في مثل هذا اليوم، 15 أبريل 1980، رحل جان بول سارتر، الفيلسوف والكاتب الفرنسي الذي ارتبط اسمه بالوجودية والحرية والتمرد الفكري، ولكن اسم "سارتر" لم يرتبط فقط بأعماله الأدبية والفلسفية، بل أيضًا بموقف استثنائي هزّ العالم الثقافي عام 1964، حين رفض جائزة نوبل في الأدب، رغم منحه إياها رسميًا.
وُلد جان بول سارتر في باريس عام 1905، وبرز منذ شبابه كأحد ألمع العقول الفرنسية، إذ جمع بين الفلسفة والرواية والمسرح، ونجح في تحويل أسئلة الوجود والحرية والاختيار إلى أعمال أدبية وفكرية أثرت في أجيال متعاقبة، وقد رأت الأكاديمية السويدية أن أعماله "الغنية بالأفكار والمفعمة بروح الحرية والبحث عن الحقيقة" تستحق أرفع تكريم أدبي في العالم.
لماذا رفض نوبل؟
في أكتوبر 1964، أعلنت الأكاديمية السويدية منح سارتر جائزة نوبل في الأدب، لكنه فاجأ الجميع برفضها، ليصبح أول كاتب يرفض الجائزة طوعًا في تاريخها الحديث، وقد أوضح لاحقًا أن موقفه لم يكن موجهًا ضد الجائزة نفسها، بل نابعًا من قناعة راسخة لازمته طوال حياته.
وقال سارتر إن الكاتب يجب ألا يتحول إلى "مؤسسة"، حتى لو جاء ذلك في صورة تكريم مرموق، وكان يرى أن قبول الجوائز الرسمية قد يقيّد استقلالية الكاتب، أو يفرض عليه صورة عامة لا يريدها. ولم يكن موقفه مفاجئًا لمن عرفوا سيرته؛ إذ سبق له أن رفض أوسمة فرنسية، بينها وسام جوقة الشرف، انطلاقًا من المبدأ نفسه.
كما أشار إلى سبب آخر يتعلق برؤيته للعالم في ظل الحرب الباردة، إذ كان يرفض أن يفهم قبوله للجائزة باعتباره انحيازًا ثقافيًا أو سياسيًا لمعسكر غربي ضد آخر، مؤكدًا أن الحوار بين الشعوب يجب أن يتم بعيدًا عن المؤسسات الرسمية.
من "الغثيان" إلى "الوجود والعدم"
لم يكن رفض نوبل هو ما صنع مكانة "سارتر"، بل مشروعه الفكري الممتد لعقود، ففي روايته الأشهر "الغثيان"، عبر عن اغتراب الإنسان أمام العالم، بينما رسخ في كتابه الوجود والعدم أسس فلسفته القائمة على أن الإنسان حر، ومسؤول عن اختياراته، وأن وجوده يسبق ماهيته.
كما كتب مسرحيات وروايات ومقالات جعلت منه أحد أبرز المثقفين المنخرطين في قضايا عصره، من مقاومة الاحتلال النازي، إلى الدفاع عن الفقراء والمهمشين، ومناهضة الاستبداد.
رحيل الجسد.. وبقاء الفكرة
وفي 15 أبريل 1980، توفي "سارتر" في باريس عن عمر ناهز 74 عامًا، بعد معاناة مع المرض وتدهور البصر. لكن رحيله لم ينهِ حضوره؛ فقد شيع عشرات الآلاف جنازته، في مشهد عكس مكانته في الوعي الثقافي الفرنسي والعالمي.


















0 تعليق