يُعد ملف نقل وزراعة الأعضاء البشرية من أدق الملفات التي تتشابك فيها الأبعاد الطبية والقانونية والدينية، ففي حين تُمثل زراعة الأعضاء طوق النجاة الأخير لآلاف المرضى، تظل المخاوف من الانزلاق نحو فخ تجارة الأعضاء هاجسًا يؤرق المشرع، ومن هنا، رسخ التشريع المصري قواعد فولاذية تفصل تمامًا بين التبرع الإنساني الخالص وبين الاستغلال التجاري، واضعًا حزمة من الشروط والموانع التي تحمي جسد المواطن حيًا وميتًا.
نستعرض في هذا التقرير التحليلي الركائز القانونية والطبية الحاكمة لعمليات التبرع بالأعضاء في المنظومة الصحية والتشريعية.
التبرع بين الأحياء والتبرع بعد الوفاة
الأصل في التشريع المصري أن جسد الإنسان ليس محلًا للبيع أو التنازل بمقابل مادي. لذا، قصر القانون التبرع بالأعضاء بين الأحياء على الأقارب حتى الدرجة الرابعة، لضمان أن يكون الدافع هو صلة الرحم والتكافل الأسري وليس الحاجة المالية.
وفي حالات نادرة جدًا، سمح القانون بالتبرع لغير الأقارب، ولكن بشرط العرض على اللجنة العليا لزراعة الأعضاء لإجراء تحقيقات صارمة ومقابلات نفسية واجتماعية مع المتبرع، للتأكد بنسبة مائة بالمائة من غياب أي شبهة للاتجار أو الابتزاز المالي، وأن الرضا حر ومستنير.
وتُعد الاستفادة من أعضاء حديثي الوفاة لإنقاذ الأحياء خطوة متقدمة طبيًا، لكنها محاطة بضوابط قانونية صارمة احترامًا لحرمة الميت، حيث حسم القانون هذا الجدل باشتراط وجود وصية موثقة (مُسجلة في الشهر العقاري أو مُثبتة في السجلات الرسمية للدولة) يقر فيها الشخص بكامل قواه العقلية قبل وفاته برغبته في التبرع بأعضائه.
ولا يجوز طبيًا أو قانونيًا استئصال أي عضو من المتوفى استنادًا لموافقة أهله فقط إذا لم يكن قد ترك هذه الوصية الصريحة، وهو ما يقطع الطريق على أي استغلال لجسد المتوفى.
الموانع الطبية والأخلاقية والردع الجنائي
القاعدة الطبية والقانونية الأولى في عمليات النقل هي لا ضرر ولا ضرار، ويمنع القانون إتمام أي عملية تبرع إذا قررت اللجان الطبية المستقلة أن استئصال العضو سيُشكل خطرًا على حياة المتبرع، أو سيعيقه عن ممارسة حياته الطبيعية، أو إذا كان المتبرع يعاني من أمراض مزمنة تمنعه من التبرع.
كما يُحظر تمامًا نقل الأعضاء الأساسية التي تعتمد عليها حياة المتبرع (كالقلب مثلًا من شخص حي)، ويمتد المنع ليشمل القصر وعديمي الأهلية؛ فلا يُعتد برضاهم ولا برضا أولياء أمورهم في التبرع بالأعضاء، حمايةً لهم من أي استغلال.
ولإحكام السيطرة على هذا الملف الحساس، ضرب المشرع بيد من حديد على سماسرة الأعضاء والشبكات الطبية المشبوهة.
كذلك غلظ القانون العقوبات لتصل إلى السجن المؤبد وغرامات بملايين الجنيهات لكل من تورط في بيع أو شراء عضو بشري أو التوسط في ذلك، ولا تقتصر العقوبة على السماسرة، بل تمتد لتشمل الأطباء المشاركين في الجريمة بشطبهم نهائيًا من سجلات نقابة الأطباء، وإغلاق المستشفيات أو المراكز الطبية التي سُمح بإجراء هذه العمليات غير القانونية بداخلها ومصادرة أجهزتها لصالح الدولة.


















0 تعليق