من قلب الإنسان إلى قلب الدولة (4): جلطة في الشرايين وأخرى في القرار

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

في المقالات السابقة حاولت أن أقترب من القلب بوصفه كاشفًا لا عضوًا فقط، كاشفًا للإنسان حين يمرض، وكاشفًا للدولة حين تُخطيء القرار، وإذا كان الحديث قد انتقل من نبض الفرد إلى نبض المسئول، فإن هذا المقال يعود إلى نقطة التماس الأكثر حساسية، وأقصد لحظة القرار الطبي… حيث يلتقي العلم بالإدارة والاقتصاد، وتلتقي مصلحة المريض بمنطق المنظومة.

ممارستي لطب القلب لم تفتح لي بابًا على المرض فقط، بل فتحت نافذة واسعة على طريقة التفكير، كيف يُتخذ القرار؟ من يملكه؟ وما الذي يدفعه؟ وداخل المستشفيات - حكومية كانت أو خاصة - وجدت أن حالات القلب الحرجة ليست مجرد أزمات مرضية، بل انعكاس مباشر لإجراءات وسياسات، تُدار بها الموارد وتُصاغ بها القرارات.

في بداية تخرجي، وفي الأسابيع الأولى من نيابة التخصص عام 1995م، كنا نواجه نمطين واضحين في أمراض قصور الدورة الدموية التاجية، حالات “باردة” يمكن فيها التأنّي في القرار، وحالات “ساخنة” كجلطات الشرايين التاجية المفاجئة، التي لا تحتمل التأخير. وفي الأخيرة، كان البروتوكول واضحًا.. مسكنات للألم، عقاقير موسعة للشرايين التاجية، مانعات لحدوث تجلط جديد، ثم مذيبات الجلطة، وكل ذلك يجرى داخل الرعاية المركزة، حتى تستقر حالة المريض تماما ويتجاوز مرحلة الخطر، ويخرج بموعد لاستكمال الفحوصات، وعلى رأسها قسطرة القلب التشخيصية.

وفي المستشفيات الحكومية، وقتها كان المريض يحصل على قرار لإجراء قسطرة تشخيصية فقط على نفقة الدولة، ثم إذا استدعت الحالة يعود بقرار جديد للتدخل العلاجي عن طريق تركيب دعامات، ودعامات القلب هي أنابيب شبكية معدنية صغيرة ودقيقة تُستخدم في عمليات القسطرة لتوسيع الشرايين التاجية الضيقة أو المسدودة وإبقائها مفتوحة، مما يضمن تدفق الدم بفعالية لعضلة القلب، وبلا شك تُعد حلًا فعالًا وتعمل على علاج ضيق الشرايين، وتقليل آلام الصدر، والوقاية من النوبات القلبية، ويتم تركيب هذه الدعامات عادة عبر قسطرة من اليد أو الفخذ، وتختلف فترة التماثل للشفاء بحسب حالة

في ذلك الوقت كان الساري هو الدعامات المعدنية العارية (Bare-Metal Stents)، وهي عبارة عن أنبوب شبكي من معدن (مثل الفولاذ المقاوم للصدأ أو الكوبالت) يستخدم لفتح الشريان، لكنه أكثر عرضة لإعادة التضيق بمرور الوقت.

وبعد فترة وجيزة ظهرت الدعامات المغلفة بالدواء (Drug-Eluting Stents - DES) وهي الأكثر شيوعًا واستخدامًا حاليًا، حيث تكون مغطاة بطبقة دواء خاص يقلل من احتمالية إعادة ضيق الشريان الناتجة عن تليف الأنسجة، مما يجعلها آمنة إلى حد كبير.

هذه المسافة التي كانت موجودة حتى عقدين سابقين بين التشخيص والتدخل لم تكن تعقيدًا إداريًا بقدر ما كانت مساحة أمان تتيح مراجعة القرار، وتُقلل فرص الاستغلال، وتفصل بين من يرى ومن ينفّذ، خاصة في الحالات الباردة التي لا تستدعي تدخلًا وقتيًا.

كنا نعلم – علميًا – أن الدعامات الدوائية أفضل من العادية في تقليل إعادة الانسداد، وأن تعدد أماكن الضيق في الشرايين التاجية أو زيادتها عن نسب معينة ترتفع لنحو 50% أو أكثر قد يجعل الجراحة (تحويل مسار الشرايين التاجية) خيارًا أكثر جدوى من الإكثار من الدعامات.

وقتها أيضًا كنا نُراجع أدوية الكوليسترول بعد 3–6 أشهر، ونجري تحليلات طبية لرصد قيم الكوليسترول والدهون الثلاثية والدهون منخفضة الكثافة ووظائف الكبد في الدم، لأنه بالرغم أن لهذه العقاقير فوائد مؤكدة، لكنها ليست بلا آثار جانبية، وقد تُسبب آلامًا عضلية، وارتفاعًا في إنزيمات الكبد مع طول مدة تناولها، ونادرًا تأثيرات على الذاكرة أو زيادة طفيفة في خطر السكري لدى بعض المرضى، وكان القرار– بكل تعقيده– يميل إلى الترشيد والمراجعة.

أما الآن فقد تغير الموقف من أدوية الكوليسترول، وأصبحت التوصيات الحديثة تميل إلى الاستمرار طويل الأمد والمبالغ فيه – وأحيانًا مدى الحياة – خصوصًا في الفئات عالية الخطورة، لكن من المهم أن نفهم أن كثيرًا من الدراسات العالمية تمولها شركات دواء، وأن نتائجها– رغم قوتها – تحتاج قراءة نقدية، وتكييفًا مع الواقع المحلي، فالبشر ليسوا كتلة واحدة، هناك اختلافات جينية وبيئية بين الشعوب، تؤثر في الاستجابة والآثار الجانبية.

فالمريض الذي يعيش في بيئة غذائية معينة، أو نمط حياة مختلف، أو لديه استعدادات وراثية خاصة، قد لا يستجيب بنفس الدرجة، وقد يتحمل آثارًا جانبية مختلفة. حتى عوامل مثل التعرض للشمس، والنشاط البدني، وأنماط الدهون في الغذاء، وانتشار أمراض مصاحبة، كلها تؤثر في معادلة الفائدة/الضرر.

وفي تطور العلم أيضًا، تبدلت الصورة في قرار استخدام قسطرة القلب، أصبح التدخل بالقسطرة في الساعة الأولى من الجلطة إنقاذًا حقيقيًا لعضلة القلب، وظهر معيار “الزمن من باب الطوارئ إلى باب القسطرة” (door-to-balloon time) كمؤشر جودة أساسي، وهذا تطور مهم، بل فارق، لأنه يعيد فتح الشريان بسرعة ويحد من تلف العضلة.

لكن المشكلة لم تكن في التطور نفسه… بل في تعميم منطق الطوارئ على كل الحالات، وفي الحالات “الباردة” كقصور الشرايين المزمن، لا يزال هناك وقت للتفكير، للمقارنة بين الدواء والدعامة والجراحة، ولمشاركة المريض في القرار، ومع ذلك، صارت قرارات العلاج – خاصة على نفقة الدولة – تصدر بصيغة مثل: قسطرة تشخيصية على القلب (مع تركيب دعامات عادية أو دوائية أو بالونات دوائية كما يلي: قسطرة تشخيصية على القلب 4288 ج، قسطرة توسيع ودعامة دوائية أو (1) بالونة دوائية  22777 ج، قسطرة توسيع و(2) دعامة دوائية أو (2) بالونة دوائية 32877ج، قسطرة توسيع و(3) دعامة دوائية أو (3) بالونة دوائية 39454ج إذا لزم الأمر وتقديم تقرير طبي بما تم وعلى مسئولية المستشفى.

هذه الصيغة هي صيغة قرار علاج على نفقة الدولة صادر من الإدارة العامة للمجالس الطبية المتخصصة، لحالة مرضية تعاني من قصور مزمن في الشرايين التاجية وليس حالة طارئة.

هذا القرار بصيغته الحالية يبدو “مرنًا” ظاهريًا، لكنه في منطق اقتصاديات الصحة يحمل مساحة رمادية كبيرة قد تتحول بسهولة إلى حوافز سلبية (Perverse incentives) تؤدي إلى تلاعب وخسائر مالية وإكلينيكية في آن واحد، وهو ما يتناقض مع كل معايير وأسس علم اقتصاديات الصحة،  وهو فرع تطبقي من علم الاقتصاد يدرس كيفية استخدام الموارد الصحية المحدودة بكفاءة لتحقيق أقصى نتائج صحية ممكنة، ويُحلل هذا العلم سلوك الأفراد، مقدمي الرعاية، والحكومات لتقييم السياسات الصحية، التكاليف، والفوائد، بهدف تحقيق العدالة والكفاءة في نظم الرعاية،

وإذا حاولنا أن نحلل مثل هذا القرار كنموذج على القرارات الصادرة للعلاج على نفقة الدولة، قد يلفت الأنظار ما يلي:

أولًا: طبيعة القرار… من خدمة إلى “حزمة مفتوحة”، فالصيغة: قسطرة تشخيصية… مع تركيب دعامة/بالونة إذا لزم الأمر، وهنا القرار لا يموّل إجراء محدد، بل يموّل مسارًا علاجيًا مفتوحًا يبدأ بالتشخيص وقد ينتهي بتدخل علاجي مكلف، وفي علم اقتصاديات الصحة، هذا يُحوّل الخدمة من (خدمة تشخيصية) إلى (حزمة تدخل مشروطة)، وهذا معناه إن مقدم الخدمة هو نفسه صاحب قرار التصعيد العلاجي.

ثانيًا: مشكلة تضارب المصالح (Conflict of Interest)، فالجهة التي تُشخّص عن طريق (القسطرة)، وتُقرّر (هل يوجد ضيق؟)، وتُعالج عن طريق (تركيب دعامة) هي نفس الجهة التي تحصل على مقابل مالي أعلى كلما زاد التدخل، وهنا يظهر ما يُعرف في الاقتصاد الصحي بمصطلح (الطلب المُحرّك من مقدّم الخدمة)، أي أن الطبيب/المؤسسة قد تميل – بوعي أو بدون وعي – إلى زيادة التدخلات لأنها مربحة.

ثالثًا: غياب معايير تقييم مصطلح “إذا لزم الأمر”، وبدون ربط هذه العبارة المحورية بمعايير إكلينيكية واضحة (مثل: نسبة الضيق، والتقييم الوظيفي، فشل العلاج الدوائي.. إلخ) تصبح قرارًا تقديريًا بحتًا غير قابل للرقابة الفعالة، وبالتالي يتحول الغرض من مرونة طبية إلى ثغرة إدارية ومالية.

رابعًا: هيكل التسعير… محفّز على “التكثير”، فالأسعار المتدرجة مثل دعامة واحدة، دعامتين، ثلاث دعامات.. تعني أن كل زيادة في عدد الدعامات يساوي زيادة في العائد، وفي غياب رقابة صارمة، قد يؤدي ذلك إلى ما يعرف بمصطلح (الإفراط في الاستخدام)، أو تركيب دعامات في حالات يمكن علاجها دوائيًا، أو تضخيم عدد الدعامات.

خامسًا: المخاطر الإكلينيكية تساوي تكلفة غير مباشرة، ذلك لأن القرار لا يؤثر فقط ماليًا، بل إن كل دعامة في غير مسار منضبط قد يعرض المريض إلى مخاطر مثل (جلطات، نزيف، مضاعفات)، كما أن زيادة التدخل قد تؤدي إلى زيادة تكلفة لاحقة على النظام، وهنا يظهر لنا كما يرشدنا علم اقتصاديات الصحة مفهوم: Cost of complications (تكلفة المضاعفات) وهي غالبًا غير محسوبة في القرار الأساسي.

سادسًا: تحميل المسؤولية على المستشفى… دون أدوات رقابة، فالنص يقول: “على مسئولية المستشفى”، لكن هل توجد مراجعة خارجية؟ وهل هناك تدقيق على الملائمة والتطبيق الفعلي؟ وهل يتم ربط القرار بنتائج طويلة المدى؟ فبدون ذلك، تصبح المسؤولية شكلية أكثر منها فعلية.

سابعًا: النتيجة المتوقعة (سيناريوهات التلاعب والخسائر) ويظهر ذلك عند سوء الاستخدام، حيث يحدث توسيع غير ضروري، أو أن تكون حالة المريض مستقرة ويكفي العلاج الدوائي، لكن في الواقع يتم تركيب دعامات لتوفر التمويل ولرفع العائد، ومنذ سنوات، استقبلت مريضًا لأول مرة في عيادتي، وبمراجعة ملفه الطبي فوجئت بأنه أجرى تركيب سبع دعامات دوائية في الشرايين التاجية، ولم يكن الرقم عابرًا، بل لافتًا إلى حد يفرض التساؤل، ونظرت إليه وسألته بهدوء: هل تتحمل نفقات علاجك بنفسك؟ فأجاب بالنفي، موضحًا أن جهة عمله تتكفل بكامل التكاليف، وعندها لم أتمالك تعليقي: لو كنت تدفع من جيبك، لتوقفت طويلًا أمام كل إجراء، ولسألت عن ضرورته وجدواه، ولما مرّ هذا العدد من التدخلات دون مراجعة أو تدقيق؟

هذا نموذج لتحويل التشخيص إلى مدخل للعلاج، فالقسطرة التشخيصية تصبح “بوابة” لتدخل مدفوع مسبقًا يستنزف بلا شك ميزانية الدولة، ويؤدي ذلك إلى تضخم الفواتير بدون تحسن متناسب في النتائج الصحية.

يعكس الأمر، أنه في لحظة ضيقة، داخل غرفة القسطرة، يصبح بعض الأطباء – بلا قصد أحيانًا – في دورين متداخلين: معالج، وصاحب قرار مالي بالنيابة عن المريض، وهذا الدور المزدوج يفتح بابًا لتوسّع غير منضبط مع البعض وليس الكل، والمعايير الدولية – كما تصدرها الجمعيات العلمية الكبرى – لا تترك الأمر مفتوحًا بهذا الشكل، فهي تربط قرار القسطرة والتدخل بدرجة الأعراض، ونتائج الاختبارات غير التداخلية، وشدة الضيق، وعدد الشرايين المصابة، ووظيفة البطين الأيسر، وحالة المريض العامة،  وتؤكد على أن اختيار الاستراتيجية (دواء/دعامة/جراحة) يجب أن يكون مبنيًا على تقييم متعدد التخصصات، لا على قرار لحظي منفرد، إلا في حالات الطوارئ الحرجة والمتعلقة فوريا بحياة المريض.

في عام 2017م، ومن خلال المؤتمر العربي السادس عشر الأساليب الحديثة فى إدارة المستشفيات - بناء أنظمة رعاية صحية مرنة وقادرة على التكيف فى ظل الركود الاقتصادي الراهن فى العالم العربي، والذي عقد في القاهرة في الفترة  من 3 – 5 ديسمبر  ونظمته المنظمة العربية للتنمية الإدارية والتابعة لجامعة الدول العربية، قدمت ورقة بحثية بعنوان (الأثر السلبى للدور المزدوج للطبيب كوكيل عن المريض وكعارض للخدمة فى مؤسسات القطاع الطبي الخاص، وقياس مدى الخسائر الناتجة التى تتكبدها منظومة اقتصاديات الصحة فى الجهات الممولة لنفقات العلاج - من واقع دراسات وتجارب عملية فى بعض الدول العربية).

وهذه الورقة البحثية، تفند وتبحث على وجه الخصوص فى أبرز ما يهدد تطبيق علوم الاقتصاد على قضايا الرعاية الصحية، وهو ذلك العنصر البشرى، ويأتي فى مقدمة تقسيماته، الطبيب المعالج المشرف على العلاج، أو المناو ب، أو غيره من تصنيفات الأطباء المسئولة عن عملية العلاج، وهنا تأتى إشكالية خطيره فى هذا المجال، وهى الدور المزدوج للطبيب كوكيل عن المريض وكعارض للخدمة فى آن واحد، وهو ما يعكس فكرة تضار ب المصالح، خاصة فى ظل احتمالية غياب قوانين ولوائح وسياسات حاكمة لدور الطبيب فى علاقته بالمريض من جانب، ولدور الطبيب فى علاقته بالمؤسسة الطبية التى يعمل فيها من جانب آخر باعتبارها منفذه للحصول  على دخله المادي، وهو ما قد يضر بنظم اقتصاديات الصحة فى الجهات الممولة لشراء الخدمات الصحية والطبية المعروضة.

وكان من نتائج الدراسة أن من أبرز التخصصات والمجالات التى وجد فيها تدخل مباشر للطبيب المعالج ودوره المزدوج كوكيل عن
المريض وعارض للخدمة، كان في قسطرة القلب التداخلية   بنسبة 43%، وكان من الملاحظات الهامة فيما يتعلق بقسطرة القلب التداخلية القيام بتركيب دعامات دوائية لضيق شرياني أقل من 50 %، وتعدد عدد الدعامات لأكثر من 3 دعامات، وهنا تكون نتيجة التدخل الجراحي أفضل في نتائجه وفقا للمعايير الطبية العالمية.

هنا نصل إلى قلب الفكرة، ما يحدث في غرفة القسطرة ليس شأنًا طبيًا بحتًا، إنه نموذج لاتخاذ القرار... الذي يبدأ من قلب المريض ويصل إلى قلب الدولة، وحين ندمج التشخيص والتنفيذ في لحظة واحدة، ونفوض فردًا واحدًا بحكم مركّب (طبي/مالي/زمني)، ونعمم منطق الطوارئ على غير الطوارئ، فإننا نخلق بيئة تسمح بتضخم التكاليف، حتى دون نية سيئة، وهذه ليست اتهامات، بل قراءة لنظام يدفع ببنيته نحو قرارات أسرع وأكثر كلفة، تصيب قلب الدولة الاقتصادي في مقتل.

 واقتصاديًا، هذه الظاهرة تُترجم إلى إنفاق غير رشيد من ناحية زيادة في عدد الإجراءات مرتفعة التكلفة (الدعامات) دون تحسن مكافئ في النتائج، وإهدار لفرص بديلة أكثر كفاءة (جراحات التحويل في حالات محددة)، وضغط على موازنات الدولة وشركات التأمين، وبدوره يحد من القدرة على تغطية مرضى آخرين، ثم تآكل في الثقة، حين يشعر المريض أن القرار لم يُناقش بما يكفي.

وفي اقتصاديات الصحة، يأتي الخلل حين تتحول المرونة الطبية إلى فجوة اقتصادية، فالهدف ليس فقط علاج أكبر عدد، بل تعظيم المنفعة الصحية لكل وحدة إنفاق. وهذا يتطلب فصلًا نسبيًا بين من يقرر ومن ينفذ، أي فصل التشخيص عن القرار العلاجي، أو على الأقل وضع حواجز حوكمة، كأن تكون هناك مراجعات لاحقة للحالات، لجان قلب متعددة التخصصات للحالات غير الطارئة، بروتوكولات واضحة تُقيّد “إذا لزم الأمر” بشروط قابلة للقياس، ونظم دفع لا تكافئ الزيادة في عدد الإجراءات بقدر ما تكافئ جودة النتائج. 

فالقلب حين تُغلق شرايينه، لا ينهار فجأة فقط، يمر بمراحل من التضيق والتروية غير الكافية حتى تأتي اللحظة الحاسمة، وكذلك الدولة حين تضيق مسارات القرار.. يبدأ الأمر باختزال بسيط، ثم بتراكم قرارات سريعة غير مُراجَعة، ثم بتضخم في الكلفة، حتى تصبح “الجلطة” حتمية في ميزانية الصحة.

الدرس الذي تعلمته من طب القلب بسيط وعميق، وهو الفهم قبل التدخل، وأن يُمنح القرار زمنه، وتُوزّع المسؤولية على فريق لا على فرد، وبدون ذلك، سنظل نفتح شريانًا هنا… ونُغلق مسارًا هناك.

وحين يُتخذ القرار قبل أن يكتمل الفهم، لا يكون الخلل في شريان المريض وحده… بل في شرايين القرار التي تُغذي دولة بأكملها.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق