أكد الدكتور الحسيني الطاهر، مدير إدارة التشغيل بمديرية عمل الأقصر، أن قيمة العمل تحظى بإجماع الأديان السماوية والأعراف الإنسانية، حيث لم يعد مجرد وسيلة لتلبية الاحتياجات الأساسية، بل ارتقى ليصبح سلوكًا أخلاقيًا وواجبًا إنسانيًا يحمل أبعادًا اقتصادية واجتماعية ونفسية وسياسية.
وأوضح الحسيني، في تصريحات لـ"الدستور"، أن المجتمعات التي رسّخت ثقافة احترام العمل، نجحت في بناء دول قوية قادرة على تحقيق التنمية المستدامة، كما استطاعت حماية مكتسباتها والتصدي لمختلف التحديات، بما في ذلك ما يُعرف بحروب الجيل الخامس.
وأشار إلى أن العمل يمثل جهدًا إنسانيًا متجددًا يسهم في تشكيل شخصية الفرد وتطوير قدراته، بخلاف الكائنات الأخرى التي تؤدي أدوارها بنمط ثابت، فالإنسان وحده القادر على تحويل العمل إلى تجربة إبداعية مستمرة، يطوّر من خلالها ذاته ويعيد تشكيل واقعه، بما يجعله أداة للتقدم والابتكار وليس مجرد وسيلة للبقاء.
وأضاف أن النظرة الحديثة للعمل تجاوزت كونه نشاطًا يوميًا تقليديًا، ليصبح منظومة متكاملة تتداخل فيها الجوانب النفسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، بما يمنحه بعدًا فلسفيًا يعكس معنى الوجود الإنساني، فالتعامل مع العمل باعتباره فعلًا خلاقًا يساعد الفرد على اكتشاف إمكاناته الكامنة، ويعزز علاقته بذاته وبمحيطه.
وعلى الصعيد النفسي، أوضح الطاهر أن الانتظام في العمل يسهم في تعزيز الشعور بقيمة الذات، ويخلق حالة من التوازن الداخلي، كما يساعد على مقاومة الضغوط النفسية والتأثيرات الخارجية، خاصة في ظل تصاعد الحروب المعلوماتية.
كما أن العمل المنظم يقلل من معدلات القلق والاكتئاب، ويحد من مخاطر الفراغ الذي يُعد بيئة خصبة للتأثيرات السلبية.
وفيما يتعلق بالبعد الاجتماعي، أكد أن العمل يلعب دورًا محوريًا في تنظيم العلاقات الاجتماعية وتحديد مكانة الفرد داخل المجتمع، حيث يسهم في بناء شبكة من العلاقات القائمة على الثقة وتحمل المسؤولية.
كما يؤثر في مختلف جوانب الحياة، بما في ذلك الاستقرار الأسري، ويعزز من شعور الانتماء، ما يجعله عنصرًا أساسيًا في مواجهة محاولات التفكك الاجتماعي.
أما من الناحية الصحية، فبيّن أن العلاقة بين العمل والصحة علاقة متبادلة، إذ يسهم العمل في تحقيق الاستقرار النفسي والجسدي إذا توافرت بيئة عمل مناسبة، بينما قد يتحول إلى مصدر ضغط واستنزاف في حال غياب تلك البيئة.
وعلى المستوى الاقتصادي، شدد على أن العمل يمثل الركيزة الأساسية لتحقيق الاستقلال والكرامة الإنسانية، حيث يمنح الفرد القدرة على الاختيار والتخطيط لمستقبله، لكنه حذر من اختزال العمل في كونه مصدر دخل فقط، لما قد يترتب على ذلك من فقدان معناه الإنساني وتحوله إلى عبء.
وأوضح أن التجربة المهنية تلعب دورًا كبيرًا في تشكيل هوية الفرد، حيث تمثل سجلًا حيويًا لتطوره الشخصي والمهني، كما أن فقدان العمل قد يؤدي إلى آثار نفسية عميقة تتجاوز الجانب المادي.
كما أشار إلى التأثير المتبادل بين العمل والإبداع الثقافي، حيث تمثل الخبرات المهنية مصدرًا غنيًا للإلهام الفكري والأدبي، بما ينعكس في العديد من الأعمال الإبداعية.
وفي سياق متصل، لفت إلى أن العمل المعاصر يواجه تحديات متزايدة نتيجة تسارع وتيرة الحياة وضغوط الإنتاج وهيمنة التكنولوجيا، وهو ما قد يؤدي إلى تراجع البعد الإنساني للعمل.
وشدد على أن إعادة الاعتبار لقيمة العمل كفعل إنساني متكامل أصبحت ضرورة ملحة، وليس مجرد ترف فكري.
واختتم الطاهر تصريحاته بالتأكيد على أن العمل ليس مجرد نشاط يومي، بل هو أحد الركائز الأساسية في بناء الإنسان والمجتمع، ووسيلة لتعزيز القدرة على مواجهة التحديات الحديثة، بما يجعله عنصرًا حاسمًا في تحقيق التوازن والاستقرار، وصياغة مستقبل أكثر وعيًا وقدرة على الصمود.
















0 تعليق