في مكتبه البيضاوي، جمع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الجانبين اللبناني والإسرائيلي للاتفاق على وقف إطلاق النار مؤقتا، وكعادته خرج سيد البيت الأبيض أمام الكاميرات ليضيف حربا جديدة إلى قائمة الحروب التي استطاع إيقافها.
الشروط التي وافق عليها اللبنانيون والإسرائيليون في واشنطن بالتوقيع على مذكرة تفاهم تمهد لعقد اتفاق دائم، لا يمكن اعتبارها اتفاقا تقليديا لوقف إطلاق النار، بقدر ما يمكن اعتبارها وثيقة لإعادة تعريف قواعد الاشتباك في لبنان، وربما في الإقليم ككل، على خلفية الحرب الصهيوأمريكية على إيران.
في سياق أوسع، تسعى الولايات المتحدة إلى دمج لبنان في ترتيبات إقليمية جديدة، ضمن ما يعرف بتوسيع "الاتفاقات الإبراهيمية"، من خلال رؤية تقوم على مقايضة الاستقرار الأمني بالاندماج الاقتصادي.
كل المشاهد مترابطة بقدر ارتباط تفاصيل ما يجري في الشرق الأوسط بنيويا منذ طوفان الأقصى. كافة ساحات المقاومة، بما فيها طهران نفسها، دخلت مضطرة إلى خط المواجهة منذ تلك اللحظة.
الزلزال الذي ضرب المنطقة في السابع من أكتوبر، وما ترتب عليه بعدها من عدوان إسرائيلي/أمريكي متوحش دفع الأطراف المرتبطة به إلى إعادة تموضع سريع.
دخل حزب الله على خط النار في بدايات المواجهة الممتدة كجبهة إسناد، ثم تطورت مشاركته لتناسب تطورات الموقف وخطورته.
اللحظة الأخطر في تاريخ حزب الله، وربما في تاريخ لبنان كله جاءت مع بداية الحرب على إيران، فالحزب الذي تأسس كجبهة قتال متقدمة في وجه الصهاينة بات أمام خيارين كلاهما مر.
الأول أن يكتفي الحزب بحدود مشاركته ويترك إيران تواجه مصيرها، وهنا يعلق مصيره على ما سيحدث لإيران نصرا أو هزيمة، أي انه سيتحول إلى فاعل ثانوي أو بالأحرى مفعول به ينتظر النتائج، والثاني أن يدخل المواجهة بكل ما أوتي من قوة بما يمكن وصفه بـ"الانخراط الوجودي"، متجاوزا نمط "المساندة المحدودة" الذي التزم به البداية.
يدرك الحزب جيدا أن سقوط إيران يعني انتهاء المقاومة عمليا في لبنان لانتهاء الدعم، وعلى هذا الأساس قرر خوض معركته حتى وإن بدا للكثيرين في حينها أنها قد تكون المعركة الأخيرة.
رد الفعل الإسرائيلي على انخراط حزب الله في الحرب كان وحشيا ومدمرا. حاول الصهاينة رفع تكلفة اشتراك الحزب في الحرب على كل اللبنانيين ليتحولوا إلى عامل ضغط في الداخل اللبناني نفسه.
لم يجد قادة لبنان – محدودي الحيلة والخيارات - أمام هذا التوحش الصهيوني إلا الامتثال للمطالب الصهيوأمريكية بالانخراط في مفاوضات مع إسرائيل تمهيدا لتحقيق ما كانت تستهدفه تل أبيب منذ زمن بعيد، وهو إجبار لبنان على الانعزال عن محيطه المقاوم والنأي بالنفس عن الحرب الدائرة لحين الانتهاء من إيران، وكسر كل الروابط بين جبهات المقاومة الأخرى وجبهة الجنوب اللبناني.
هذا الهدف عجز الكيان الصهيوني عن تحقيقه بمفرده رغم محاولاته المتكررة وجرائمه غير المسبوقة. لم تنجح إسرائيل منذ هزيمتها في حرب 2006 أن تجد طريقه لتحييد الحزب أو حصاره، فلجأت -كعادتها- إلى عقاب كل اللبنانيين عقابا جماعيا ليتحولوا بدورهم إلى عامل ضغط على قيادة الحزب لوقف أعماله القتالية.
تريد تل أبيب نزع سلاح الحزب أو على الأقل تجميده دون أي قدرة على فعل ذلك.
لجأ الإسرائيليون بعد أن أعجزتهم الحيلة، إلى تكتيك شيطاني يقضي بأن يستخدموا اللبنانيين أنفسهم في حصار الحزب واستنزافه ووضعه في مواجهة مباشرة مع الجيش اللبناني الذي سيقوم بالمهمة بالنيابة عن إسرائيل.
السبب الرئيسي وراء قوة حزب الله لا يكمن فقط في ترسانة الأسلحة الأضخم بين كل فصائل المقاومة، ولكن في الحاضنة الشعبية الأكبر داخل لبنان، وهنا مكمن الخطر.
موافقة غالبية اللبنانيين على النهج المقاوم لحزب الله، وتبنيهم لمواقفه، تزيد من احتمالية انزلاق البلاد إلى حرب أهلية إن قررت قوات الأمن ملاحقة أعضاء الحزب أو استهدافهم، وهنا تكون الخطة الصهيونية قد نجحت بإغراق لبنان في جحيم اقتتال داخلي لا أحد يستطيع التنبؤ بمآلاته.
أخطر ما قد ترتكبه الحكومة اللبنانية من أخطاء أن تدخل في صدام مع حزب الله وهو في خضم المواجهة المفتوحة مع جيش الاحتلال، لا سيما وأن تلك المواجهة المدعومة شعبيا، سببتها الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على لبنان، والتي بلغت ذروة إجرامها في 8 أبريل الجاري في مشهد يعكس انهيارا كاملا لقواعد الاشتباك التقليدية.
في هذا الإطار، جاءت "مذكرة واشنطن" في محاولة لضبط الإيقاع لصالح الصهاينة، بدليل البند المتعلق بـ"حق الدفاع عن النفس" الذي يمنح إسرائيل مساحة مفتوحة للتحرك، وفق تقديرها الخاص للتهديد.
هذا الاتجاه تؤكده تصريحات نتنياهو حين قال إن "إسرائيل ستدافع عن نفسها بنفسها، ضد أي تهديد، في أي وقت".
بهذا المعنى، تصبح الهدنة إطارا هشا، قابلا للانهيار عند أول اختبار ميداني، ويتحول الاتفاق من أداة لوقف الحرب إلى وسيلة لإدارتها بشروط إسرائيلية.
المثير للدهشة، أن المفاوضات لم تمنع جيش الاحتلال عن محاولة تثبيت واقع جديد على الأرض، أو استنساخ سيناريو غزة في جنوب لبنان عن طريق ما يعرف بـ"الخط الأصفر" الذي يهدف في حقيقته إلى إعادة تشكيل الجغرافيا والديموغرافيا (توزيع السكان).
يمتد هذا النطاق بعمق يتراوح بين 4 و10 كيلومترات، ويشمل عشرات القرى التي تعرضت لدمار واسع، مع منع فعلي لعودة سكانها.
هذه السياسة تستند إلى تصور أمني يعتبر البيئة السكانية جزءا من بنية التهديد، وهو الأمر الذي يتفق تماما مع عقيدة الصهاينة القائمة على أن سكان الأراضي العربية هم الخطر الأكبر على دولة الاحتلال وبقائها وتوسعها.
في مذكرة التفاهم الموقعة بين الجانبين، بندا خاصا بترسيم الحدود البرية والبحرية في الاتفاق الدائم المزمع التوصل إليه. من هنا نفهم لماذا تحاول إسرائيل خلق واقع جديد يستبق المفاوضات.
من هذا البند نستنتج أن الحالة الوحيدة التي ستقبل إسرائيل فيها بتوقيع اتفاق سلام دائم مع لبنان هو الحصول على ما تريد.
تحاول تل أبيب في إطار مشروعها "إسرائيل الكبرى" ربط جنوب لبنان بمناطق في جنوب سوريا، لتشكيل حزاما أمنيا عابرا للحدود، يعيد تعريف خطوط السيطرة الفعلية في المنطقة.
أبعاد الخطة الإسرائيلية تتجاوز الداخل اللبناني إلى ما هو أكثر تعقيدا في بقية خريطة الإقليم.
من هنا يتمسك حزب الله بمنطق "المقاومة" المرتبط باستمرار التهديد، بينما تحاول الدولة اللبنانية فرض مبدأ حصرية السلاح، وهنا يصبح السؤال: أي سلاح يستخدم لإجهاض مشروع الاحتلال الدولة أم المقاومة؟














0 تعليق