وكيل دير حريصا بلبنان:مزار سيدة لبنان يعد رسالة للسلام والأمل بالشرق الأوسط (حوار)

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

 يقع دير سيدة لبنان في حريصا فوق قمة جبلية تطل على خليج جونية والبحر الأبيض المتوسط، ليُشكل واحدًا من أبرز المعالم الروحية والوطنية في الشرق الأوسط.

 منذ تدشين تمثالها البرونزي الأبيض عام 1908، تحولت حريصا من مجرد مزار مريمي للمسيحيين إلى مساحة جامعة تتجاوز الحدود الطائفية، وحاضنة وطنية تلتقي عندها مختلف أطياف المجتمع اللبناني.

تكتسب حريصا رمزيتها الفريدة للسلام في لبنان كونها مساحة ملاذ وطمأنينة عبرت فوق الأزمات والنزاعات التاريخية؛ حيث يقصدها المسلمون والمسيحيون على حدٍ سواء للتبرك والتأمل، ممثلين نموذجًا حقيقيًا للعيش المشترك والوحدة الوطنية. 

وبفضل هذه المكانة الجامعة، أصبحت سيدة حريصا رمزًا لحماية لبنان، ورسالة أمل متجددة تدعو إلى السلام والتسامح والمحبة في قلب المنطقة.

وللحديث عن هذا الدير والصرح الذي يعدًا رمزًا للسلام بالشرق الأوسط أجرت “الدستور" حوارًا مع  مع الأب فادي بالمير، وكيل دير وسيدة لبنان – حريصا.


 كيف بدأت فكرة بناء هذا الدير والمزار في حريصا؟ وما هو التاريخ الفعلي لتأسيسه؟
 

تعود الفكرة في أصلها إلى الأب لوسيان كاتان (رئيس اليسوعيين في الشرق آنذاك)، الذي رأى ضرورة إقامة أثر تذكاري يُعبّر عن إخلاص لبنان للعبادة المريمية بمناسبة اليوبيل الذهبي لإعلان عقيدة "الحبل بلا دنس" (1854 - 1904). تبنّى الفكرة البطريرك الماروني مار إلياس الحويّك والقاصد الرسولي المطران كارلوس دوفال. وُضع حجر الأساس في تشرين الأول عام 1904، واستمر العمل حتى دُشّن المزار رسميًا في الأحد الأول من أيار، وتحديدًا في 3 أيار/مايو 1908، بحضور رسمي وشعبي حاشد.

 

 لماذا تم اختيار تمثال العذراء بهذا الشكل الهندسي تحديدًا؟ ولماذا هذا المكان المطل على البحر؟
 وقع الاختيار على تلة "الصخرة" في حريصا لأنها رابية فتانة تطل على خليج جونيه والبحر المتوسط وتكشف بيروت والجبل، فضلًا عن قربها من السفارة البابوية ومقر البطريركية المارونية في بكركي. أما شكل التمثال فتح ذراعيه بالكامل، فيرمز إلى العذراء "سلطانة الحبل بلا دنس" التي تستقبل أبناءها بحنان وتدوس الحية تحت قدميها.

 

 يتساءل الكثير من الزوار عن سرّ صنع التمثال في فرنسا، وكيف وصل إلى لبنان ؟
 صُنِع التمثال من البرونز المصبوغ باللون الأبيض في معمل المصمم "دوران" بمدينة ليون الفرنسية. وصل التمثال إلى مرفأ بيروت في أواخر تموز 1906 على متن باخرة مقسمًا في صناديق قوية. نُقل بعد ذلك بالقطار إلى جونيه، ومن ثم عُبِّرَت به الطرق الجبلية الترابية بواسطة العربات والخيول والبغال وصولًا إلى حريصا. تولى المقاول إبراهيم مخلوف رفع أجزاء التمثال فوق القاعدة التي شُيّدت على شكل جذع مخروطي (بارتفاع 20 مترًا مع قاعدة داخلها درج لولبي من 104 درجات) عبر سكك حديدية تُشدّ بالبغال. ويبلغ وزن التمثال وحده 15 طنًا وارتفاعه 8.5 متر.

