السيّد راضي… ذلك الحضور الذي يأتي بلا ضجيج

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

 

يملك بعض الفنّانين موهبة الحضور الهادئ؛ حضورٌ لا يطلب الاعتراف، لكنه يفرض ذاته بما يشبه الفيض الداخلي. ومن بين هؤلاء يجيء السيّد راضي، ذلك الوجه الذي اعتدناه صادقًا ومتوازنًا، يحمل وقارًا لا يُصطنع، واحترافًا يشتعل من الداخل أكثر ممّا يلمع على السطح.

لم يكن ممثلًا يطارد البطولة أو يبحث عن المساحات الواسعة، بل فنانًا يدرك أن قيمة الدور تُقاس بصدقه لا بحجمه. يقترب من الشخصية كمن يُصغي إلى نبضها قبل كلماتها، فيمنحها ما تحتاجه بدقّة وحساسية عالية. ولهذا ظلّ حضوره لافتًا حتى في الأدوار التي تبدو صغيرة، لأنها معه تكتسب ثِقَلًا يليق بفنان يمارس الحرفة بوعي ومسؤولية.

أما المسرح، فكان موطنه الأصيل وشغفه الذي لم يفارقه. في الإخراج، تعامل مع النصّ كقطعة فنّ ثمينة؛ يُنصت إليها قبل أن يعيد تشكيلها، ويحافظ على جوهرها من دون أن يطغى عليها. آمن بأن الممثل هو قلب العمل المسرحي، وأن الخشبة لا تنبض إلا بتلك العلاقة الحيّة بين النصّ والجسد والصوت.

وفي قيادته لفرقة المسرح الحديث، لم يتعامل مع المنصب كمنصّة للظهور، بل كمساحة لخدمة الفنّ وإتاحة الفرص للآخرين. بقي قريبًا من زملائه وتلاميذه، يشجّع حين يلزم التشجيع، ويوجّه حين يحتاج الأمر إلى توجيه، جامعًا بين صرامةٍ تصون المعايير، ولطفٍ يحفظ إنسانية العمل.

ربما لم يكن اسمه من تلك الأسماء التي تتصدّر الأخبار يوميًا، لكن أثره الحقيقي ظلّ واضحًا؛ في العروض التي صنعها، وفي الأجيال التي استفادت من رؤيته، وفي القلوب التي أحبّت حضوره المتزن. هذا الفنان الذي عبر السينما والتلفزيون، وعاش سنواته مع المسرح، ترك وراءه إرثًا يشبهه: صادقًا، نظيفًا، وبلا ادّعاء.

السيّد راضي واحد من أولئك الذين يثبتون أن القيمة لا تُقاس بوهج الضوء، بل بعمق الأثر؛ لذلك يبقى حاضرًا كعلامة على زمنٍ كان فيه الفنّ أقرب إلى المعنى، وأبعد عن الصخب.
 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق