تمثل عملية تطوير الجهاز الإدارى للدولة أحد الأعمدة الاستراتيجية التى استندت إليها رؤية الرئيس عبدالفتاح السيسى فى بناء «الجمهورية الجديدة»، فالدولة التى تطمح إلى تحقيق نهضة شاملة ومستدامة لا يمكنها أن تتقدم بخطوات واثقة دون جهاز إدارى يتسم بالكفاءة والشفافية والقدرة على مواكبة التطورات العالمية.
لقد أدرك الرئيس السيسى منذ توليه المسئولية أن الإصلاح الاقتصادى وحده لا يكفى، بل يجب أن يرافقه إصلاح جذرى فى وعاء الأداء الحكومى، وهو ما اصطلح عليه بحوكمة الجهاز الإدارى.
ولا ينظر الرئيس السيسى إلى هذه الحوكمة كمجرد إجراءات روتينية أو تحديث تقنى، بل يراها كفلسفة حكم تهدف إلى تعظيم الاستفادة من الموارد المحدودة، والقضاء على الفساد، وتسهيل حياة المواطن المصرى.
إن الحوكمة فى هذا السياق تعنى وضع القواعد والمعايير التى تضمن المساءلة والشفافية والمشاركة وحكم القانون، وهى الركائز الأربع التى يقوم عليها أى نظام إدارى ناجح فى القرن الحادى والعشرين. لقد كانت توجيهات الرئيس واضحة منذ البداية، وهى لا يمكن أن نستمر بأدوات الماضى فى مواجهة تحديات المستقبل، ومن هنا جاء التوجه نحو التحول الرقمى كأداة رئيسية لتطبيق هذه الحوكمة، حيث يقلل الاعتماد على التكنولوجيا من التدخل البشرى الذى غالبًا ما يكون مدخلًا للبيروقراطية أو الفساد، فمثلًا كثيرًا ما يتم الخلط بين العاصمة الجديدة وبين كونها مجرد مشروع عمرانى، بينما هى فى جوهرها مشروع تطوير إدارى.
إن نقل الوزارات إلى العاصمة الجديدة ليس انتقالًا مكانيًا، بل هو نقلة نوعية فى أسلوب الإدارة، لقد صممت العاصمة لتكون مدينة ذكية بالكامل، حيث تعتمد على النظم الرقمية فى إدارة الموارد، ومتابعة الأداء، وتقديم الخدمات.
والهدف الذى وضعه الرئيس السيسى من هذا الانتقال هو خلق بيئة عمل إدارية محفزة، تعتمد على معايير الأداء والمتابعة اللحظية، وتمنح الموظف المصرى أدوات العصر الحديث؛ ليكون قادرًا على المنافسة.
إن هذا التغيير المكانى يفرض بالضرورة تغييرًا فى الثقافة الإدارية، وهو ما يحرص الرئيس على التأكيد عليه فى لقاءاته المستمرة مع المسئولين، بضرورة الانتقال من عقلية الموظف المنفذ إلى عقلية صانع القرار والمبادر، وتعد رقمنة الخدمات الحكومية القلب النابض لحوكمة الجهاز الإدارى. ولقد شهدت السنوات الماضية طفرة هائلة فى إطلاق منصات مصر الرقمية، التى تهدف إلى تبسيط الإجراءات للمواطنين.
إن حرص الرئيس السيسى على الربط الشبكى بين قواعد بيانات الدولة يمثل ثورة إدارية بكل ما تحمل الكلمة من معنى، حيث أصبحت البيانات هى البوصلة التى توجه قرارات الحكومة. ومن خلال التحول الرقمى استطاعت الدولة تقليص فترات الانتظار، والقضاء على العديد من صور المحسوبية، وتوفير الشفافية الكاملة فى التعاملات المالية والإدارية.
إن الهدف النهائى هو الحكومة غير المرئية، حيث يحصل المواطن على حقه دون الحاجة للتعامل المباشر مع الموظف، ما يقطع الطريق على أى ممارسات غير قانونية. ولم يغفل الرئيس السيسى الجانب الإنسانى فى عملية الإصلاح الإدارى. فالحوكمة ليست مجرد برمجيات، بل هى وعى وقدرة بشرية. ولذلك أولت الدولة اهتمامًا كبيرًا للأكاديمية الوطنية للتدريب، التى باتت تُخرج كوادر شابة مدربة على أحدث نظريات الإدارة والقيادة.
إن رؤية الرئيس تقوم على أن الإصلاح الإدارى يبدأ من الإنسان؛ ولذلك يتم التركيز على برامج تدريبية مكثفة للموظفين، ليس فقط فى المهارات التقنية، ولكن فى مهارات الإدارة الاستراتيجية، والتفكير التحليلى، وإدارة الأزمات.
إن خلق صف ثانٍ من القيادات الإدارية الشابة والمتمكنة هو الضمانة الحقيقية لاستدامة الحوكمة فى الدولة، كما أن الطريق نحو حوكمة كاملة للجهاز الإدارى هو طريق طويل، لكن الخطوات التى اتخذتها الدولة المصرية تحت قيادة الرئيس السيسى تعتبر الأكثر جرأة ووضوحًا فى التاريخ الإدارى المصرى الحديث. إن الدولة لا تبنى فقط جسورًا وطرقًا، بل تبنى جسورًا مؤسسية متينة قادرة على حمل أعباء التنمية ومواجهة صدمات المستقبل.















0 تعليق