الشرق الأوسط فوق برميل بارود ينتظر الشرارة!

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

 

ما يجري اليوم ليس اختبارًا لوقف إطلاق نار هش، بل العد التنازلي لمرحلة جديدة من الصراع.بين واشنطن وطهران تتراكم مؤشرات المواجهة بوتيرة أسرع من أي جهود للتهدئة، فيما تبدو المنطقة وكأنها تقف فوق برميل بارود ينتظر الشرارة التالية.

وإذا كانت الأزمات السابقة قد انتهت إلى تفاهمات مؤقتة أو إلى احتواء متبادل للتصعيد، فإن المشهد الحالي يوحي بأن المنطقة تقترب من منعطف أكثر حساسية، قد تتجاوز تداعياته حدود الصراع الأمريكي الإيراني لتطال التوازنات السياسية والأمنية في الشرق الأوسط بأكمله.

المشهد الراهن لا يشبه جولات التوتر التقليدية التي اعتادت المنطقة على استيعابها عبر الوساطات أو التفاهمات المرحلية. هذه المرة لا تبدو المواجهة مجرد وسيلة لتحسين شروط التفاوض، بل اختبارًا حقيقيًا لموازين القوة والنفوذ في الإقليم، في وقت تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع الرهانات السياسية بصورة غير مسبوقة.

وفي قلب هذه المعادلة يقف الشرق الأوسط بين صورتين متناقضتين  ، الأولى لنيران تتسع رقعتها مع كل ضربة عسكرية وتهديد متبادل، والثانية لباب دبلوماسي لم يغلق  بالكامل رغم شدة التصعيد. وبين الصورتين تتشابك رسائل القوة مع محاولات التهدئة، لتدخل المنطقة واحدة من أكثر مراحلها غموضًا وتعقيدًا منذ سنوات.

 

في هذا السياق، يطرح التحول الأمريكي من خطاب التفاوض إلى توجيه الضربات العسكرية تساؤلات حول حقيقة الأهداف التي تسعى إليها واشنطن. قد راهن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لسنوات على أن العقوبات الاقتصادية والضغوط العسكرية المتدرجة ستدفع طهران إلى تقديم تنازلات في ملفاتها الاستراتيجية، إلا أن التطورات الأخيرة لا تعكس نجاح هذا الرهان.

 

العقوبات المشددة والحصار الاقتصادي والضغوط العسكرية المتواصلة لم تدفع إيران إلى تعديل مواقفها الأساسية أو مراجعة شروطها التفاوضية، بل أظهرت تمسكًا أكبر بخطوطها الحمراء، انطلاقًا من قناعة بأن أي اتفاق يبنى تحت التهديد يفتقر إلى مقومات الاستمرار والاستقرار.

ومن هنا يمكن فهم الضربات الأمريكية الأخيرة باعتبارها محاولة لإعادة صياغة قواعد التفاوض عبر القوة العسكرية وفرض معادلة جديدة على طاولة المباحثات، في ظل قناعة متزايدة داخل واشنطن بأن أدوات الضغط السابقة لم تحقق النتائج المطلوبة.

 

هذا الإخفاق في تغيير السلوك الإيراني انعكس بوضوح في المواقف الصادرة من طهران عقب الهجمات الأخيرة. قد نفت مصادر مقربة من الفريق الإيراني المفاوض وجود أي مفاوضات جديدة مع الولايات المتحدة في ظل المواجهات العسكرية، مؤكدة أن إيران لم تتراجع عن مطالبها أو عن الأسس التي قامت عليها رؤيتها التفاوضية.

كما اعتبرت الخارجية الإيرانية أن الضربات الأمريكية الأخيرة أطاحت بفرص تثبيت وقف إطلاق النار، فيما شددت وزارة الدفاع الإيرانية على أن إنهاء التصعيد يمر عبر وقف الإجراءات العدائية لا عبر زيادة الضغوط العسكرية.

وتعكس هذه المواقف تمسكًا إيرانيًا بمعادلة ثابتة مفادها أن التصعيد العسكري لن يغير حساباتها الاستراتيجية، وأن أي تسوية محتملة يجب أن تنطلق من التوازن السياسي لا من منطق الإملاءات والضغوط.

 

ومع تعثر المسار السياسي وتصاعد المواجهة العسكرية، انتقل الصراع إلى واحدة من أكثر النقاط حساسية في المنطقة، وهي مضيق هرمز.

قد أعلنت هيئة إدارة المضيق أن الممر البحري سيظل مغلقًا حتى إشعار آخر بسبب التوترات الناتجة عن التحركات الأمريكية، في خطوة تحمل أبعادًا تتجاوز الحسابات العسكرية المباشرة.

ولا ترتبط أهمية المضيق بطبيعته الجغرافية فحسب، بل بكونه شريانًا رئيسيًا لتدفق الطاقة العالمية. ولذلك فإن أي اضطراب طويل الأمد في حركة الملاحة لا يهدد أمن المنطقة وحدها، بل يمتد تأثيره إلى أسواق النفط والاقتصاد العالمي بأسره.

وفي هذا الإطار جاءت تصريحات قائد القوات الجوفضائية في الحرس الثوري الإيراني اللواء موسوي، التي حملت تحذيرًا مباشرًا من أن أي محاولة لتحويل المضيق إلى منطقة غير آمنة ستقابل برد يجعل المنطقة بأكملها ساحة مفتوحة للتوتر.

 

 

في المقابل، لم تظهر الولايات المتحدة أي مؤشرات على التراجع، بل واصل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رفع سقف تهديداته، متوعدًا إيران بضربات أكثر شدة واستهداف مواقع وبنى تحتية استراتيجية إضافية.

وتعكس هذه التصريحات قناعة داخل الإدارة الأمريكية بأن زيادة الضغط العسكري قد تخلق واقعًا جديدًا يدفع طهران إلى إعادة حساباتها. إلا أن مسار الأحداث حتى الآن يشير إلى نتيجة مغايرة، حيث يقود كل تصعيد إلى رد مضاد، بما يجعل احتمالات اتساع الأزمة أكبر من فرص تحقيق اختراق سياسي سريع.

 

وكما جرت العادة في المواجهات السابقة، لا تحصر طهران ردها داخل حدودها الجغرافية، بل تسعى إلى نقل المواجهة إلى نطاق المصالح الأمريكية المنتشرة في الشرق الأوسط، وخاصة داخل عدد من الدول العربية التي تستضيف قواعد ومنشآت عسكرية أمريكية.

وتقوم العقيدة الإيرانية في إدارة الصراع على توسيع دائرة الضغط المضاد وإيصال رسالة واضحة مفادها أن أي استهداف للأراضي الإيرانية لن يبقى محصورًا بين واشنطن وطهران، بل ستكون له انعكاسات مباشرة على الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة.

وفي هذا السياق، جاء إعلان الحرس الثوري الإيراني استهداف قواعد أمريكية في الكويت والبحرين والأردن ردًا على الضربات الأمريكية، ليؤكد أن المواجهة تجاوزت حدود الاشتباك المباشر بين الطرفين، وانتقلت إلى ساحات النفوذ والمصالح الأمريكية المنتشرة في عدد من الدول العربية.

ويعكس هذا النهج الإيراني محاولة لرفع كلفة أي تحرك عسكري أمريكي، عبر توسيع نطاق الرد وإظهار أن أمن القواعد الأمريكية وحلفاء واشنطن الإقليميين سيظل جزءًا أساسيًاً من معادلة الصراع.

ويكشف هذا التصعيد المتبادل أن الأزمة دخلت مرحلة جديدة تتجاوز الاشتباك المباشر بين واشنطن وطهران، مع انتقال تداعياتها إلى ساحات إقليمية متعددة. ومع انتقال الردود العسكرية إلى قواعد ومصالح أمريكية داخل دول عربية، تتزايد المخاوف من تحول الأزمة إلى مواجهة إقليمية واسعة النطاق، قد تمتد آثارها إلى أمن المنطقة واستقرارها، وحركة الملاحة الدولية، وأسواق الطاقة العالمية.

 

ورغم استمرار الجهود الدبلوماسية ومحاولات الوساطة التي تقودها أطراف إقليمية ودولية، وعلى رأسها باكستان، فإن المؤشرات الحالية لا توحي بقرب التوصل إلى اختراق سياسي حقيقي.

واشنطن ما زالت تراهن على أن الضغط العسكري يمكن أن يفرض تنازلات سياسية، بينما تؤكد طهران أن الضغوط والتهديدات لن تدفعها إلى التخلي عن ثوابتها الاستراتيجية. وبين هذين المسارين المتصادمين تتراجع فرص التهدئة تدريجيًا، فيما تتزايد احتمالات العودة إلى المواجهة بوتيرة أشد وأوسع من السابق.

وفي ظل هذا المشهد، لا تبدو المنطقة أمام سلام يقترب بقدر ما تبدو أمام صراع يعيد إنتاج نفسه بأدوات أكثر خطورة. القضية لم تعد تتعلق بوقف إطلاق نار مؤقت أو جولة تفاوض جديدة، بل بصراع مفتوح حول موازين القوة والنفوذ وحدود الدور الذي يسعى كل طرف إلى فرضه في المنطقة. ومن هنا تبدو المواجهة المقبلة، إن وقعت، مختلفة عن كل ما سبق، لأنها قد تحدد شكل التوازنات الإقليمية لسنوات طويلة قادمة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق