أكد ويل جوتسيجن، الكاتب في مجلة "ذا أتلانتك"، أن إيران تدخل جولة المفاوضات المرتقبة وهي تمتلك اليد العليا، رغم الضغوط العسكرية المكثفة واستهداف قيادتها العليا.
ويرى جوتسيجن أن النجاح في تحويل وقف إطلاق النار الراهن إلى حالة جمود طويلة الأمد لم يعد رهناً بالتكتيكات الميدانية، بل بات في جوهره مسألة إرادة سياسية تتوقف على مدى قدرة الأطراف المتصارعة على التوفيق بين مطالبها المتعارضة.
وفي هذا السياق، استعرض ويل جوتسيجن في مجلة "ذا أتلانتك" ملامح المشهد الميداني والسياسي؛ مشيراً إلى أنه بينما تقترب حرب الولايات المتحدة وإسرائيل مع إيران من نهاية أسبوعها السادس، توجه نائب الرئيس فانس صباح اليوم إلى باكستان لعقد مباحثات مع مسؤولين إيرانيين.
ورغم دخول وقف هش لإطلاق النار حيز التنفيذ لمدة أسبوعين، يرى جوتسيجن أن الطرفين يبدوان منفتحين "مبدئياً" على الحل، مع التحذير من عدم توقع نتائج فورية.
ولفت جوتسيجن إلى أن هذا التهدئة المؤقتة بدأت تتصدع بالفعل؛ إثر شن إسرائيل ضربات مكثفة على لبنان يوم الأربعاء، أسفرت عن مقتل أكثر من200 شخص وإصابة أكثر من 1000 آخرين. وبينما تتمسك طهران بأن لبنان جزء من الاتفاق، ترفض واشنطن وتل أبيب هذا الطرح، مما يزيد من تعقيد الموقف.
وعلى طاولة المفاوضات في باكستان، أوضح الكاتب أن فانس سيضغط باتجاه إنهاء كامل للبرنامج النووي الإيراني. وفي المقابل، تتركز المطالب الإيرانية حول إنهاء الضربات العسكرية، وتأكيد حقهم في تخصيب اليورانيوم، بالإضافة إلى فرض السيطرة على مضيق هرمز الاستراتيجي وتحصيل تعويضات عن أضرار الحرب.
موازين القوى الراهنة
ونقل جوتسيجن عن مسؤول إيراني إشارته إلى أن طهران قد تعمد إلى تأجيل المحادثات حتى تلبية مطلبين إضافيين، هما: وقف الهجوم الإسرائيلي على لبنان، والإفراج عن "أصول مجمدة". وفي المقابل، أورد الكاتب تصريحات فانس للصحفيين قبيل مغادرته على متن طائرة "إير فورس تو"، والتي حملت نبرة تحذيرية؛ حيث أكد استعداد واشنطن للتفاوض في حال وجود "حسن نية"، محذراً من أن فريق التفاوض لن يكون متجاوباً إذا ما حاول الإيرانيون التلاعب بالموقف.
واستعاد جوتسيجن ذكريات جولة مفاوضات فبراير الماضي التي انتهت بفشل ذريع، حين قصفت الولايات المتحدة وإسرائيل إيران في نهاية الشهر، مما أسفر عن مقتل زعيمها الأعلى، آية الله علي خامنئي.
وفي إطار تقييم موازين القوى الراهنة، استشهد الكاتب بآراء زميلته نانسي يوسف، المحررة المتخصصة في شؤون البنتاغون، والتي أكدت أن إيران تمتلك هذه المرة "يداً عليا" واضحة. وأوضحت يوسف أنه رغم ادعاءات الرئيس ترامب المتكررة بتحقيق النصر، إلا أن طهران تدخل المفاوضات بقدرة أكبر على التحكم في أسواق الطاقة العالمية عبر تعطيل الملاحة في مضيق هرمز.
كما أبرز التحليل ما وصفته نانسي يوسف بـ "الصمود البنيوي" للنظام؛ إذ تمكنت إيران من إطلاق صواريخ باليستية رغم الضربات الأمريكية المستمرة، وأثبتت قدرتها على تحمل حملة عسكرية استهدفت "قطع رأس قيادتها". واختتم جوتسيجن هذا المحور بالإشارة إلى أنه رغم الخسائر البشرية الجسيمة، إلا أن النظام الإيراني لا يزال متماسكاً ميدانياً وسياسياً.
مفارقة الحسم الميداني
تُعد العدوانية الإسرائيلية عاملاً آخر يزيد من تعقيد المشهد؛ إذ استمر رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، في إصدار أوامر بشن ضربات على لبنان طوال الأسبوع. وصرح الرئيس اللبناني جوزيف عون، صباح اليوم، بأن هجوماً إسرائيلياً استهدف مبنىً حكومياً أسفر عن مقتل13 شخصاً.
وفي غضون ذلك، بدأ بعض المسؤولين الأمريكيين في التصرف وكأن الحرب قد انتهت فعلياً؛ ففي فعالية صحفية يوم الأربعاء، قدم الجنرال دان كين، رئيس هيئة الأركان المشتركة، بياناً كاملاً بالأهداف التي قُصفت خلال الحرب، إلى جانب إحصائيات عملياتية أخرى ذات صلة (من بينها: كميات القهوة المستهلكة).
وقالت نانسي إن الإيجاز الصحفي سادته حالة من الشعور بالنهاية، مشيرة إلى أن الحصول على إحصاء إحصائي كامل يزداد احتمالاً عند انتهاء العملية العسكرية وليس في منتصفها.
وقد لا يشاطر الإسرائيليون هذا المنظور، لأن مصالحهم في المنطقة تختلف في نهاية المطاف عن مصالح الولايات المتحدة.
تضارب المصالح الاستراتيجية
وأوضحت نانسي قائلة: "بالنسبة لإسرائيل، كان ارتفاع أسعار الغاز ثمناً زهيداً مقابل القضاء على ما رأته تهديداً وجودياً"، في حين أنه رغم غموض الأهداف المعلنة للبيت الأبيض، فإننا نعلم أن "تغير أسعار الغاز كان يمثل تهديداً للمصالح الأمريكية، كما أن انهيار الدولة قد يؤدي إلى عدم استقرار إقليمي يهدد حلفاءها في المنطقة".
وتتجاوز أهداف إسرائيل من الحرب تدمير البرنامج النووي الإيراني، لتصل إلى إسقاط الجمهورية الإسلامية. وقد صرح نتنياهو بأن الهجمات على لبنان تستهدف حزب الله، أحد وكلاء الحكومة الإيرانية. وبسبب عدم نجاح الحرب مع إيران في إنهاء النظام فعلياً، تواصل إسرائيل هجومها.
وذكرت نانسي أنه نظراً للاختلاف الجذري بين وجهات نظر الولايات المتحدة وإيران حول ما قد ينهي الحرب، فقد لا تنتهي المفاوضات بنهاية هذا الأسبوع.
ورغم تصريح ترامب بأن الأصول العسكرية الأمريكية ستبقى في الشرق الأوسط حتى التوصل إلى اتفاق، إلا أنه بدأ أيضاً في التفكير بشكل أوسع في التعاون؛ ففي وقت سابق من هذا الأسبوع، صرح لشبكة "إيه بي سي" بأنه يدرس نوعاً من "المشروع المشترك" مع إيران، وهو نظام رسوم مرورية لفرض رسوم على السفن المارة عبر مضيق هرمز.
وقالت نانسي: "أعتقد أنه كان يتبنى نوعاً من النهج القائم على الصفقات، بمعنى أن الحرب قد انتهت في مخيلته، والآن هناك فرصة لعقد صفقات، لكنني لا أعلم ما إذا كان الإيرانيون ينظرون للأمر بالطريقة نفسها".
ما الذي يتطلبه صمود وقف إطلاق النار؟ إن التوتر بين المنظورين الأمريكي والإسرائيلي للحرب قد عرض هذا السلام المؤقت للخطر بالفعل.
وحتى لو وجدت أمريكا وإيران وسيلة لتسوية مطالبهما المتعارضة، فإن العقبة الحقيقية، كما كتب آرش عزيزي بالأمس، تكمن "في الإرادة السياسية للمصالحة بين الجانبين أكثر منها في التفاصيل العملية". فكلا الطرفين لديه أسباب للجلوس إلى طاولة المفاوضات، لكن التوصل إلى حل دائم لا يزال بعيد المنال.


















0 تعليق