 

 ما هي أبرز المحطات التاريخية والأحداث التي مر بها هذا المزار وحافظ خلالها على مكانته كرمز روحي للجميع؟
 مرّ المزار بمحطات مفصلية؛ منها الاحتفالات اليوبيلية عام 1933 و1954 و2004، وزيارة القديسة تريز بزيارة ذخائرها عام 2002. ولعلّ أبرز المحطات التاريخية هي زيارة القديس البابا يوحنا بولس الثاني في 10 أيار 1997 وتوقيعه الإرشاد الرسولي "رجاء جديد للبنان"، بالإضافة إلى المبادرات الوطنية مثل إعادة تكريس لبنان والشرق لقلب مريم الطاهر.

 

هل هناك عدد تقريبي لحجاج وزوار دير العذراء حريصا سنويًا؟
يتراوح عدد الزوار والحجاج سنويًا ما بين مليون ومليوني زائر، ويرتبط هذا الرقم أحيانًا بالاستقرار الأمني والوضع السياحي. هذا الرقم يجعل حريصا أحد أبرز المزارات المريمية في الشرق الأوسط.

 

 ما هي أبرز الجنسيات التي تزور دير العذراء حريصا؟
يستقبل المزار حجاجًا من مختلف الجنسيات والديانات؛ عربيًا يأتي الزوار من العراق، سوريا، الأردن، السعودية، مصر، والإمارات. وأوروبيًا من فرنسا، إيطاليا، بولندا، ألمانيا، والنمسا. بالإضافة إلى حجاج وسياح من أمريكا، الأرجنتين، البرازيل، السويد، وجنوب إفريقيا، فضلًا عن الشخصيات الدبلوماسية ورجال الدين من مختلف دول العالم.

 

 ما الذي تمثله العذراء حريصا بالنسبة لأهل لبنان؟
الأب فادي بالمير: تمثل العذراء سيدة لبنان رمزًا وطنيًا وروحيًا يجمع بين الإيمان والهوية والرجاء؛ فهي سفيرة لبنان لدى الأمم، وهي رمز وحدة اللبنانيين جميعًا الذين يلتقون في رحابها متجاوزين اختلافاتهم الطائفية والمذهبية.

 

أيضًا العذراء مريم بالنسبة لأهل لبنان  لها مكانة كبيرة.. ماذا تمثل لهم؟
تحظى العذراء مريم بمكانة خاصة جدًا؛ فهي "الأم الحنون" وأم الرجاء وملاذ الحماية في أوقات المحن والصعاب. وتتجلى هذه المكانة في انتشار الكنائس التي تحمل اسمها في كل أرجاء لبنان، بل إن غالبية المقرات البطريركية مبنية على اسمها.

 

دير سيدة لبنان ليس فقط للمسيحيين، بل يقصده زوار من مختلف الطوائف والأديان. كيف تعزز حريصا روح العيش المشترك والسلام في لبنان؟
تلعب حريصا دور الملتقى والمساحة التشاركية؛ حيث يقصدها المسلمون والمسيحيون على حد سواء للتبرك والتأمل والصلاة وإيفاء النذور. إن انفتاح المزار واستقباله للجميع دون استثناء يجسد النموذج اللبناني في العيش المشترك والسلام الإنساني.

 

ما هي الرمزية التي تحملها مزارات العذراء مريم في قلوب اللبنانيين والمشرقيين بشكل عام؟
تحمل رمزية الملجأ الروحي والأمان والسلام الوسطي الذي يعلو فوق النزاعات والحروب؛ فهي تجسد حماية الأرض والإنسان وتبعث الأمل دائمًا وسط الظلام.

 

ما الذي يميز الهندسة المعمارية للكنيسة الكبيرة (البازيليك) المجاورة للتمثال التاريخي؟

بُنيت البازيليك التي وُضع حجر أساسها عام 1970 وتم افتتاحها لاحقًا لتتسع لـ 3500 شخص جالس. تميزها المعماري يكمن في تصميم يستوحي رمزين تاريخيين للبنان: الأرزة اللبنانية والسفينة الفينيقية. كما تتميز بوجود واجهة زجاجية ضخمة خلف المذبح الرئيسي يرى المصلون من خلالها تمثال العذراء، وتضم مذبحًا من الغرانيت وصليبًا ضخمًا صُنع من قساطل الستانلس ستيل.

 

 كيف ترون دور الدير اليوم في تقديم الرجاء والأمل للناس في ظل الظروف الاقتصادية والاجتماعية الصعبة؟
حرص الدير على أن يكون "شمعة في عتمة الظروف الصعبة"؛ حيث أسس مركزًا اجتماعيًا متكاملًا يحتوي على مركز للإصغاء والارشاد الروحي والنفسي ومستوصف طبي وصيدلية يقدمان المعاينات (طب عام، أطفال، نسائي، أسنان) والأدوية للمحتاجين.

 كما يوجد مطعم المحبة الذي يجمع كبار السن والمحتاجين أسبوعيًا لتناول وجبة غداء وقضاء وقت ترفيهي مع تقديم مساعدات وتأمين معدات لذوي الاحتياجات الخاصة.

 

 شهر  (مايو) هو "الشهر المريمي". كيف تستعد إدارة الدير لهذا الشهر الذي يشهد إقبالًا كبيرا؟
يتم الاستعداد بتكثيف الخدمات الروحية واللوجستية؛ حيث تُرفع الصلوات وتُنظم المسيرات العارمة والتطوافات يوميًا بالباحة الخارجية. كما تُشكل فرسان الشبيبة فرقًا تنظيمية للخدمة لاستقبال مئات الآلاف من المؤمنين بسلاسة.

 

 ما هي أبرز الأنشطة والقداديس والصلوات التي تُقام خلال الاحتفالات السنوية؟
 يضم البرنامج الروحي9 قداست يومية (قداس كل ساعة من 7 صباحًا حتى 12 ظهرًا ومن 7 حتى 9 مساءً)،مع تلاوة المسبحة الوردية والتطواف اليومي بتمثال العذراء.

 كما يتم تنظيم احتفال ختام شهر أيار بتجسيد حبات المسبحة بشرية بلغات متعددة ونثر الورود مع تنظيم قداس الشبيبة الأسبوعي مساء كل أحد لتلبية تساؤلات الشباب بلغتهم.

 

 كيف يتم تنظيم حركة السير والدخول لآلاف الزوار يوميًا لضمان تجربتهم الروحية بسلاسة وأمان؟
 تعتمد الإدارة على تنظيم دقيق تشارك فيه جمعية "شببيبة فرسان الأرز" وأطفال الفرسان، الذين يشكلون اليد اليمنى للمزار في التوجيه والتنظيم وإدارة الجموع بالتعاون مع القوى الأمنية والجهات المختصة لضمان الأمان والهدوء.

 

 هل هناك طقوس أو تقاليد خاصة يقوم بها الزوار عند زيارة الدير؟
الأب فادي بالمير: نعم، يمارس الزوار تقاليد روحية مميزة؛ مثل صعود الأدراج المؤدية للتمثال، أو المشي مسافات طويلة (حفاءً أحيانًا) بدافع التقوى وإيفاء النذور. كما يزور المؤمنون "حديقة الصلاة" الخاصة التي تضم نصبًا تُجسد كافة مراحل حياة يسوع المسيح من البشارة إلى القيامة والصعود للاختلاء والتأمل.

 

 ما هي الخدمات الإنسانية والاجتماعية التي يقدمها الدير للرعية والزوار على مدار السنة؟
 بالإضافة للخدمات الطبية والغذائية والاحتياجات الخاصة في "مركز سيدة لبنان الاجتماعي"، يقدم الدير خدمة الاعتراف والإصغاء المستمر، ورعاية كبار السن، والتثقيف الروحي والاجتماعي للشباب من خلال الجمعيات التابعة له.

 

 هل هناك مشاريع تطويرية أو ترميمية حديثة تم تنفيذها مؤخرًا أو تُطور حاليًا للحفاظ على هذا المزار؟
 العمل في المزار مستمر ومستدام؛ فقد تم حديثًا استحداث وتدشين "مركز الإصغاء" برعاية البطريرك مار بشارة بطرس الراعي في فبراير 2022، إلى جانب الصيانة الدورية لمنشآت البازيليك، والتمثال التاريخي، وتطوير المساحات الخضراء وحدائق الصلاة لاستيعاب أعداد الحجاج المتزايدة وتوفير جو روحاني متكامل.

دير سيدة لبنان حريصا

دير سيدة لبنان حريصا
دير سيدة لبنان حريصا
دير سيدة لبنان حريصا
دير سيدة لبنان حريصا
إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق