أحمد جودت الملط للدستور: مشروع قانون الأحوال الشخصية يحتاج فلسفة تشريعية متكاملة

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

صرّح القاضي السابق أحمد جودت الملط في حوار خاص للدستور، حول الاقتراحات الخاصة بقانون الأحوال الشخصية بأن لم يعد مقبولًا أن تظل تشريعات الأحوال الشخصية في مصر رهينة معالجات جزئية أو استجابات ظرفية لضغوط اجتماعية متزايدة، بل بات لزامًا أن تُبنى على فلسفة تشريعية متكاملة تُوازن بين استقرار الأسرة وضمان الحقوق الفردية، في إطار من اليقين القانوني الذي لا يتزعزع بتغير الأحكام أو اختلاف التقديرات.

مصلحة الطفل الفضلى

وأدلى بأن مشروع تعديل قانون الأحوال الشخصية المطروح حاليًا للنقاش بمجلس النواب، يحمل في ظاهره توجهًا محمودًا نحو تحقيق التوازن بين أطراف العلاقة الأسرية بعد الطلاق، مع التأكيد على مبدأ “مصلحة الطفل الفضلى” باعتباره حجر الزاوية في التنظيم التشريعي، غير أن القراءة المتأنية لنصوص المشروع تكشف عن تساؤلات جوهرية تتعلق بمدى اتساق هذه التعديلات مع الأصول القانونية المستقرة، ومدى قدرتها على تحقيق العدالة دون خلق اختلالات جديدة.

وأشار الملط إلى أن أول ما يلفت النظر هو النص على وضع حد أدنى للنفقة لا يقل عن عشرة آلاف جنيه، ورغم ما يبدو في ذلك من سعي لضمان حد أدنى من الحماية الاقتصادية، فإن هذا التحديد الرقمي الجامد يثير إشكالًا قانونيًا واضحًا، إذ إن النفقة في أصلها المستقر فقهًا وقضاءً تدور مع القدرة وجودًا وعدمًا، ومن ثم فإن فرض حد أدنى قد لا يتناسب مع حقيقة القدرة المالية للملزم بها، ويُفتح الباب لإهدار هذا الأصل، بل وقد يؤدي إلى نتائج عكسية تتمثل في تعثر التنفيذ أو التحايل على الالتزام.

وأدلى بأن ما تضمنه المشروع من إعادة ترتيب الحضانة بحيث تنتقل مباشرة إلى الأب حال سقوط حق الأم، يطرح تساؤلًا حول مدى توافقه مع فلسفة الحضانة ذاتها، التي تقوم في جوهرها على رعاية الصغير لا على مجرد ترتيب شكلي للأولوية، لافتًا إلى أن الانتقال المباشر قد يُحوّل الحضانة من نظام رعاية متدرج يراعي مصلحة الطفل، إلى أداة تنازع بين الأبوين، خاصة في غياب تقييم دقيق لمدى صلاحية الحاضن البديل في كل حالة على حدة.

وأشار المستشار إلى أنه فيما يتعلق باستبدال نظام الرؤية بنظام الاستضافة، فإن المشروع يُحسب له سعيه لتعزيز العلاقة بين الطفل والطرف غير الحاضن، إلا أن هذا التوجه رغم وجاهته من حيث المبدأ يظل مرهونًا بوجود آليات تنفيذ واضحة وحاسمة، مؤكدًا أن التجربة العملية أمام المحاكم تكشف أن مشكلات التنفيذ، لا النصوص، هي التي تُفرغ كثيرًا من الأحكام من مضمونها، ومن ثم فإن إقرار نظام الاستضافة دون إطار تنفيذي دقيق يحدد الضوابط والجزاءات، قد يفضي إلى زيادة النزاعات بدلًا من الحد منها.

وأدلى بأن من النقاط التي تستحق التقدير في المشروع، النص على عدم سقوط الحضانة تلقائيًا بزواج الحاضنة، وهو توجه يتسق مع الاعتبارات الواقعية ومصلحة الطفل، غير أن ترك الأمر برمته للسلطة التقديرية للمحكمة دون وضع معايير إرشادية واضحة، قد يؤدي إلى تفاوت ملحوظ في الأحكام، وهو ما يتعارض مع مقتضيات الاستقرار القانوني.

وأشار القاضي السابق إلى أن من أكثر النقاط المثيرة للجدل في مشروع القانون، النص الذي يتيح للزوجة المطالبة بثلث ثروة الزوج إذا ثبتت قدرته المالية، موضحًا أن هذا الأمر يطرح تساؤلات مهمة حول طبيعته القانونية.

وأضاف أن هذا النص يثير جدلًا حول ما إذا كان يمثل نظامًا جديدًا لتقسيم الثروة بين الزوجين، أم مجرد تعويض غير منظم بقواعد واضحة، محذرًا من أن إدخاله دون أساس قانوني محدد قد يؤدي إلى ارتباك في تطبيق القانون ويفتح الباب لاختلاف التفسيرات والأحكام.

وأكد أن هذا الطرح قد يتعارض مع مبادئ الشريعة الإسلامية، التي ينص الدستور المصري على اعتبارها المصدر الرئيسي للتشريع، ما قد يعرض النص للطعن أمام المحكمة الدستورية العليا.

وأكد الملط أن التعديلات المقترحة على قانون الأحوال الشخصية تتجه إلى التوسع في منح القاضي سلطة تقديرية واسعة في الفصل بين النزاعات، موضحًا أن هذا التوجه يحمل جانبًا إيجابيًا يتمثل في تمكين القاضي من تحقيق العدالة وفقًا لظروف كل حالة على حدة.

وأشار إلى أن هذه السلطة، رغم أهميتها، قد تتحول إلى سلاح ذي حدين في حال غياب ضوابط تشريعية واضحة تنظم استخدامها، لافتًا إلى أن ذلك قد يؤدي إلى تفاوت في الأحكام بين القضايا المتشابهة، وهو ما ينعكس سلبًا على استقرار المراكز القانونية.

وأكد أن غياب معايير محددة قد يثير حالة من عدم اليقين لدى المواطنين بشأن حقوقهم، بما قد يؤثر على ثقتهم في عدالة المنظومة القانونية، مشددًا على ضرورة وضع إطار تشريعي منضبط يحقق التوازن بين مرونة القاضي وضمان وحدة تطبيق القانون.

تحقيق العدالة في الأحوال الشخصية لا يكون بتغليب طرف على حساب آخر

وأشار المستشار إلى أن تحقيق العدالة في مسائل الأحوال الشخصية لا يكون بتغليب طرف على حساب آخر، ولا بإقرار حلول تبدو عادلة في ظاهرها بينما تفتقر إلى الأساس القانوني المتين، وإنما يكون ببناء منظومة تشريعية متكاملة تُحدد الحقوق والالتزامات بوضوح، وتضع من الضوابط ما يكفل حسن تطبيقها، وتُفعّل من الآليات ما يضمن تنفيذها على نحو فعّال.

واختتم القاضي السابق حديثه مؤكدًا أن مصلحة الطفل الفضلى التي يتخذها المشروع منطلقًا لا ينبغي أن تُستخدم كشعار عام، بل يجب أن تُترجم إلى قواعد منضبطة قابلة للتطبيق، تحقق التوازن الحقيقي بين أطراف العلاقة الأسرية، وتُرسخ في الوقت ذاته مبادئ العدالة التي يقوم عليها أي نظام قانوني سليم.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق