جاء فى الصحف الصادرة فى ١٤ أبريل ٢٠٢٦ هذا العنوان: «الرئيس يوجه الحكومة بسرعة تقديم مشروعات القوانين المتعلقة بالأسرة»، المسلمة والمسيحية، ما يعكس اهتمام سيادته بضرورة سرعة إصدار هذا القانون.
قال النائب المستشار محمد عيد محجوب، رئيس اللجنة التشريعية بمجلس النواب، إنه لم يصل أى مشروع قانون للأحوال الشخصية إلى المجلس حتى الآن، وأضــاف أنه تم إعداد مــشروع متكامل للأحـوال الشخصية، وتم تشكيل لجنة، وإعـداد النسخة الأخيرة منه بواسطة قطاع التشريع بوزارة العدل والانتهاء منه، وأخذ رأى الجهات المعنية فيه.
ومن الواضح أن المشروع الجديد قد أبقى على نظام فصل التشريع فى هذا الخصوص بين المواطنين المسلمين والمسيحيين. ومن هنا يثور سؤال جوهرى: هل آن الأوان لإعادة النظر فى تنظيم الأحوال الشخصية فى مصر على أسس دستورية وقانونية أكثر وضوحًا، تقوم لا على التمييز بين المسلمين والمسيحيين بل على التمييز بين العقد المدنى الذى تنظم الدولة آثاره القانونية، والعقد الدينى الذى يعبر عن البعدين الروحى والعقائدى للزواج؟
ما زال نظام الأحوال الشخصية فى مصر يحمل آثار مرحلة قانونية تعود إلى منتصف القرن الماضى. فحين صدر القانون رقم «٤٦٢» لسنة ١٩٥٥ أُلغيت المحاكم الشرعية والمحاكم الملية، وانتقل اختصاص الفصل فى قضايا الأحوال الشخصية إلى المحاكم الوطنية. غير أن المشرّع لم يصدر فى المقابل قانونًا عامًا موحدًا ينظم هذه المسائل لجميع المواطنين.
ينص القانون رقم «٤٦٢» لسنة ١٩٥٥ على أن يُصدر القاضى أحكامه، بالنسبة للمسلمين، طبقًا لما هو مقرر فى المادة «٢٨٠» من لائحة ترتيب المحاكم الشرعية «المصرية»، أى أن تصدر الأحكام طبقًا للمدون فيها ولأرجح الأقوال من مذهب أبى حنيفة، ما عدا الأحوال التى ينص فيها قانون المحاكم الشرعية على قواعد خاصة، فيجب أن تصدر الأحكام فيها طبقًا لتلك القواعد.
أما بالنسبة للمنازعات المتعلقة بالأحوال الشخصية للمصريين غير المسلمين المتحدى الطائفة والملة الذين كانت لهم جهات قضائية ملية منظمة وقت صدور ذلك القانون، فتصدر الأحكام- فى نطاق النظام العام- طبقًا لشريعتهم.
ونتيجة لذلك، نشأ وضع قانونى مركب: فالمحاكم المدنية تطبق فى أحكامها قواعد مستمدة من مذاهب دينية متعددة، بينما تستمر الهيئات الدينية فى ممارسة أدوار إرشادية أو تنظيمية داخل جماعاتها، خاصة فى مسائل الزواج. ومع مرور الزمن أدى هذا التداخل إلى قدر من الخلط بين ما هو دينى وما هو قانونى، وبين الفتوى والحكم القضائى، وبين التوجيه الروحى والتنظيم المدنى للعلاقات الأسرية.
كما نشأ نوع من الخلط بين صلاحيات الدولة وصلاحيات المذاهب الدينية؛ إذ أخذت محاكم الدولة تُصدر أحكامها استنادًا إلى مختلف اللوائح الدينية للأديان والمذاهب المتعددة، وبقيت المحاكم الملية، تحت مسمى المجالس الروحية أو المجالس الإكليريكية، تمارس النظر فى بعض مسائل الزواج المذهبية، لا فى كل مسائل الأحوال الشخصية، مع علمها بأن قراراتها لا تتمتع بقوة الإلزام القانونى خارج نطاقها الدينى. وفى المقابل واصلت جهات الفتوى بالنسبة للمسلمين إصدار فتاواها، مع إدراك أن هذه الفتاوى إنما تُعنى بإرشاد السائل وبيان الرأى الفقهى له، بينما تبقى الكلمة النهائية للأحكام التى تصدرها المحاكم المختصة.
نحن إذن أمام مجالين مختلفين فى طبيعتهما ووظيفتهما. فالأحكام الدينية، أو الفقه الدينى، تُعنى بتنظيم الضمير الفردى وتهدى الإنسان إلى السبيل القويم، مبيّنة الحلال والحرام، والصواب والخطأ، والعمل الصالح والخطيئة. ولذلك فهى تولى عناية خاصة بالنية، لما لها من أثر فى تقويم الفعل وتحديد قيمته الأخلاقية أو الدينية. ومن ثم فإن الالتزام بها يقوم أساسًا على إرادة الفرد الحرة واقتناعه الداخلى بما يعتقده من تعاليم دينه، إذ لا يستطيع أحد أن يُكره إنسانًا على الإيمان ولا على الالتزام الدينى، وإن كانت الضغوط الاجتماعية أحيانًا قد تؤثر فى قرارات الأفراد.
أما الأحكام المدنية فتنصرف إلى تنظيم الواقع العملى للعلاقات الاجتماعية، وتعالج الأفعال والوقائع التى تقع بالفعل بين الناس. فهى لا تحاسب على نية مجردة أو فعل لم يقع، وإنما تتعامل مع التصرفات التى تترتب عليها آثار قانونية محددة. كما أن القانون المدنى يتميز بامتلاكه قوة الإلزام والتنفيذ الجبرى، إذ تستطيع الدولة أن تفرض احترام أحكامه عن طريق القضاء وأجهزة التنفيذ.
ومن هنا، فإن استمرار الخلط بين المجالين لا يؤدى إلا إلى اضطراب فى تطبيق قواعد الأحوال الشخصية. لذلك يصبح من الضرورى تحديد اختصاص كل جهة بوضوح، دون مساس بدور أى منها.
فالجهات الدينية يظل دورها الأساس هو التوجيه الروحى والأخلاقى، وبيان تعاليم الدين، وتوعية المؤمنين بواجباتهم الدينية. ولها، فى هذا الإطار، أن تقيم شعائر الزواج الدينى وفق عقائدها وقواعدها الخاصة، كما يحق لها أن تمتنع عن إبرام زواج لا يتفق مع تعاليمها.
أما القانون المدنى، فاختصاصه ينصرف إلى تنظيم العقد المدنى للزواج وما تترتب عليه من آثار قانونية واجتماعية، مثل الحقوق والواجبات المتبادلة بين الزوجين، والالتزامات المالية، وحقوق الأبناء، وتنظيم العلاقات الأسرية أثناء قيام الأسرة أو عند انحلالها. وعلى من يضطلع بصياغة هذا القانون أن يراعى فى ذلك العرف الاجتماعى والتقاليد الراسخة والضمير الجمعى للمجتمع المصرى، وكذلك الهدى العام للتعاليم الدينية التى تشكل جزءًا مهمًا من الثقافة المجتمعية.
ولقد قرأت أخيرًا تغريدة للمحامى خالد أبوبكر يقول فيها: «الزواج فى مصر لا بد أن يكون شرعيًا ومدنيًا فى الوقت نفسه (معًا)، سواء كنت مسلمًا أو كنت مسيحيًا اذهب إلى المسجد أو الكنيسة كى تعقد قرانك أمام الله، ووفقًا لشريعتك بطقوسك الدينية التى تعتقد فيها، أما أمام الدولة المصرية فيجب أن يكون هناك عقد موحد يتعلق بكيف ستتعامل الدولة مع هذه العلاقة الزوجية، والدولة هى التى تضع الأسئلة التى توضع فى العقد والزوجان يجيبان حفاظًا على الأسرة والمجتمع، عقد يجيب عن كل الأسئلة وبكل تفاصيلها ويكون ملزمًا للطرفين، وهما من يضعان شروطه فى كل مناحى الزواج الذمة المالية- الأبناء- كيفية الطلاق- الحضانة- النفقة- السفر- العمل، (عقود الزواج الحالية قد تتضمن بعض هذه الأمور)، وغيرها من جميع التفاصيل، وهنا يصبح هذا العقد هو المرجعية الوحيدة لهذه العلاقة أمام الدولة.. ولا يحتاج أى طرف أى شىء لإثبات هذه الحقوق المترتبة على عقد الزواج؛ اللهم إلا صيغة تنفيذية للقيام بتنفيذ أى من بنوده دون الحاجة إلى اللجوء إلى القضاء».
ومن ثم يبدو من الضرورى التفكير الجاد فى الفصل بين عقد الزواج الدينى والعقد المدنى، بحيث يكون لكل منهما مجاله ووظيفته. فالزواج الدينى يظل تعبيرًا عن الإيمان والالتزام العقائدى داخل الجماعة الدينية، بينما يشكل الزواج المدنى الإطار القانونى الذى تعترف به الدولة وتترتب عليه الآثار القانونية.
إن البحث فى إمكانية هذا الفصل لا ينطلق فقط من اعتبارات عملية أو تنظيمية، بل يجد أساسه كذلك فى المبادئ الدستورية التى يقوم عليها النظام القانونى فى مصر، حيث يؤكد الدستور مبدأ المواطنة والمساواة بين المواطنين أمام القانون دون تمييز، كما يقر حرية الاعتقاد وممارسة الشعائر الدينية.
وتقتضى هذه المبادئ أن يكون للدولة نظام قانونى موحد ينظم العلاقات المدنية بين المواطنين جميعًا، مع احترام حق كل جماعة دينية فى ممارسة شعائرها وتنظيم حياتها الدينية وفقًا لمعتقداتها. ومن هذا المنطلق يمكن فهم الفصل بين العقد المدنى والعقد الدينى بوصفه آلية قانونية تحقق التوازن بين مبدأ المواطنة من جهة وحرية الاعتقاد من جهة أخرى.
ومن هنا يمكن تصور نظام يقوم على التمييز بين مستويين لعقد الزواج:
العقد المدنى: وهو العقد الذى يتم أمام جهة رسمية تابعة للدولة، ويترتب عليه الاعتراف القانونى بالزواج، وما ينشأ عنه من حقوق وواجبات وآثار قانونية، وهو الأساس الذى تعتمد عليه المحاكم فى نظر المنازعات الأسرية.
العقد الدينى: وهو العقد الذى يتم وفق تقاليد كل ديانة أو مذهب، ويعبّر عن البعد الدينى والروحى للزواج بالنسبة للمؤمنين، لكنه لا يحل محل العقد المدنى من حيث آثاره القانونية أمام الدولة.
ولا يقتصر هذا التصور على غير المسلمين، بل يمكن أيضًا تطبيقه بالنسبة للمسلمين، لأنه لا يتعارض مع التراث الفقهى الإسلامى. فالزواج فى الفقه الإسلامى لم يُنظر إليه بوصفه سرًا دينيًا بالمعنى الكهنوتى، بل باعتباره عقدًا من العقود يقوم أساسًا على التراضى بين الطرفين، والإيجاب والقبول وحضور الشهود، وتحديد الصداق وتوثيق الحقوق.
لهذا السبب عالج الفقهاء الزواج ضمن أبواب المعاملات لا ضمن أبواب العبادات، لأنه يتعلق بتنظيم العلاقات بين الناس وما ينشأ عنها من حقوق مالية وأسرية. كما أن كثيرًا من الفقهاء أكدوا أهمية توثيق عقد الزواج حفاظًا على الحقوق ومنعًا للنزاع، وهو ما يتفق مع فكرة قيام الدولة بتوثيق العقد المدنى وتنظيم آثاره القانونية.
وبهذا المعنى يمكن للمسلمين أن يبرموا عقدهم المدنى الذى يترتب عليه الاعتراف القانونى، ثم يعقدوا عقدهم الدينى وفق الصيغة الشرعية التى يرونها معبرة عن التزامهم الدينى.
وفى ضوء ما سبق، يصبح التمييز بين المجالين أمرًا ضروريًا لتوضيح حدود كل منهما. إن هذا التمييز بين المجالين لا يعنى تعارضًا بين الدين والقانون، بل قد يسهم فى إزالة الالتباس القائم بين الفتوى والحكم القضائى، وبين ما هو توجيه دينى وما هو تنظيم قانونى ملزم. فالدين يوجه الضمير ويهدى السلوك، بينما ينظم القانون العلاقات الاجتماعية ويضمن الحقوق.
وعلى هذا الأساس يمكن فتح نقاش مجتمعى وقانونى جاد حول إصدار قانون عام موحد للأحوال الشخصية، مصدره الرئيسى مبادئ الشريعة الإسلامية كنص الدستور. قانون يحكم جميع المصريين، ويضمن فى الوقت ذاته احترام الخصوصيات الدينية والثقافية.
لذلك فعلى المشرّع أن يتحرى لا رأى الأزهر أو الكنيسة فحسب، بل كل الآراء الفقهية، ثم يفاضل بينها، ليختار منها ما يناسب العصر والظروف الحياتية الجديدة والمتغيرة باستمرار. فالتحدى الحقيقى ليس فى تجاهل الدين أو إقصائه، وإنما فى إيجاد صيغة قانونية متوازنة تضمن حرية المعتقد وتحافظ على وحدة النظام القانونى للدولة.
















0 تعليق