فى انتظار المهدى

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

تبدأ أسطورة «التنغيمات» منذ لحظة ولادته.. كانت ولادته غير طبيعية بالمرة، فقد قالت الداية وقتها: «إن المولود يغمغم وينغم بلسانه وكأنه يعزف لحنًا جنائزيًا حزينًا».

لم تفهم أمه وقتها السرَّ فى ذاك التنغيم الهادئ الذى يخرج من بين شفتى وليدها، والذى راح يزداد مع الأيام الأولى، حتى إنها كانت تستيقظ ليلًا مفزوعة مع زيادة حدة التنغيم فى صوته. ومع مرور عدة شهور اعتادت الأم على ذاك الصوت الغريب، واللحن الشجى الغامض؛ فكان الصغير ينام بجوارها وتلفُّها طاقة رهيبة، سيمفونية ليلية لا تنقطع حتى تشرق الشمس، فيكُف الصغير عن التنغيم ويستسلم للنوم.

بدأت الأقاويل تزداد فى الشارع بأن هذا الطفل معجزة، وأن به «شيئًا لله». والغامض أن كثيرين استبشروا خيرًا بوجوده، وبعضهم ادعى أنه يشبه «المهدى المنتظر»، بل أكد البعض أنه هو بذاته الذى سيخلص «حارة العشاق» من بلوتها الدائمة، ومن جبروت «سيد الإمام».

أصبح النقيض يمضى إلى النقيض، وصارت الحالة من سيئ إلى أسوأ مع تفرد «سيد الإمام» بالشارع والحى كله، تفردًا لا سبيل لدحض شبهة التواطؤ فيه، برغم جبلة الكل على الخوف الذى كان يمثل منطقة نفوذ فى نفوس الأهالى. وكان كل رضيع يولد وعلى جبينه لعنة أن يطأطئ برأسه للريح حتى تمر، ولأن الريح كانت دائمة وشديدة العصف، ظلت الرءوس تزداد اقترابًا من الأرض عامًا بعد عام، حتى أصبحت نظراتهم لصيقة بالتراب.

ومع ميلاد «المهدى» كما أسمته أمه، ظل أمل ضعيف بأن تتحقق أسطورة الفوز الرهيبة، التى تحكى كتيمة خاصة فى الوجدان الجمعى للشارع. وباتت المنغومة الليلية تخرج من بيت أم المهدى لتشرف على الحارة فى أشد الليالى حلكة، حيث تبدو طبقات الهواء حاملة للحن الغريب الذى يخترق الجدران ويصك الآذان. لدرجة أن بعض السكان بدأوا يضعون قطعًا من القطن فى آذانهم قبل النوم، وبرغم هذا كانت المنغومة تتسلل إليهم. والنساء فى الشارع يقلن إن رجالهن يصيبهم نوع من «الشبق» فى تلك الليالى، وبعضهم يصمم على ممارسة الحب حتى مطلع الصبح.

منذ شارف المهدى على السنة، كانت جميع نسوة الشارع قد حملن فى دعابة قدر نادرة التكرار، حتى من تأخر حملهن لسنوات، ومن قاربت سن اليأس وجدت الحياة تدب فى خمول جسدها الواهن، وثمار التبويض تفعل فعل السحر فتعود لها دورتها الشهرية. مر العام وأسطورة المهدى تزداد يقينًا، وسيد الإمام يزداد قلقًا وتوترًا، خصوصًا بعد أن قيل إن البعض رفع عينيه عن الأرض، وبعضهم خرج إلى عمله ينظر أمامه مباشرة، بل وصل الأمر إلى أنهم أصبحوا ينظرون للسماء بترقب.. وكأن طاقة جديدة من الحياة تسرى بينهم.

