حياة سابقة

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

سألتنى صديقتى: «هل تتذكر حياتك السابقة؟ ماذا كنت فيها؟».

تأملتُ قليلًا. كنت أتذكر لا أفكر. كان ذلك منذ ثلاثمئة عام. كنت ذئبًا رماديًا، كبير الحجم، نارى العينين. يتبعنى قطيع متوسط العدد. نُغير على القرى المتناثرة على أطراف الغابة. نغتنم رزقنا من الأغنام والدواجن بعد أن أفنى البرد والبشر آكلات العشب من الغابة.

حتى جاءت المجاعة. نفقت حيواناتهم فتضوروا جوعًا، وجعنا معهم. الصغار يعوون فى ألم، أثداء الإناث عجفاء. مات أحد العجائز- قبل الكارثة بيومين- دون عواء. لم أترك للتمرد فرجة ليتسلل إلى نفوسهم. جمعت القطيع ونزلنا القرية.

حُفر النيران فى كل الشوارع، وأمام البيوت. الجوع أوجع من النار، والموت أقوى من الخوف. قفزت فوق الحفرة الأولى، وخلفى عبروا. افترسنا الدجاجات الخمس الباقية والإوزة البيضاء الوحيدة. هاج البشر وهاجمونا، ورددنا. تذوقنا لحم البشر، وارتوينا من الدماء.

فى فورة الهرج، وقفت هى تحمى جثة ذكر بشرى نازفة، وفى يدها غصن شجرة مشتعل طرفه، تلوح به فى وجوهنا. توقفت أمامها، زمجرة أولى، ثم صمت. غرقتُ فى خضرة عينيها الممطرة. كانت ترتجف، فارتجفت. كانت تصرخ وكنت أفتقد عوائى.

من خلف كتفها الأيسر كانت وليفة أخى تعدو، تقفز، تنوى نهشها. بفعل الخوف قفزت فوقها، وهبطت على رأس زوجة أخى، تفلَّتَتْ من مخالبى، زمجرت فى وجهى، لطمتها، عوت، اندفع أخوها نحوى، شققت وجهه بمخالبى. صاعقة من نار ضربت منتصف ظهرى، مزقت حنجرة البشرى حامل العصا المؤلمة. 

وقفت ذات العيون الخضراء مبهوتة خلفى، تبحث عن صرخات، يمنعها الرعب، وما تراه من جنون. هلع عينيها ورائحة الخوف من جسدها أشعلا جنونى، قلبتُ الغارة إلى معمعة، سقط كثير فى أنحاء القرية، ذئاب ورجال، مخالبى وأنيابى على الجلود والفراء معًا. الدم لونه واحد، يقطر منى مختلطًا.

مع بزوغ الفجر، كان الخراب مكان القرية، وكانت الغابة بلا ذئاب. لم أرَها ثانية، لم تكن وسط الأشلاء، ولا فى الغابة، ولا على الطريق. انطلقت أعدو باحثًا عنها فى كل مكان، لا أذكر عثورى عليها، لا أذكر شيئًا على الإطلاق، فقط.. أعدو وأعدو وأعدو.

ما زالت تأتى فى الأحلام تمسِّد فروى الرمادى وأمسح رأسى على نهديها الحليبيين... ولا نتحدث.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق