ليس سهلًا على الإخوان، الجماعة التى تكونت وتشكلت على فكرة السيطرة والسلطة والتحكم فى مجريات الأمور للحصول على أكبر قدر من المكاسب السياسية والمادية، أن تتخلى عن فكرة الحكم بعد ما وصلت إليه وتقبل الأمر الواقع بسهولة ودون محاولات للعودة.
سعت هذه الجماعة الضالة والمضللة إلى الحكم طوال أعوامها التى اقتربت من مائة عام، واستطاعت فى غفلة من الزمن، وبعد تاريخ طويل من الدم والقتل والاغتيالات وزرع الفتن أن تصل إليه، بل إنها خطفته خطفًا فى مرحلة فوضى، ولأن الفوضى هى المناخ المناسب لعمل الإخوان فقد استطاعوا خطف كرسى الحكم عام ٢٠١٢، ولكنهم ما لبثوا أن تركوه بعد أن قام الشعب المصرى عليهم بثورة وطالب بعزلهم وإزاحتهم واستجاب القدر لما يريد المصريون.
ومنذ ذلك الوقت كان الخبراء بشئون وأمور جماعة الإخوان مثل الباحثين والضباط المتخصصين فى شأنهم، يدركون تمامًا أن الثمن باهظ وسيُدفع خلال أعوام طويلة.
حركة حسم ما هى إلا حلقة من حلقات الصراع، ومحاولة من محاولات كثيرة لعودة السيطرة على مصر، ومحاولاتهم تاريخيًا تكون عن طريقين.. طريق العنف الذى يجيدونه.. وطريق السيطرة على العقول، فهم فى الكذب والخداع وإلباس الحق بالباطل والباطل بالحق محترفون.
قبل ثورة ٣٠ يونيو بأشهر قليلة، وعقب موقعة الاتحادية الكارثية، كنت أستقل سيارة تاكسى وكان السائق ملتحيًا، طبعًا فى ذلك التوقيت كان ميدان التحرير يشتعل كل يوم جمعة ثائرًا ومتمردًا على حكم المرشد، وكنت أشعر بأننى والسائق نترقب بعضنا البعض، أو هكذا تخيلت وقررت أن أكسر الصمت، وتحدثت معه عن وضع البلد، وكنت متأكدة أنه تبعهم أو يحترمهم أو تبع السلفيين مثلًا لأن مظهره كان يقول هذا.. قال لى الرجل «طبعًا فاكرانى منهم، أنا كنت على فكرة وفاهمهم كويس»، وبدأ يحكى عن تجربته مع الإخوان، فقال: «قبل ثورة يناير أيام حكم الرئيس حسنى مبارك فى منطقة شعبية فى القاهرة، حيث أسكن، كان جارى ظروفه صعبة للغاية بعد حادث تعرض له، وترك عمله، وكان يوجد رجل متدين فى الحى يقول له الناس يا شيخ، رغم أنه لا يرتدى جلبابًا، وكان يهتم بأمور الناس ويساعدهم، ولكن جارى كان يستحى أن يطلب منه مساعدة، وكان الجار يطلب كشكًا يملكه وينفق منه على أسرته»، قال لى السائق إن الشيخ أقنعه سابقًا بالانضمام إلى جماعته التى تراعى الدين وتحرص عليه، وعرف بعد وقت قصير أنهم إخوان مسلمون، وقال لى بصراحة لم أبالِ بشأن الأسماء، هم ناس بيعرفوا ربنا وخلاص، فذهب للشيخ يطلب كشكًا لجاره، لكن الشيخ رفض، وقال له إنهم سوف يرسلون له راتبًا شهريًا، فقال للشيخ لكنه يريد عملًا لا إعانة، قال له الشيخ لا بد أن يظل محتاجًا إلينا، وعندما نريد منه عمل شىء ينفذه، لكن الكشك أو العمل يجعله مستغنيًا ولن يحتاج إلينا بعد ذلك، ولن ينفذ الأوامر؛ لأن الأمر سيكون رد جميل وقتما يشاء وبطريقته، لكن احتياجه لنا يجعله ينفذ فى الوقت الذى نختاره وبطريقتنا.
قال لى السائق رده صدمنى وراجعت نفسى.. وعرفت أنهم «لا بتوع ربنا ولا حاجة»، وقطعت صلتى بهم تمامًا، حتى المسجد غيّرته وذهبت الى مسجد آخر أصلى فيه.
لذلك المسألة هنا يجب أن يكون الوعى والثقافة وهما السلاح الأخطر الذى تخشاه هذه الجماعات الإرهابية، والمزيد من كشف حقيقتهم أمام الناس حتى نقتلعهم من الجذور، لهذا فإن اعترافات الإرهابى على عبدالونيس من الأهمية والضرورة أن تصل لكل مصرى، على الشيوخ فى مساجد الأقاليم تحديدًا، والمراكز الثقافية فى المحافظات أن تعرض اعترافات الإرهابيين أو تتناول مضمونها بطريقتهم وأسلوبهم، الذى لا يخرج عن سياق الحدث والمكان، لأن الأمن وأجهزة الدولة تقوم بدورها، وتبذل مجهودًا كبيرًا وتحقق نجاحات سيذكرها التاريخ، فى القبض عليهم ومنع الأذى عن المواطنين، ولكن خطرهم على العقول ليس من شأنهم، وللأسف يظل باقيًا، إذا لم يتم التصدى له فكريًا وإنسانيًا، لأنهم منذ نشأتهم يستطيعون استقطاب الشباب وضمهم، والعلم والثقافة والدين بمعناه الحقيقى هى السلاح الوحيد لمحاربة أفكارهم وتحجيم تمددهم بل وموت فكرتهم من الأساس، التطرف يقضى على أى مجتمع ويجعل أهله مجرد حمقى متجمدين، يرفضون التطور وتكون الدولة فى حالة تراجع، ومحاربة الأفكار الرجعية والمتطرفة تكون بالاهتمام بالتعليم ونشر الوعى، وهو أمر ربما ليس سهلًا كما يبدو؛ لأنه يحتاج إلى صبر وإصرار ووقت طويل، لكنه ليس مستحيلًا أيضًا إذا وُجدت الإرادة.. طيور الظلام لا تعيش فى النور.


















0 تعليق