دعوة مستجابة..

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

الإثنين 04/مايو/2026 - 06:08 م 5/4/2026 6:08:13 PM


في لحظة يختلط فيها الصبر بالقهر، ويُساء فهم السكوت، يقف المظلوم وحيدًا أمام عالم يطالبه بأن يكون أهدأ مما يحتمل، وأقوى مما يطيق، وأصفى مما يجرحه الواقع كل يوم، يُطلب منه أن يتجاوز، أن ينسى، أن يسامح، وكأن الألم تفصيل بسيط يمكن محوه بكلمة، لا أثرًا عميقًا يتركه الظلم في الروح. لكن بين ضغط الواقع وعدل السماء، تبقى الحقيقة أوضح من كل تبرير.
تتبدل المفاهيم أحيانًا حين يخلط كثيرون بين التسامح والضعف، وبين العفو والاستسلام، حتى صار الدفاع عن النفس في نظر البعض قسوة، بينما يُطلب من المظلوم أن يصمت وكأن الصمت فضيلة مطلقة مهما بلغ حجم الأذى.
لكن الحقيقة التي أكدتها الشريعة بوضوح، أن الله سبحانه وتعالى لم يفرض على الإنسان أن يتخلى عن حقه، ولم يجعل احتمال الظلم عبادة، بل منح المظلوم حق الدفاع، وشرع له أن ينتصر لنفسه بالعدل دون تجاوز أو انتقام أعمى.
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ﴾.. هذه الآية تختصر معنى عظيمًا يغيب عن كثيرين، فالإسلام لم يُربِّ الإنسان على الذل أو قبول الظلم مهما كان مصدره، وإنما ربّاه على العدل وحفظ الحقوق.
فالطيبة الحقيقية لا تُولد من الضعف، والعفو لا يكون نتيجة قلة الحيلة، بل هو مقام عظيم لا يبلغه إلا القادرون. لذلك قال الله عز وجل: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ۖ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾.
هنا يتضح الميزان الإلهي العادل؛ فالأصل هو ردّ الحقوق وإنصاف المظلوم، أما العفو فهو اختيار كريم يُؤجر عليه صاحبه.. ولكن إذا صدر عن قوة نفس وقدرة، لا عن خوف أو انكسار.
المؤلم حقًا أن بعض الأشخاص باتوا يضغطون على المظلوم أكثر مما يحاسبون الظالم، فيطالبون بالنسيان، ويدعون للتسامح القسري، بينما يجد المتعدي ألف مبرر لفعلته، وكأن القلب المكسور مطالب دائمًا بأن يتحمل فوق طاقته حتى يبدو “نقي القلب” أمام الناس.
لكن الله سبحانه لم يقل للمظلوم تنازل عن حقك، بل قال: ﴿وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَٰئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ﴾.
فالكرامة ليست رفاهية، والحقوق ليست هبة يمنحها البشر متى أرادوا ويمنعونها متى شاؤوا، ومن يصمت عن الظلم أحيانًا بدافع العجز قد يكون معذورًا، لكن تحويل الصمت إلى فضيلة مطلقة أمر يناقض الفطرة والعدل معًا.
لقد حذّر النبي ﷺ من الظلم تحذيرًا شديدًا حين قال: “اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة”، وفي الحديث القدسي يقول الله عز وجل: “يا عبادي إني حرّمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرّمًا”.
فالظلم عند الله ليس أمرًا هيّنًا، وكسر القلوب ليس جرحًا عابرًا يُمحى بسهولة، قد ينجح الظالم في خداع الناس، وقد يتقن دور البريء، وقد يضحك طويلًا، لكن هناك عدالة لا تغفل، وحسابًا لا يضيع معه حق.
وما بين دمعة المظلوم ودعائه، وبين عدالة السماء، أسرار لا يراها البشر لكن الله يعلمها كاملة.
ثق تمامًا أن الله لا يُهمل وإن أمهل، وأن كل وجع محفوظ، وكل حق مسلوب مردود، وكل مظلوم له موعد مع الإنصاف ولو بعد حين.
ردع الظلم عدل، وأخذ الحق شجاعة.. لا تخجل أبدًا من تمسكك بحقك، ولا تسمح لأحد أن يجعلك تشعر أن الدفاع عن كرامتك خطيئة، فالإنسان الذي يحمي نفسه من الظلم لا يفقد طيبته، بل يحفظ إنسانيته وحدود كرامته التي أمر الله بصونها.
وفي النهاية، يبقى اليقين بالله هو السند الحقيقي لكل قلب موجوع، بأن الحقوق لا تضيع عند الله، وأن دعوة المظلوم لا تُرد، وأن الأيام مهما طالت ستكشف الحقائق، ويعلم الذين ظلموا أيَّ منقلب ينقلبون.

ads
إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق