مِن زكى نجيب محمود نَتعَلّم «٣»

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

كلما أمعنت فى قراءة كُتب الفيلسوف زكى نجيب محمود، امتلأت بالحزن المختلط بالسخط والغضب، فالأفكار التى يُعالجها الفيلسوف، والملاحظات والمشاهدات التى يسجلها، لم تتغير رغم أنه مضى ما يقارب ٧٣ عامًا على إصدار كتابه الأهم «خرافة الميتافيزيقا»، فلا شىء تغير للأحسن، بل إن الأمور تزداد سوءًا فى كثير من مناحى الحياة، وكنت أؤمن فيما سبق أننا ندور فى فراغ أو على الأقل نعود دائمًا لنقطة الصفر، لكن الصورة تتضح لى شيئًا فشيئًا أننا نسير للخلف أو نسقط فى الهاوية.. أنا لست متشائمة، لكن أن تكون كتابات واحد من كبار مفكرينا التى صدرت منذ عقود، تنطبق على حالنا اليوم.. فهو شىء مُربك، إنه يقول ويصف الزمن الذى مضى بالصفات نفسها التى تضجرنا من عصرنا، يقول فى مقدمة الطبعة الثانية لكتاب «موقف من الميتافيزيقا الذى صدر عام ١٩٨٣:

«تنعكس صورة العصر على أقلام الكُتَّاب والمفكرين بإحدى طريقتَين، فهؤلاء الكُتَّاب والمفكِّرون إما أن يصوِّروا واقع الحياة من حولهم تصويرًا أمينًا، بحيث يبدو على صفحات كتبهم وجهُ الحياة القائمة، كما هو بملامحه ومعالمه وقَسَماته ولمحاته، أو أن يصوِّروا هذا الواقع بالثورة عليه ومحاولة قلب أوضاعه. 

وعقيدتى هى أن عصرنا هذا فى مصر بصفة خاصة، يسوده استهتار عجيب فى كل شىء، والذى يهمنى الآن ناحية خطيرة من نواحى حياتنا، هى ناحية التفكير والتعبير؛ فقد اعتادت الألسنة والأقلام أن ترسل القول إرسالًا غير مسئول، دون أن يطوف ببال المتكلم أو الكاتب أدنى شعور بأنه مطالَب أمام نفسه وأمام الناس، بأن يجعل لقوله سندًا من الواقع الذى تراه الأبصار وتمسه الأيدى.

فلو كان هذا الارتجال الحُر الطليق من قيود الواقع وشكائمه مقصورًا على جوانب هَيِّنة يسيرة من حياتنا، لما كان الأمر بحاجة إلى جهد يُبْذَل، لكنه ارتجال اتسعت رقعته، حتى شمل حياتنا العملية والعلمية كلها أو كاد، بحيث أصبح أمرًا مألوفًا أن نرى الحاكم عندنا يحكم الناس بلا عدٍّ أو حساب، والاقتصادى يَصْدُرُ فى مشروعاته عن غير إحصاء وأرقام، والعالِم يقول القَوْل بلا سند أو دليل.

وهذه كلها- فى حقيقة الأمر- فروع تفرَّعت عن مشكلة أعم وأضخم، هى مشكلة الأخلاق التى أحاطت بحياتنا الفردية والاجتماعية من جميع جهاتها، فتراها بادية فى مظاهر لا تخطئها العين المسرعة العابرة؛ وهل من سبيل أمام الرائى أن تخطئ عيناه هذا الاستخفاف الشامل، الذى رفع عن كواهل الناس كل شعور بالتَّبِعة فيما يقولون وما يفعلون؟ لا فرق فى ذلك بين حاكم ومحكوم، وكدتُ أقول ألا فرق بين عالم وجاهل، فهو استخفاف بكل شىء، قد تغلغل فى ثنايا حياتنا، واصطبغت بلَوْنه دنيانا بكل ما فيها من جليل وتافه، حتى أصبح المتعقب للحق- على عُسْر الطريق ومشقته- هو الحقيقى مِنَّا بالسخرية والضحك».

قبلها بسنوات أكد فى كتابه «ثقافتنا فى مواجهة العصر» الصادر عام ١٩٧٦:

«سلطان العقل هو مَدار القياس لدرجات الحضارة؛ فقُل لى كم عقلت أمةٌ فى تدبيرها لأمورها؛ أقُل لك كم صعدَت فى مَدارج التحضر، وأقول سلطان العقل ولا أقول مَضَاء الإرادة؛ فالأولويَّة فى البناء الحضارى للعقل وفكره، قبل أن تكون للإرادة وفعلها، نعم، إنَّه لا بُدَّ من التفكير العقلى من إرادة التنفيذ، لكنَّها عندئذٍ تكون إرادةً مُلجَمة بتخطيط العقل، وأمَّا إذا بدأنا الشوطَ بإرادةٍ تفعل؛ فمن ذا الذى يضمن لنا ألَّا يجىء فعلُها تخبطًا أهوج، يتَّجه بنا نحو اليسار إذا كان الاتجاه إلى يمينٍ هو الموصِّلَ إلى الهدف، أو يتجه بنا نحو اليمين عندما تقتضى حِكمةُ العقل أن نسير إلى يسار؟.

سَلْ من شئت: هل تُحب أن تُتابع العصرَ فى عقلانيته وتقنياته؟ يجبك فى استعلاء بأنَّ العقلانية وما يترتبُ عليها هى جزءٌ من ميراثنا الأصيل، لكن قُل له إنَّها فى عصرنا تستتبع عدة أمور: منها ألَّا تُلقى بزمامك إلى العاطفة أيًّا كان نوعها، ومنها أن يتولَّى العملَ مَن يُحسن أداءه، لا مَن ينتمى إلى أصحاب الجاه بأواصر القُربى، ومنها أن يكون الارتكازُ كلُّه على الواقع المادى الصارم، ومنها أن نصطنعَ فى حياتنا نظرةً علمانية تجعل محورها هنا على هذه الأرض، قبل أن يكون هناك فى عالم آخر.. قُل له هذا، يأخُذْه الفزع؛ لأنَّه عندما أعلن أنَّه مِن أنصار النظرة العقلية، لم يكن قد تُخُيِّل لنفسه أنَّها نظرة تلدُ كلَّ هذا النسل العجيب؛ فهو عقلانى بالاسم، لا بالمضمون والنتائج، إنَّه يقبل من العصر تقنياته؛ لأنَّه يريد- كسائر عباد الله- أن ينعمَ بالسيارة والطيارة، وأجهزة التدفئة والتبريد، لكنَّه إذا علم بأنَّ إدخال هذه الآلات فى حياتنا معناه إدخالُ عادات جديدةٍ فى تلك الحياة، ومعناه إحلال قيمٍ جديدة محلَّ قيم قديمة، أخذَه الهلع؛ لأنَّه فى عمق نفسِه لا يريد عن قيمه الموروثة بديلًا.

إذا كان توصيف الداء موجودًا، إذا كانت العلة تزداد افتراسًا لحيواتنا، وكان الدواء موجودًا لدى مفكرينا، فلماذا الإصرار على تجاهل نصائح استخدام المنطق والعقل، ما الذى نخافه؟ هل نحتاج إلى كارثة شاملة، كلنا يشتكى، كلنا يعانى، لكننا نسير بخطى حثيثة نحو الهاوية وكأننا أبطال لتراجيديا إغريقية لم تقرأها من قبل».

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق