في ظل تصاعد التوترات داخل المعسكر الغربي، تثير تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالانسحاب من حلف شمال الأطلسي جدلًا واسعًا حول مستقبل الأمن الأوروبي، بل وتفتح الباب أمام تحولات استراتيجية قد تعيد رسم خريطة القوة في القارة.
أزمة ثقة تضرب قلب التحالف
اعتبرت صحيفة لو جورنال دو ديمانش أن الحلف يمر بمرحلة حرجة، حيث لم تعد التهديدات تأتي من الخارج فقط، بل من داخل المنظومة نفسها فالتشكيك الأمريكي في جدوى الحلف يُضعف أحد أهم أركانه: مصداقية الالتزام الجماعي.
من "عقيدة إيمان" إلى موضع شك
منذ تأسيسه عام 1949 عقب الحرب العالمية الثانية، ارتكز الناتو على مبدأ جوهري يتمثل في المادة الخامسة التي تنص على أن الهجوم على دولة عضو هو هجوم على الجميع.
لكن هذا المبدأ، الذي مثّل لعقود ضمانة أمنية لأوروبا، بدأ يفقد قوته مع تصاعد الشكوك حول التزام واشنطن به.
شرخ استراتيجي بين أوروبا وواشنطن
كشفت الأزمة الأخيرة، خاصة رفض الدول الأوروبية الانخراط في تحالف عسكري بقيادة واشنطن لفتح مضيق هرمز بالقوة، عن تباعد واضح في المصالح الاستراتيجية.
وباتت أوروبا أقل استعدادًا للانخراط في صراعات لا تملك قرارها، ما يعكس تحولًا عميقًا في نظرتها لدورها الدولي.
نهاية الروح القديمة للناتو
ترى الصحيفة أن الناتو قد لا يختفي رسميًا، لكنه يفقد “روحه” التي قامت على الثقة والتضامن غير المشروط.
ومع تراجع الدور الأمريكي، لم يعد أمام أوروبا رفاهية الاعتماد على "الأخ الأكبر"
نحو "أوروبا الدفاع"
تدعو التحليلات إلى بناء نموذج أوروبي جديد قائم على:
- تحالف بين دول ذات سيادة
- تنسيق دفاعي مرن
- استقلال استراتيجي حقيقي
ليس الهدف إنشاء كيان فدرالي موحد، بل تعزيز التعاون دون التفريط في السيادة الوطنية.
معركة الاستقلال الحقيقي
تشير الصحيفة إلى إمكانية توظيف البنك المركزي الأوروبي كأداة لتمويل مشاريع الدفاع، مع ضرورة:
- تقليل الاعتماد على السلاح الأمريكي
- دعم الصناعات العسكرية الأوروبية
- إعطاء الأولوية للإنتاج المحلي
وترى أن استمرار شراء السلاح من الخارج يمثل ضعفًا سياسيًا قبل أن يكون خيارًا اقتصاديًا.
ترامب يدفع أوروبا للنضج
في مفارقة لافتة، قد تكون ضغوط دونالد ترامب نفسها هي العامل الذي يدفع أوروبا نحو تحقيق استقلالها الدفاعي.
فالتحولات الكبرى غالبًا ما تولد من الأزمات، وقد تجد أوروبا في هذه اللحظة فرصة لإعادة تعريف دورها كقوة عالمية.
تقف أوروبا اليوم أمام خيار حاسم:
إما الاستمرار في التبعية، أو التحول إلى فاعل استراتيجي مستقل.
وفي عالم تتغير موازينه بسرعة، تبدو الحقيقة واضحة الدول التي لا تصنع أمنها بنفسها، تصبح رهينة لقرارات الآخرين.


















0 تعليق