الجمعة 03/أبريل/2026 - 02:04 م 4/3/2026 2:04:13 PM
في مشهدٍ يثير الكثير من علامات الاستفهام، جاء تشكيل المجلس الأعلى للثقافة ليؤكد—مرةً أخرى—استمرار تجاهل جميع أسماء أعضاء مجلس إدارة اتحاد كُتّاب مصر، بما في ذلك رئيسه نفسه، رغم ما يُفترض أن يمثله هذا الكيان من ثقل ثقافي وتاريخي في الحياة الفكرية المصرية. هذا التجاهل لا يبدو عابرًا أو عرضيًا، بل يعكس حالةً أعمق من التراجع في الحضور والتأثير، تفرض نفسها بقوة على المشهد الثقافي.
ورغم ما يُعلن من إنجازات، وما يُتداول من ألقاب ونعوت بين أعضاء المجلس عبر المنصات المختلفة، فإن الواقع العملي يطرح تساؤلاتٍ مغايرة. فحجم الإشادة المتبادلة، الذي يصل في بعض الأحيان إلى مستوياتٍ مبالغ فيها، لا يوازيه حضورٌ فعلي في دوائر التأثير الثقافي الرسمي، ولا انعكاسٌ ملموس على مكانة الاتحاد في المؤسسات المعنية بصناعة القرار الثقافي.
الأمر لا يقف عند حدود الاستبعاد من تشكيلاتٍ رسمية، بل يمتد إلى غيابٍ شبه كامل عن الفعاليات والمناسبات الكبرى التي تُوجَّه فيها الدعوات إلى مختلف النقابات والكيانات المهنية التي تحظى بتقدير مؤسسات الدولة. وهو ما يطرح تساؤلًا مباشرًا: كيف لكيانٍ بحجم اتحاد كُتّاب مصر أن يغيب عن هذه المناسبات، بينما تحضر كيانات أقل تاريخًا وتأثيرًا؟
وعلى مدار ما يقرب من عشر سنوات، لم يظهر الاتحاد كذلك في قوائم الترشيحات للمعينين في البرلمان بغرفتيه، في سابقةٍ تعكس—على أقل تقدير—تراجعًا في مستوى التمثيل أو الثقة المؤسسية. ويزداد المشهد تعقيدًا مع تصاعد الأزمات الداخلية، التي وصلت إلى حد التهديد بفقدان المقر التاريخي، بما يحمله ذلك من دلالات رمزية وثقافية بالغة الخطورة.
وفي ظلّ هذا التراجع المؤسسي، تبرز وقائع قانونية تثير بدورها القلق. فقد صدر مؤخرًا حكمان نهائيان من الدائرة الاستئنافية بمحكمة جنح قصر النيل بإدانة رئيس الاتحاد في قضية سبٍّ وقذف بحق الكاتبتين الصحفيتين والأديبتين هالة فهمي ونفيسة عبد الفتاح. وهي من الجرائم التي تُعدّ مخلةً بالشرف، التي يُعاقَب مرتكبها بالعزل والشطب من عضوية اتحاد الكُتّاب لفقدانه شرطًا من شروط العضوية، وفقًا لما تنصّ عليه الفقرة (د) من المادة السادسة من قانون الاتحاد، والتي تشترط لقبول العضوية أن يكون العضو حسن السمعة ومحمود السيرة. فكيف يكون مرتكب هذه الجريمة رئيسًا لاتحاد كُتّاب مصر، ورئيسًا لاتحاد الكُتّاب العرب كما يزعم؟
وهو أمر لا يمكن فصله عن الصورة العامة للكيان الذي يمثله. كما يستمر الجدل منذ سنوات حول مؤهلاته العلمية، في ظل عدم حسمٍ واضح أو إعلانٍ قاطع ينهي حالة الشك، رغم أهمية الشفافية في المناصب العامة.
ولا تقف المسألة عند هذا الحد؛ فهناك ما لا يقل عن عشرة أحكام صادرة من محكمة مجلس الدولة والإدارية العليا بحق علاء عبد الهادي، وقد رفض هو ومجلس إدارته تنفيذها، وضرب بأحكامها القضائية عرض الحائط، بحجة أنه ليس موظفًا عموميًا بالدولة، وهو ما يخالف طبيعة منصبه، وطبيعة الأموال التي يشرف عليها، باعتبارها مالًا عامًا يقع تحت رقابة الأجهزة الرقابية المختلفة. وهي مسألة تمس بشكل مباشر مبدأ سيادة القانون، الذي يُفترض أن يكون أساسًا لأي مؤسسة تسعى إلى الحفاظ على مصداقيتها واحترامها.
وقد بلغت هذه الاتهامات بعدم تنفيذ الأحكام القضائية ذروتها خلال انعقاد الجمعية العمومية الأخيرة، حيث طُرحت الاتهامات بشكلٍ صريح ومباشر على لسان الشاعر مختار عيسى، النائب السابق للنقابة، وذلك في حضور مستشار مجلس الدولة مُصدر هذه الأحكام، والمستشار القانوني ومحامي الاتحاد، إلى جانب هيئة مكتب النقابة ومجلس الإدارة، وجمعٍ من أعضاء الجمعية العمومية التي تضم أيضًا قانونيين؛ أي بحضورٍ رسمي وقانوني مكتمل ومسؤولين معنيين. إلا أن اللافت—والمثير للدهشة—كان حالة الصمت التي خيّمت على المشهد؛ إذ لم يصدر ردٌّ واضح، ولا نفي، ولا حتى طلب توضيح، وكأن ما طُرح لا يستدعي التعقيب.
هذا الصمت، في حد ذاته، يفتح الباب أمام تأويلاتٍ متعددة، ويضع علامات استفهامٍ كبرى حول آليات إدارة الأزمة داخل الاتحاد، ومدى القدرة على التعامل مع الانتقادات والاتهامات بشفافيةٍ ومسؤولية.
إن اتحاد كُتّاب مصر، بما يحمله من تاريخٍ ورمزية، لا يمكن النظر إلى أزماته باعتبارها شأنًا داخليًا معزولًا، بل هي جزء من صورةٍ أوسع تتعلق بحالة الثقافة ودور مؤسساتها. ومن ثم، فإن معالجة هذه الأوضاع تتطلب وضوحًا في الرؤية، واحترامًا للقانون، واستعادةً لثقة الجمعية العمومية قبل أي شيءٍ آخر.
وفي ظل هذه المعطيات، تبقى الأسئلة مطروحة:
هل ما يحدث هو مجرد تعثرٍ مرحلي، أم انعكاسٌ لأزمةٍ أعمق في بنية الإدارة؟
وهل يمتلك الاتحاد القدرة على استعادة مكانته، أم أن مسار التراجع سيستمر؟
أسئلةٌ مشروعة، تنتظر إجاباتٍ من الجمعية العمومية في الانتخابات التي ستجرى في العاشر من أبريل الجاري،و لا تحتمل التأجيل.


















0 تعليق