أشاد السفير عمر أبوعيش، مساعد وزير الخارجية الأسبق للشئون الاقتصادية، بالمبادرة المصرية لمبادلة الديون بالاستثمار، التى جرى طرحها خلال اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين، مؤكدًا أنها أداة استراتيجية ذكية تحول جزءًا من أقساط الديون والفوائد لاستثمارات فى الطاقة المتجددة أو الهيدروجين الأخضر أو تحلية المياه.
وقال «أبوعيش»، فى حواره مع «الدستور»، إن هذه المبادرة قادرة على تخفيف ضغوط الموازنة وتوفير فرص عمل، مشددًا على أن مصر لا تطلب التعاطف من أحد، بل تريد تقاسم تكلفة الاستقرار، وهذا حقها.
■ بداية.. لماذا ضم الوفد المصرى فى اجتماعات الربيع محافظ البنك المركزى ووزراء المالية والخارجية والتخطيط؟
- هذا التشكيل الرباعى لم يكن مجرد تمثيل بروتوكولى، بل مقاربة مصرية شاملة، ونحن نعيش فى عالم لم يعد فيه الاقتصاد ينفصل عن السياسة أو الأمن.
وجود حسن عبدالله، محافظ البنك المركزى، يعنى حماية الاستقرار النقدى والعملة المحلية، ووجود أحمد كجوك، وزير المالية، يعنى إدارة ملفات الدين المعقدة، بينما يمثل بدر عبدالعاطى، وزير الخارجية، البعد الدبلوماسى الذى يربط الاقتصاد بالأمن القومى، وأخيرًا الدكتور أحمد رستم، وزير التخطيط، انضم لأنه المعنى بملفات التمويل التنموى.
وأرى أن هذا الوفد يمثل رسالة مصرية، مفادها أن الدولة لا تناقش مجرد قرض بل تدير المخاطر الوجودية للإقليم، حيث يمثل هذا التشكيل أن مصر بقياداتها السياسية وحقائبها الاقتصادية تتعامل مع اجتماعات الربيع كساحة لإدارة «دبلوماسية التنمية»، لتؤكد للعالم أن استقرار مصر هو استقرار للمنظومة الدولية بأكملها.
■ كيف ترى تأثير الحرب على الاقتصاد المصرى؟
- بسبب موقعها الجغرافى، من الطبيعى أن تتأثر مصر بالحرب، لأن ممراتها المائية قريبة جدًا من المناطق المشتعلة، وخلال الاجتماعات الخاصة بمؤتمر صندوق النقد والبنك الدوليين، كان هناك إدراك بأن مصر تتعرض لضغوط شديدة، حيث تتأثر قناة السويس بالحرب، وهى الرئة التى يتنفس بها الاقتصاد العالمى؛ فبسبب ما يحدث فى البحر الأحمر يضطر بعض السفن إلى المرور عبر طريق رأس الرجاء الصالح، وهنا الأضرار تقع على الشركات وعلى مصر أيضًا.
كما تتأثر مصر بالتضخم المستورد؛ لأن الحرب الأمريكية الإيرانية رفعت أسعار النفط «برنت وتكساس»، حتى خام الأورال الروسى ارتفع لمستويات قياسية، وهذا يُترجم فورًا فى صورة غلاء أسعار الغذاء والشحن والتأمين داخل الأسواق المصرية.
■ ما سر تفهم صندوق النقد الدولى موقف مصر بهذه السرعة؟
- المسئولون فى صندوق النقد الدولى يعلمون أهمية مصر الإقليمية وثقلها فى منطقة الشرق الأوسط وفى العالم، ويفهمون جيدًا الضغوط التى تتعرض لها مصر بسبب هذه الصدمات الاقتصادية، لذلك يصبح تنفيذ شروط الإصلاح «مثل دعم الطاقة» أمرًا شديد الحساسية اجتماعيًا واقتصاديًا.
■ هل تعتقد أن مصر ستنجح فى النجاة من لغم الديون؟
- الديون ليست المشكلة، وأرى أن مصر قادرة على تحمل التبعات الاقتصادية للقروض. المشكلة الأكبر هى الحروب، خاصة فى الشرق الأوسط، والتى تترتب عليها مشكلات اقتصادية؛ إذ ترتفع تكلفة الإقراض على الأسواق الناشئة، وهو ما يرفع عبء خدمة الدين فى الموازنة المصرية.
■ كيف ترى نجاح مصر فى انتزاع استثناءات من صندوق النقد؟
- لا نستخدم كلمة «انتزاع» دبلوماسيًا، يمكن أن نقول إن مصر نجحت فى تغيير منطق التفاوض؛ هى لم تطلب استثناءً، بل «مرونة تشغيلية».
بمعنى أدق، الصندوق أقر بأن ما يحدث من تراجع فى إيرادات قناة السويس هو بسبب «قوة قاهرة» ومخاطر خارجية ملموسة، وليست فشلًا فى السياسات الحكومية، وهذا الاعتراف هو «مكسب تفاوضى» فى حد ذاته، لأنه يفتح الباب لإعادة جدولة التمويل، وتعديل معايير الأداء، وإعفاء الحكومة من بعض الالتزامات الزمنية الصارمة. كما يرى الصندوق أن الاحتياطى المصرى تحسن، والتمويل مستمر، لذا فالوضع يستدعى «مرونة مدارة» لا إجراء استثنائيًا ينسف البرنامج.
■ هل أصبحت الجغرافيا أداة تفاوضية؟ وهل تقول مصر للعالم إنها تدفع ثمن موقعها على الخريطة؟
- نعم.. بالضبط، ولكن بلغة الأرقام لا بلغة العواطف. مصر اليوم لا تطلب تعاطفًا، بل تطالب بـ«تقاسم تكلفة الاستقرار».
نحن نقدم فاتورة مليئة بالمؤشرات السلبية بسبب حرب الشرق الأوسط، تتضمن مؤشرات خسائر قناة السويس وزيادة فاتورة التأمين وارتفاع سعر النفط.
ببساطة شديدة عندما تتحول الجغرافيا السياسية إلى أرقام تفاوضية، تضطر «واشنطن» والمؤسسات الدولية للرضوخ لمنطق أن «دعم استقرار مصر هو استثمار فى أمن الملاحة العالمية»، بما يعنى أن المفاوض المصرى نجح فى نقل الصورة الكاملة عن وضع مصر الاقتصادى وقت الحرب، ونجحنا فى توجيه نظر صندوق النقد لإعادة البت فى موقف مصر من دولة فى مرحلة «تتحمل تكلفة الخسائر» إلى دولة «توظف تكلفة الخسائر» لصالحها فى التفاوض.
■ اقترحت مصر مبادلة الديون بالاستثمار.. ما رأيك؟
- مبادلة الديون بالاستثمار هى أداة استراتيجية ذكية وليست شعارًا، والفكرة هنا هى تحويل جزء من أقساط الديون أو فوائدها إلى استثمارات ملموسة داخل مصر، فى قطاعات مثل الطاقة المتجددة أو الهيدروجين الأخضر أو تحلية المياه.
■ ما الفائدة من هذه المبادرة؟
- هذه المبادرة تضرب عصفورين بحجر واحد؛ فمن ناحية هى تخفف الضغط على الموازنة العامة، وتخلق فى الوقت نفسه أصولًا إنتاجية تدر دخلًا محليًا وتخلق وظائف، ومن ناحية أخرى هى وسيلة لدفع الديون بصورة مبتكرة بعيدة عن تحميل موازنة الدولة أى عبء مالى جديد.
■ لماذا وافقت مؤسسات واشنطن الدولية على هذه المبادرة؟
- المؤسسات الدولية، مثل مجموعة البنك الدولى أو صندوق النقد، أصبحت أكثر انفتاحًا على هذا الطرح، خاصة مع ضغوط «مجموعة الـ٢٤» لإصلاح الهيكل المالى العالمى، ولا يمكن أن ترفض لتجنب الوقوع فى مشاكل اقتصادية هى فى غنى عنها، وكذلك هى تدرك قيمة مصر وقوة الاستثمارات والفرص التجارية بها.
مبادرة الديون مقابل الاستثمار تظل أداة لحل مشكلة الديون وتوظيفها لصالح مصر واقتصادها، ولكنها ليست الحل السحرى الوحيد، فإلى جانبها نحتاج إدارة حازمة تتمتع بكفاءة عالية فى إدارة الدين وجذب استثمارات مباشرة ضخمة.
■ كيف ترانا أمريكا؟
- الولايات المتحدة الأمريكية اليوم تنظر لمصر كـ«حجر زاوية» لا يمكن المساس به. فى الغرف المغلقة، يدرك الأمريكيون أن انهيار الاستقرار الاقتصادى فى مصر يعنى فوضى فى قناة السويس، وهجرة غير شرعية واسعة، واضطرابًا فى أمن الطاقة الإقليمى.
التوجه الآن هو «منع الانزلاق»، والقيادة الأمريكية ترى فى دعم برامج التمويل المصرية جزءًا من «هندسة الأمن القومى الأمريكى»، ولكن- كما هو معروف فى السياسة الأمريكية- هذا الدعم مربوط دائم باستمرار مسار الإصلاح وتحسين بيئة الاستثمار، لأنهم يدعمون الاستقرار المنتج لا الاستقرار الهش.
■ التوترات الإيرانية الأمريكية أحدثت هزة فى تدفقات التمويل للمنطقة.. كيف تأثرت مصر بهذا الصراع؟
- للأسف التأثير هنا مزدوج، فمن ناحية أصبح التمويل الخاص «الاستثمارات الدولية» أكثر حذرًا، إذ ارتفعت «علاوة المخاطر» على الشرق الأوسط ككل، ومن ناحية أخرى زاد الطلب على التمويل الرسمى «الدولى والسيادى» كآلية للصمود.
وعمومًا خلال اجتماعات الربيع فى «واشنطن»، كان هناك حديث عن حاجة المنطقة لتمويلات طوارئ تتراوح بين ٢٠ و٥٠ مليار دولار لمواجهة صدمات الطاقة والحرب، ومصر هنا مرشحة للاستفادة إذا نجحت فى تقديم نفسها كـ«دولة استقرار» وسط إقليم مشتعل، أى تحويل المخاطر الجيوسياسية إلى أولوية تمويلية لدى المانحين.
■ متى تنتهى الحرب؟
- الحروب من هذا النوع لا تنتهى بصافرة حكم، بل تتحول إلى ترتيبات ردع طويلة الأمد، أما عن «فاتورة موقعنا الجغرافى» فهى ضريبة سياسية لا بد من دفعها، لكن مصر لم تعد تكتفى بالدفع، بل بدأت «الاستثمار فى الموقع».
عندما نجعل العالم يدرك أن تكلفة انهيارنا أغلى بكثير من تكلفة دعمنا، نكون قد حولنا الجغرافيا من «عبء» إلى «ورقة ضغط سيادية»، ومصر الآن لا تطلب منحة، بل تطالب بحقها كصمام أمان لهذا العالم.
















0 تعليق