السبت 23/مايو/2026 - 11:41 ص 5/23/2026 11:41:33 AM
في عالم الكوميديا، هناك من يضحكك بالصخب، وهناك من يمتلك مفاتيح قلبك بإطلالة رصينة وملامح تجمع بين الطيبة والسخرية في آنٍ واحد. هكذا كان عبد الله فرغلي؛ الفنان الذي استقرّ في الوجدان العربي كأحد ألطف الوجوه وأقربها إلى القلوب، تاركًا بصمة دافئة لا تمحوها الأيام.
لم يكن مجرد مؤدٍّ يمرّ عابرًا في المشهد الفني، بل كان بمثابة الوتد الحقيقي والضمانة لنجاح أي عمل يشارك فيه. تميّز بأسلوب “السهل الممتنع”؛ يلقي عباراته بنبرة متفرّدة تجمع بين الجدية الصارمة والكوميديا المفارقة. وامتلك قدرة نادرة على مجاراة عمالقة جيله، بل وصنع معهم مشاهد تُستعاد كأيقونات للضحك الراقي، إذ كان يمنح من حوله مساحات واسعة للإبداع، بينما يقتنص هو الضحكة بنظرة عين أو إيماءة رأس عفوية.
هذا الحضور الخاص مكّنه من تجسيد الإنسان البسيط بكل تناقضاته: الأب الحريص، الموظف الصارم ذو القلب الطيب، والرجل الذي يعافر تفاصيل الحياة اليومية. ورغم كثرة أدواره الثانوية، فإنه كان يسرق الكاميرا بحضوره، ويجعل من شخصياته ركيزة لا يستقيم العمل بدونها، مؤكّدًا أن قيمة الدور تُقاس بالأثر لا بالمساحة.
ولم تتوقف موهبته عند الأداء التمثيلي فحسب؛ فقد امتلك عينًا خبيرة وحسًا فنيًا قاده إلى عالم الكتابة وصياغة الأفكار خلف الكواليس. هذا الفهم العميق للنص هو ما جعل أداءه أمام الكاميرا يبدو كعزفٍ منفردٍ ومدروس؛ يعرف متى يتكلم ومتى يصمت، ومتى يترك تعبير وجهه يقوم بالمهمة كاملة.
إن غياب الكبار لا يطمس أثرهم، بل يفرز طريقتهم ويوثقها؛ وعبد الله فرغلي ترك خلفه مدرسة عصية على النسيان في الكوميديا الراقية، مدرسة لا تعتمد على الصخب بقدر ما تتكئ على الموقف الذكي والكلمة اللماحة. ستبقى تلك النبرة الأبوية الحازمة المتداخلة مع السخرية الساكنة في عينيه إرثًا حيًا يطلّ علينا كلما احتجنا إلى ضحكة صافية، ويؤكد أن البهجة الحقيقية لا تغيب، بل تولد من جديد مع كل جيل يكتشف سحر حضور ذلك “الأستاذ” الوقور الذي علّمنا كيف يكون الضحك فصيحًا وعميقًا.



















0 تعليق