قالت وزارة الأوقاف، إن الانتحار، في جوهره، ليس مجرد فعلٍ لإنهاء الألم، بل هو قرارٌ بالاستقالة من منظومة الحياة بكاملها، وإعلان انسحاب من دار الدنيا، وشعورٌ بالضيق من عالم الوجود وأهله، هذه الظاهرة ليست وليدة اللحظة، بل هي حالةٌ من اليأس تضرب النفس البشرية حين تضعف صلتها بخالقها وتضيق نظرتها لفلسفة الابتلاء، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا التبرم سيكثر في آخر الزمان.
وأضافت "الأوقاف" عبر منصتها الرسمية، أن الشريعة الإسلامية تُحرِّم هذا الفعل وتتوعد مرتكبه بالوعيد الشديد، كما تُسلِّط الضوء على آثاره المدمرة على الفرد والأسرة والمجتمع، وتقدم رؤية متكاملة للمعالجة المفهومية والإيمانية والسلوكية لهذه الأزمة الروحية والمجتمعية.
وأوضحت الأوقاف الرأي الشرعي بما يلي:
الرأي الشرعي وأدلته
إن الحكم الشرعي في هذه المسألة قاطعٌ وحاسم، فالانتحار من كبائر الذنوب، وتحريمه ثابتٌ بنصوص قطعية من الكتاب والسنة.
١. الأدلة من القرآن الكريم:
لقد جاء النهي الإلهي صريحًا، مقرونًا برحمة الله التي تقتضي حفظ النفس لا إتلافها.
الآية المحورية: يقول الحق تبارك وتعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء: ٢٩].
فهو يشمل أن يقتل الإنسان ذاته، ويشمل أن يقتل بعضكم بعضًا، فكأن الأمة نفسٌ واحدة، وقتل فرد منها هو قتلٌ للمجتمع بأسره.
ثم يأتيك التعليل فورًا بعد النهي: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا}، أي أن هذا التشريع لم يأتِ ليضيق عليكم، بل أتى من فرط رحمته بكم ليحميكم من أنفسكم ومن غضبكم ويأسكم.
وقد استدل الصحابي الجليل عمرو بن العاص بهذه الآية في حضرة النبي -صلى الله عليه وسلم- ليبرر تيممه في البرد الشديد خوفًا على نفسه من الهلكة، فأقره النبي، مما يدل على أن معنى الآية يشمل كل ما يؤدي إلى إتلاف النفس.
وعيد المخالف: ثم تتبع الآية مباشرةً بالوعيد الشديد لمن يخالف هذا النهي: {وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ عُدۡوَٰنٗا وَظُلۡمٗا فَسَوۡفَ نُصۡلِيهِ نَارٗاۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرًا} [النساء: ٣٠].
حرمة النفس كأصل كلي:
يقول تعالى في سياق الوصايا الكبرى: {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} [الأنعام: ١٥١]. والنفس هنا تشمل نفس الإنسان ونفس غيره، فالنفس البشرية مُصانة ومُحرّمة في ذاتها بأمر خالقها.
النهي عن الإلقاء باليد إلى التهلكة: يقول جل وعلا: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة: ١٩٥]. والانتحار هو أرقى وأوضح صور الإلقاء بالنفس إلى التهلكة المحققة في الدنيا والآخرة.
٢. الأدلة من السنة النبوية المطهرة:
جاءت السنة لتفصّل هذا الحكم وتوضح صوره وعواقبه بشكل لا يدع مجالًا للبس.
الجزاء من جنس العمل: جاء في الحديث قاعدة كلية: «مَن قَتَلَ نَفْسَهُ بشيءٍ عُذِّبَ به في نارِ جَهَنَّمَ» [صحيح البخاري (٦٦٥٢)]، وتفصيل ذلك في الحديث الآخر: «مَن تَرَدّى مِن جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَهو في نارِ جَهَنَّمَ يَتَرَدّى فيه خالِدًا مُخَلَّدًا فِيها أَبَدًا، وَمَن تَحَسّى سُمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَسُمُّهُ في يَدِهِ يَتَحَسّاهُ في نارِ جَهَنَّمَ خالِدًا مُخَلَّدًا فِيها أَبَدًا، وَمَن قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ، فَحَدِيدَتُهُ في يَدِهِ يَجَأُ بِها في بَطْنِهِ في نارِ جَهَنَّمَ خالِدًا مُخَلَّدًا فِيها أَبَدًا» [أخرجه البخاري (٥٧٧٨)].. إن هذا التصوير الدقيق للعذاب يوضح أن الفعل نفسه سيستمر كعقوبة، ليذوق المنتحر مرارة قراره الأبدي.
بطلان العمل بالخاتمة السيئة: في قصة الرجل الذي قاتل قتالًا شديدًا في غزوة خيبر، حتى أُعجب به المسلمون، كان النبي -صلى الله عليه وسلم- قد قال عنه: «هذا مِن أهْلِ النَّارِ».
فلما أصابته الجراح ولم يصبر على ألمها، استخرج سهمًا وقتل نفسه. فجاء الخبر مصدقًا لكلام رسول الله، الذي أعلن القاعدة الخالدة: «إنَّ اللَّهَ يُؤَيِّدُ الدِّينَ بالرَّجُلِ الفَاجِرِ».
وهنا تبرز مسألة أن العمل لا يُقيّم بظاهره فحسب، بل بحقيقته القلبية وخاتمته. لقد أبطل هذا الرجل كل جهاده الظاهري بفعل واحد من الجزع واليأس، فدلّ على أن صبره لم يكن لله، بل لحمية أو رياء.
استعجال قضاء الله: وفي الحديث القدسي الذي يقشعر له البدن، يروي النبي -صلى الله عليه وسلم- قصة رجل كان به جرح، فجزع ولم يصبر، فأخذ سكينًا فقطع يده فنزف حتى مات، فقال الله تعالى: «بَادَرَنِي عَبْدِي بنَفْسِهِ، حَرَّمْتُ عليه الجَنَّةَ». [أخرجه البخاري (٣٤٦٣)]، إن كلمة "بَادَرَنِي" تصور الأمر كأن العبد يسابق قدر الله، ويستعجل أمره، ويتصرف في أمانة الروح التي هي ملك لخالقها وحده، فكان العقاب من جنس الفعل؛ لما استعجل هو فراق الدنيا الفانية، حُرم عليه نعيم الجنة الباقية.
















0 تعليق