الجديد أنه بعد أن بلغ المهدى عامه الأول، كف عن الرضاعة، وصدت نفسه عن صدر أمه، وبدأ صوت تنغيمه الليلى يضعف حتى انقطع تمامًا. وعادت الأوضاع إلى ما كانت عليه؛ انتهت حالة الانتشاء، وكفت النساء عن الحمل، وكف الرجال عن رفع عيونهم عن الأرض، وسيطرت حالة من الخمول على الجميع. قال شيخ الزاوية القريبة: «لكى يرجع المهدى إلى التنغيم، على أمه ألا تفطمه قبل عامين، ربما يستمر الخير لعام آخر».

لكن الكلام شىء والفعل شىء آخر، فقد امتنع المهدى عن الرضاعة نهائيًا، ومات اللحن فى فمه. قال شيخ الزاوية: «لا بد من متطوع يذهب إلى أحد الشيوخ الكبار، ربما أعدوا وصفة للمهدى ليعود كما كان». وآخرون تمسكوا بحظهم الضئيل من الدنيا، وقفوا موقف المتفرج اليقظ.

ولكن الفتوى التى أتت من «الكبير» كانت مفزعة؛ فقد قال: «إن الرضيع تسكن جسده الشياطين، ولا بد من ذبحه حالًا تمثلًا واقتداءً بسيدنا الخضر!». قوبل كلام الشيخ بالاستهزاء من شباب الشارع الذين قالوا إن فى الأمر خدعة، وأن الكبار استسلموا لنفوذ سيد الإمام. أما أم المهدى فقد أصابها الجزع وازداد التصاقها بابنها. بعض النسوة نصحنها بالتخلص من الرضيع وقذفه فى «اليم» كما فعلت أم موسى، وسوف يرده الله إليها. ولكن اليم كان بعيدًا جدًا، والوصول إليه مستحيل!

بدأت كوابيس مريضة تؤرق الأم، ومع مرور الأيام أصبح لا مفر من تغييب المهدى لتنجيه من الموت، خاصة بعد أن رصد «سيد الإمام» مكافأة ضخمة لمن يأتيه برأس الرضيع. ولكن المهاجمين اكتشفوا بعد اقتحام البيت اختفاء الرضيع دون أثر. قالت الأم تحت القمع والترهيب إنها لا تعرف أين اختفى، فهو يغيب لساعات ثم يظهر بغتة.

انتشرت أخبار متضاربة؛ البعض أكد أن الرضيع كلم المهاجمين ووعظهم فخروا مغشيًا عليهم، وعندما أفاقوا لزموا زاوية الجامع يهتفون «الله أكبر». وأكد آخرون أن هذا محض هراء، وأنه لا معجزات فى هذا الزمن، ولا سبيل سوى النكوص قهرًا من سيد الإمام.

سيد الإمام، الذى أفزعته قوة الخيال، هاجم الحى وفرض إتاوات جديدة، وأقسم أن يحيل حياتهم جحيمًا إن لم يأتوا برأس الرضيع. فى النهاية، لم تجد الأم سوى أن «تقذف» بالمهدى إلى المجهول لتخفى أثره. اختفت الأم لشهور، ثم عادت دون الرضيع، وقد أثقلها المرض. قالت إنها تخلصت منه بعد أن أصبحت الكوابيس والتهديدات لا تُطاق، خاصة بعد ما قيل عن اختفائه وزواجه من «جنية».

ماتت الحياة فى الحارة من جديد، وظل جبروت سيد الإمام فى أقصى درجاته، وأُجبر الجميع على لزوم بيوتهم بعد الغروب. سأل «الشيخ الكبير» عن الوضع، وعندما علم بما جرى، سبَّ أهل الحارة لأنهم بجهلهم قتلوا الأسطورة، وطالبهم بالضغط على الأم لمعرفة مكانه، ولكن عندما ذهبوا إليها وجدوها قد فارقت الحياة وهى تبكى طفلها الذى لم يرتكب إثمًا.

عُقد سرادق العزاء، وبينما كان الجميع يترقب عودة أبيه من صحراء ليبيا ليفسروا له موت الأم واختفاء الرضيع، وصل خبر مفجع بأن الصحراء قد ابتلعت الأب أيضًا، فمات دون أن يُعرف له قبر.

لم أكن أعرف الكثير عن تلك الحكاية وأنا أدلف إلى «حارة العشاق» لأول مرة بحثًا عن مسكن. سمعتها من شيخ الزاوية عدة مرات ولم أصدق.. حتى قال لى يومًا بذهول: «إن اللحن الذى تعزفه بفمك كل يوم، يكاد يكون هو نفس التنغيم الذى كان يصدره المهدى!».

ضحكتُ يومها وقلت لنفسى: «يا للحكايات!».

 

أثناء سيرى فى الطريق أوقفنى رجل قوى البنية، يرتدى ملابس موحدة اللون، أشار بيده إلى لافتة تعلو إحدى البنايات وقال: انظر فيها. 

تعجبت ربما هو أمّى يجهل القراءة والكتابة، ويطلب مساعدتى، فأجبته: هذه لافتة تخص طبيبًا، هل هو من تبحث عنه؟

لا دقق النظر جيدًا، هذه لوحة استرشادية لعربة قطار مكتوب فيها «الساعة الآن التاسعة مساء سيتم التحرك، ولأن الوقت ليلًا ستضاء الأنوار الداخلية».

ثم عقب: أهنئك على اختيارك السفر بقطار برلمان، الأسرع فى قطارات المجموعة المتحدة للنقل.

انحنت باتجاهنا رقبة رجل يفترش التراب وجسده موجه للأمام كأنه بمقعد خلفى لحافلة، قاطعه قائلًا: أوه أنت لا تقول الصدق، هناك رآنى، وصقر أفضل من مجموعاتكم.

تركتهما الاثنين وانصرفت إلى المقهى المقابل وأنا فى قمة التعجب من حديثهما. 

سحبت كرسيًا، جلست عليه وطلبت من النادل شايًا، فرد وهو يدق بعصا صغيرة على سخان ماء ساخن يحمله فوق ذراعه: حاجة ساقعة، بسكويت، شاى.. بعشرة جنيه.. ثم وضع كوب الشاى أمامى على المنضدة بعد أن ملأه من السخان.

تعجبت أكثر.. مكان إعداد المشروبات أمامى عند آخر حائط للمقهى.. لماذا يحمل سخان الماء الساخن فوق ذراعه؟

على مقربة منى عدة مقاعد متراصة يجلس عليها كهل وشاب.

الكهل: لماذا تتعس نفسك بحمل الهَمّ.. محطة بنها المقبلة، وعندما نصل أعاهدك أنى سأحل لك كل ما ينغص عليك راحة بالك.

الشاب: عشت ضعيفًا مقهورًا بالفقر والجوع والمرض ونظرات الناس بالسوء. فأدركت أنى مهزوم مهزوم، فأنا مجرد إنسان ولا حياة لى.

انطلقت بخطى سريعة: وأنا أردد بينى وبين نفسى أكيد فى خطأ.

أحسست بدوخة بسيطة، دخلت صيدلية وطلبت بعض الدواء.

الصيدلى: لا تقلق الدوخة ولو معها قىء سببها سرعة القطار الزائدة ثم دفع لى بيده قرصين، فرفضت قبولهما منه وأنا مندهش من كلامه.

وخرجت على عجل فاصطدمت قدماى بسيدة تجلس مع ابنها على الرصيف، سألتنى: محطة بنها المقبلة أم قليوب؟

آه أكاد أجن، حتى أنتِ، نحن فى شارع وليس قطارًا.

عند كشك السجائر أخرج البائع رأسه من شرفته بعينيه الجاحظتين، وقفت أمامه، قلت لنفسى: ربما هو من سيوضح لى سوء الفهم.

دفعت له خمسين جنيهًا، وطلبت علبة سجائر، أعطانى المطلوب من دون الباقى، سألته عنه، طوى ورقة صغيرة فى يدى وقال: الباقى ثمن تذكرتك التى نسيت شراءها قبل استقلالك القطار.

 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق