ملتقى العريش.. مناورة ثقافية على الحدود

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

تشهد مدينة، العريش الأسبوع المقبل، انطلاق فعاليات الدورة الثالثة من ملتقى العريش الثقافى، مطلع شهر مايو، بمشاركة نخبة من الأدباء والمثقفين من مختلف محافظات مصر، فى حدث ثقافى يتجاوز كونه تظاهرة أدبية عابرة ليغدو علامة دالة على حضور سيناء فى قلب المشهد الإبداعى الوطنى، وعلى قدرتها المتجددة فى رفد الحركة الثقافية المصرية بطاقات فكرية وجمالية متنوعة.

ويأتى انعقاد هذه الدورة فى لحظة تتقاطع فيها الرمزية الثقافية مع الحاجة الواقعية إلى إعادة الاعتبار للأقاليم ذات الخصوصية الجغرافية والتاريخية، حيث يتأسس الملتقى بوصفه مساحة مفتوحة للحوار بين المبدعين، ومنصة للتفاعل بين التجارب المختلفة، وساحة لإعادة اكتشاف العلاقة بين الثقافة والهوية والمكان. ومن هذا المنطلق، لا يُنظر إلى الملتقى بوصفه فعالية احتفالية فحسب، بل باعتباره فعلًا ثقافيًا واعيًا يسعى إلى ترسيخ حضور سيناء داخل الخريطة الثقافية المصرية بوصفها فضاءً منتجًا لا متلقيًا.

وتتضاعف دلالة انعقاد الملتقى فى مدينة العريش تحديدًا، لما تحمله هذه المدينة من كثافة رمزية وجغرافية وإنسانية، تجعلها أكثر من مجرد موقع جغرافى، بل فضاءً يحمل ذاكرة المكان وتحوّلاته وتناقضاته. فالعريش ليست هامشًا ثقافيًا، بل مركز قابل للاكتشاف والتفعيل، يحتاج إلى مبادرات مستمرة تعيد إدماجه فى الدورة الحيوية للمشهد الثقافى الوطنى، وتمنحه فرصًا أوسع للتعبير عن ذاته وإنتاج سرديته الخاصة بعيدًا عن الصور النمطية الجاهزة.

كما يكتسب استمرار انعقاد ملتقى العريش الثقافى دلالة أكثر عمقًا تتجاوز فكرة الحدث الدورى، ليغدو تعبيرًا عن رؤية ثقافية تؤمن بأن الثقافة ليست لحظة عابرة تُستهلك، بل مشروع ممتد فى الزمن، يتشكل عبر التراكم، ويُبنى على الاستمرارية، ويصنع ذاكرة جمعية تتجاوز الأفراد إلى الوعى العام. فاستدامة مثل هذه الفعاليات تعنى بالضرورة فتح المجال أمام الأجيال الجديدة لتجد لنفسها موطئ قدم داخل المشهد الثقافى، وتتيح فى الوقت ذاته إعادة قراءة التجارب السابقة وتطويرها بدل الاكتفاء بها.

ومن ثم، فإن هذا الملتقى لا يقتصر على كونه منصة للعرض والتلاقى، بل يتحول إلى أداة لإنتاج معنى ثقافى جديد، يعيد تعريف العلاقة بين المركز والهامش، وبين الثقافة والمجتمع، وبين الإبداع وبيئته الطبيعية والاجتماعية. وهو ما يمنح استمراره أهمية مضاعفة، باعتباره رافدًا حقيقيًا لاستدامة الفعل الثقافى فى شمال سيناء، وخطوة فى اتجاه ترسيخ حضورها الفاعل والمؤثر على الخريطة الثقافية المصرية.

4732a938e5.jpg

يقولون إن الجغرافيا هى جسد الأرض، لكن التاريخ هو روحها؛ وإذا كانت مصر هى قلب العالم، فإن سيناء هى «نبض» هذا القلب وضميره المستتر. هذه العبارة ليست مجرد استعارة بل مفتاح لفهم طبيعة هذه البقعة الفريدة، التى تختزن فى تضاريسها وتفاصيلها معانى أعمق بكثير من حدود الخرائط السياسية أو التقسيمات الإدارية. فسيناء ليست مجرد مساحة جغرافية، بل هى كيان حىّ، يتنفس عبر الزمن، ويحمل فى أعماقه ذاكرة ممتدة من الغيب إلى الحاضر.

نحن لا نتحدث عن مجرد مساحات شاسعة من الرمال والسهول والجبال الصماء، بل نتحدث عن الأرض الوحيدة على هذا الكوكب التى تآخى فيها «تراب الأرض» مع «نور السماء»؛ الأرض التى عبرها الأنبياء فى رحلاتهم المقدسة، وحفظت تضاريسها خطى الفاتحين، وسقتها دماء الأبطال حتى ارتوت بعزة السيادة. هذه الأرض التى بدت للبعض قاسية فى ظاهرها، تخفى فى جوفها رقة إنسانية وروحًا شفافة، تجعلها أقرب إلى نص مفتوح يُقرأ أكثر مما يُرى.

فى سيناء، الثقافة ليست نصوصًا فى كتب تُقرأ، بل هى أثر يُتَّبع فى دروب الوديان، وقصيدة تُرتَجَل فى مجالس السمر، و«ثوب» يُطرَّز بذاكرة قبائل لم تفرط يومًا فى هويتها. إنها ثقافة حية، تُمارَس يوميًا، وتنتقل من جيل إلى جيل عبر الحكاية والصوت والصورة والطقس الاجتماعى. كل تفصيلة فى حياة الإنسان السيناوى تحمل دلالة، وكل سلوك يعكس فلسفة عميقة فى فهم الوجود والعلاقة مع المكان.

لا نتحدّث عن سيناء التى تظهر فى العناوين الإخبارية العابرة، بل عن سيناء الإنسان؛ ذلك الذى روّض الصخر، وعن العُرف الذى أقام ميزان العدل قبل أن تُشيَّد المحاكم، وعن التراث الذى ظلّ صامدًا رسوخ جبالها. إن الصورة النمطية التى اختزلت سيناء فى مشاهد التوتر والصراع تُعدّ ظلمًا معرفيًا وتاريخيًا فادحًا لهذه الأرض وأهلها؛ فالحقيقة أوسع بكثير، وأكثر إشراقًا، وتستحق أن تُروى بوعىٍ وإنصاف.

دعونا نرفع الستار عن الملامح الثقافية لهذه البقعة الغالية؛ لنكتشف معًا كيف استطاعت سيناء أن تُحوِّل قسوة البيئة إلى رِقّة فى الإبداع، وعزلة الصحراء إلى انفتاح رحب على الروح والكون. ذلك التحوّل من التحدّى إلى الإبداع هو جوهر العبقرية السيناوية؛ عبقرية لم ترَ فى الصحراء عائقًا، بل أفقًا للتأمّل ومجالًا خصبًا للتشكّل والابتكار.

من الخطأ التاريخى اختزال سيناء فى كونها مجرد «خندق دفاعى» أو «ساحة عسكرية» لا أكثر؛ فسيناء، فى حقيقتها العميقة، هى الجسر الثقافى الأهم فى هذه المنطقة. لم تكن يومًا حاجزًا جغرافيًا، بل ظلّت على الدوام معبرًا للأفكار، ورئةً تنفّست من خلالها مصر عروبتها، وقدّمت عبرها إلى العالم إشراقها الإيمانى والإنسانى. عبرت أرضها القوافل، وتلاقت فوقها الرؤى، وتمازجت فى فضائها الثقافات، حتى غدت بوتقة حضارية فريدة تُجسّد معنى التلاقى لا التنافر، والامتداد لا الانقطاع.

إن استبدال «الصورة النمطية» لسيناء كمنطقة نزاع، إلى منطقة «إشعاع حضارى»، هو معركتنا الثقافية الحقيقية. فمن يقرأ رمالها سيجد «طريق الحجيج» القديم الذى ربط المغرب بالمشرق، وقوافل التجارة التى مزجت بين ثقافات الشام والحجاز ووادى النيل، لتصب جميعها فى بوتقة الهوية المصرية الجامعة. هذا الموقع الفريد صاغ الإنسان السيناوى، فجعله بطبيعته منفتحًا، قادرًا على استيعاب الآخر دون أن يفقد خصوصيته، وعلى التفاعل دون أن يذوب.

وتُمثّل سيناء نموذجًا فريدًا لما يُسمى «أنثروبولوجيا المكان»، حيث نشأت ثقافة تقوم على الاندماج الكامل مع الطبيعة لا الصراع معها. فالإنسان السيناوى لم يسعَ لقهر البيئة بآلاته، بل جعل من ندرة الموارد سببًا للإبداع والابتكار. لقد فهم قوانين الطبيعة، وتعايش معها، واستخرج منها ما يكفيه دون أن يستنزفها.

3a3315774b.jpg

تتجلّى هذه العبقرية فى علوم «الفراسة» و«قصّ الأثر»، وهى معارف فطرية تقرأ صفحات الرمال كما نقرأ نحن بطون الكتب. فالسيناوى قادر على تحديد هوية العابر، ووقت مروره، بل وحتى حالته النفسية أو الصحية، من مجرد أثرٍ على الرمل. وهذه المعرفة ليست مجرد مهارة، بل هى ثمرة تفاعل طويل بين الإنسان وبيئته، وتعبير عن ذكاء عملى متجذّر.

كما تتجلّى فى «الطب الشعبى»، الذى حوّل أعشاب الوديان المنسية إلى دواء ناجع، فاستخلص من «الشيح» و«القيصوم» و«المرمرية» صيدلية طبيعية تغنيه عن بُعد المراكز الطبية. وهذه الممارسات ليست بدائية كما قد يُظن، بل هى تراكم معرفى قائم على التجربة والملاحظة، ويستحق الدراسة والتوثيق.

ما يميّز سيناء عن غيرها امتلاكها دستورًا غير مكتوب، لكنه نافذ بقوة الإجماع، وهو «العُرف البدوى». فهذا النظام ليس مجرد تقاليد موروثة، بل منظومة قانونية واجتماعية متكاملة، تهدف إلى حماية النسيج المجتمعى وصون الكرامة الإنسانية؛ فهو قانون أخلاقى قبل أن يكون قانونًا إجرائيًا.

ويُعدّ «المقعد» أو «الديوان» السيناوى المدرسة الأولى التى تُرسِّخ القيم؛ ففيه تُحلّ النزاعات المعقّدة بحكمة الكبار، ويتعلّم الصغير فنّ الاستماع قبل الكلام. وهذه المساحات الاجتماعية تُنتج إنسانًا متوازنًا، يعرف حدوده وواجباته، ويحترم الآخر دون حاجة إلى سلطة مفروضة.

فى هذا النظام، يعتبر «الوجه»- أى العهد والذمة-، و«الجار»، و«الضيف» خطوطًا حمراء لا يجوز تجاوزها. وقد أسهمت هذه القيم فى تشكيل مجتمع ينضبط بالوازع الداخلى قبل النصوص المكتوبة، ويؤمن بأن الكرامة لا تُجزأ.

وتتميز سيناء بثقافة «التسامح الجبلى» العميقة؛ وخير شاهد على ذلك التعايش التاريخى الممتد لقرون بين بدو جنوب سيناء ودير سانت كاترين. وقد خلق هذا التمازج هوية روحانية تتجاوز الحدود الضيقة، لتصبح سيناء بيتًا لكل باحث عن السكينة؛ حيث تتعانق مآذن المساجد مع أجراس الكنائس فى لوحة تعكس جوهر مصر الحقيقى.

إن ملامح سيناء الثقافية تمثل جزءًا أصيلًا من «القوة الناعمة» المصرية، إذ تجمع بين أنفة البدوى العربى، وحكمة الفلاح المصرى، وقداسة المكان. ومن ثم، فإن الحفاظ على هذا التراث ليس ترفًا، بل ضرورة لفهم عمق الشخصية المصرية.

ولا يعنى تميز سيناء انعزالها، بل هو مصدر ثراء للهوية المصرية؛ فهى رئة ثقافية تمنح مصر بُعدًا استراتيجيًا وقيميًا. ومع مشروعات التنمية، يمكن تحويل هذا التراث إلى طاقة فاعلة تدعم الاقتصاد الثقافى والسياحى.

9011651855.jpg

ومن هنا، برزت مبادرات ثقافية مهمة، مثل «ملتقى العريش الثقافى»، الذى يمثل محاولة جادة لإعادة الاعتبار لدور الثقافة فى شمال سيناء.

يُعدّ ملتقى العريش الثقافى واحدًا من أبرز المبادرات الثقافية فى السنوات الأخيرة، خاصة أنه جاء فى لحظة كانت فيها الحاجة ماسّة إلى إحياء الحياة الثقافية. وقد اكتسب أهمية مضاعفة منذ انطلاقه عام ٢٠٢٣ على يد كاتب هذه السطور، عبدالله السلايمة، الذى آمن بأن الثقافة يمكن أن تكون أداة حقيقية للتغيير.

وعندما نتحدث عن ملتقى العريش الثقافى، لا بد أن نعود إلى لحظة ميلاده الأولى؛ فقد وُلدت فكرته فى أحد مقاهى العريش، خلال نقاش جمعنى بالصديق السكندرى سعيد رمضان، الذى كان يعمل آنذاك فى شمال سيناء. دار الحديث حول حاجة سيناء إلى نشاط ثقافى مختلف عمّا تقدّمه المؤسسة الرسمية، أكثر حرية ومرونة وقدرة على التعبير. ومن هنا وُلدت فكرة «ملتقى العريش الأدبى».

وسرعان ما تحوّلت الفكرة إلى مشروع قائم على الاستقلالية؛ إذ تأسّس الملتقى على مبدأ الإدارة الذاتية، بعيدًا عن التبعية لأى مؤسسة ثقافية أو جهة رسمية، سواء على مستوى الإدارة أو الدعم المادى أو التنظيمى.

ويهدف الملتقى- وفق ما جاء فى بيانه التأسيسى- إلى استكشاف آفاق جديدة للعمل الثقافى والإبداعى العربى خارج الأطر المؤسسية التقليدية، مع انشغال واضح بالهمّ الإنسانى، وبمتابعة الكتابات الجديدة، والعمل على التعريف بها، ووضعها فى بؤرة الضوء النقدى والإعلامى. كما يتبنّى فكرة التعارف الإبداعى العربى، سعيًا للخروج من الدوائر الضيقة التى طالما قيّدت العمل الثقافى داخل المؤسسات الرسمية.

اقتصر الملتقى فى دورتيه «الأولى يوليو ٢٠٠٧، والثانية أغسطس ٢٠٠٨» على القراءات النقدية للأدباء والأمسيات الشعرية، وشارك فيه عدد من الشعراء والأدباء، من بينهم: سيد الوكيل، سمير الفيل، هويدا صالح، صفاء عبدالمنعم، منى الشيمى، جمال عدوى، حسين القباحى، والكاتبة الفلسطينية المقيمة فى دولة الإمارات العربية عايدة النوبانى، فضلًا عن أدباء شمال سيناء.

ولم نتمكّن من عقد الدورة الثالثة عام ٢٠٠٩ كما كنا نأمل، ولا فى السنوات التى تلتها، بسبب قيام ثورة يناير ٢٠١١، وما تبعها من سنواتٍ عصيبة عاشتها مصر عامة، وسيناء خاصة.

16ee678589.jpg

وكان عقد مؤتمر إقليم القناة وسيناء الثقافى فى مدينة العريش عام ٢٠٢٣ بمثابة «بالون اختبار» لمدى استقرار الوضع فى شمال سيناء، وهو ما دفعنى إلى إعادة التفكير فى إحياء فكرة الملتقى، وتطويرها من مجرد ملتقى أدبى يقتصر على القراءات النقدية، إلى ملتقى ثقافى شامل تكون فيه الفعاليات الأدبية جزءًا من برنامج أوسع.

وقد ازداد هذا الحماس بعد أن أعلنت عن فكرة «ملتقى العريش الثقافى» عبر صفحتى على موقع «فيسبوك»، حيث لاقت ترحيبًا من عدد كبير من الأدباء فى مختلف محافظات الجمهورية. وبالفعل، عُقدت الدورة الأولى للملتقى فى أكتوبر ٢٠٢٣ تحت عنوان: «نحو استشراف آفاق ثقافية جديدة».

وتناول الملتقى عدة محاور، من بينها: حرب أكتوبر وأثرها فى الثقافة المصرية، وحرب أكتوبر بين الراوى والرواية: «خمسون عامًا من عمر الوطن، ومستقبل الأدب من الحرف إلى الرقم، وأدب البادية: انفصال أم اتصال» فضلًا عن محور القراءات النقدية والأمسيات الشعرية والقصصية.

شارك فى الملتقى عدد من الأدباء، من بينهم: سيد الوكيل، أحمد أبو خنيجر، انتصار عبدالمنعم، منير عتيبة، حمدى سليمان، حنان الشرنوبى، رشا الفوال، عاطف عبدالعزيز، عبير عبدالعزيز، مسعود شومان، والكاتبة ولاء أبو ستيت.

وقد تولّى الشاعر حسونة فتحى الأمانة العامة للملتقى فى دورته الثانية خلال العام الماضى. ولا يفوتنى فى هذا السياق التنويه بالدعم والمساندة التى قدّمها الشاعر مسعود شومان، رئيس الإدارة المركزية بالهيئة العامة لقصور الثقافة، للملتقى، وحرصه الدائم على ضرورة استمراره وانعقاده سنويًا.

7025cb313b.jpg

أما بالنسبة لدورة هذا العام، وهى الدورة الثالثة للملتقى، فستنعقد تحت عنوان: «سيناء: جغرافيا القداسة وفلسفة الهوية».

وتنعقد هذه الدورة فى لحظة تاريخية استثنائية، تتزامن مع احتفالات سيناء بعيدها القومى، ومع إعلان شمال سيناء «عاصمة للثقافة المصرية»، بما يفتح أفقًا معرفيًا على واحدة من أثمن بقاع الأرض وأكثرها عمقًا فى الوجدان الإنسانى.

فسيناء ليست مجرد حدود جغرافية، بل هى «جغرافيا القداسة» التى اختارتها السماء لتكون مسرحًا للتجليات، وممرًا حضاريًا صهَر الثقافات فى بوتقة مصرية خالصة.

وتسعى هذه الدورة إلى مناقشة «فلسفة الهوية» فى سيناء، تلك الهوية التى تمزج بين شموخ الجبل، وصبر الصحراء، وانفتاح البحر، لتصنع إنسانًا مبدعًا استطاع أن يحوّل قسوة الطبيعة إلى نصوص أدبية، وفنون شعبية، وبطولات وطنية محفورة فى ذاكرة الزمن.

6ce5057b4a.jpg

لماذا هذا الملتقى؟

نحن هنا لا لنقرأ التاريخ فحسب، بل لنستشرف المستقبل من خلال: إعادة قراءة المكان برؤية فلسفية وجمالية معاصرة، وتجسير الفجوة بين التراث الأصيل ومقتضيات التنمية الحديثة، والاحتفاء بالمبدع السينائى الذى جعل من فنه جسرًا يربط بين قداسة الأرض وعمق الهوية، وإبراز الوجه الحضارى لسيناء عامة والعريش خاصة كمنارة للثقافة المصرية فى عامها الاستثنائى.

وتتناول هذه الدورة عدة محاور، من بينها: سيناء فى الذاكرة الروحية والتاريخية، والهوية السيناوية: ملامح التكوين والاستمرار، والخيال الإبداعى «أدب وفنون المكان»، وسيناء عاصمة للثقافة المصرية: رؤى استشرافية، فضلًا عن شهادات إبداعية يقدمها عدد من الأدباء المشاركين.

وقد شكّلت الدورة الأولى الأساس الذى انطلقت منه الفكرة، ثم جاءت الدورة الثانية العام الماضى لتطوّر التجربة وتعمّق مسارها، أما الدورة الثالثة هذا العام، فتنطلق تحت عنوان «سيناء: جغرافيا القداسة وفلسفة الهوية»، فى لحظة تتقاطع فيها الرمزية التاريخية مع الحاضر الثقافى، لتعيد طرح سيناء كفضاء للمعنى لا للحدود فقط.

752.png

ما يميّز هذه التجربة أنها نابعة من المجتمع نفسه، وليست مفروضة من الخارج، وهو ما منحها قدرًا كبيرًا من المصداقية وجعلها أقرب إلى الناس. لكن التحدى الأهم الآن يتمثّل فى الاستمرارية، وتوسيع نطاق التأثير، والوصول إلى فئات أوسع من الجمهور، لا الاكتفاء بالنخبة الثقافية فقط.

وفى النهاية، فإن ملتقى العريش الثقافى ليس حدثًا عابرًا، بل محاولة لإعادة بناء الوعى الثقافى فى سيناء، وتحويلها من صورة فى الأخبار إلى حضور حىّ فى الوعى.

ويبقى الرهان الحقيقى هو قدرة الثقافة على الاستمرار، لا على الظهور، وعلى التأثير لا الاحتفال، وعلى أن تتحول الفكرة إلى ذاكرة، والذاكرة إلى هوية.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق