قال الدكتور جهاد أبو لحية أستاذ القانون والنظم السياسية، تنطلق مصر في مقاربتها للملف الفلسطيني من اعتباره قضية أمن قومي مصري وقضية مركزية في الأمن والاستقرار الإقليمي، وهو ما يفسر الحضور المصري المستمر في مختلف محطات الوساطة والجهود السياسية الرامية إلى احتواء الأزمة في قطاع غزة.
وأضاف “أبو لحية” في تصريحات لـ"الدستور"، أنه منذ اندلاع الحرب، حرصت القاهرة على منع انهيار المسار التفاوضي، والعمل على كسر حالة الجمود كلما وصلت المفاوضات إلى طريق مسدود بين الفصائل الفلسطينية وإسرائيل.
واكتسبت التحركات المصرية الراهنة أهمية مضاعفة في ظل الاتهامات الموجهة لإسرائيل بالتهرب من استكمال التزاماتها المنصوص عليها في المرحلة الأولى من خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والتفاهمات المرتبطة باتفاق شرم الشيخ، الأمر الذي يهدد بإفشال الجهود الرامية إلى تثبيت وقف الأعمال العدائية وفتح الطريق أمام ترتيبات ما بعد الحرب.
وفي هذا السياق، يبرز الدور المصري بصورة أكبر كلما ظهرت عقبات أو مواقف متشددة تعرقل تنفيذ التفاهمات القائمة، خاصة في ظل التدهور الإنساني الحاد الذي يعيشه سكان قطاع غزة، حيث لا يزال مئات الآلاف من الفلسطينيين يواجهون ظروفًا معيشية بالغة الصعوبة داخل مراكز الإيواء والخيام، مع استمرار النقص في الاحتياجات الأساسية والخدمات الإنسانية.
اجتماعات الفصائل في القاهرة
وانطلاقًا من حرصها على إزالة العقبات التي قد تُستخدم لتعطيل تنفيذ الاتفاقات، عملت القاهرة على استضافة اجتماعات مكثفة للفصائل الفلسطينية بهدف التوصل إلى صيغة توافقية فلسطينية بشأن القضايا الخلافية، وفي مقدمتها ملف السلاح وترتيبات إدارة القطاع خلال المرحلة المقبلة.
وأشار “أبو لحية” إلى أنه من منظور استراتيجي، تسعى مصر إلى الانتقال من مرحلة إدارة الأزمة إلى مرحلة تثبيت الاستقرار، عبر توفير أرضية توافق فلسطينية، والحفاظ على زخم الوساطة الإقليمية، ودفع الأطراف الدولية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، إلى ممارسة دور أكثر فاعلية لضمان تنفيذ ما تم الاتفاق عليه ومنع أي محاولات للالتفاف على استحقاقات المرحلة المقبلة.
وأكد أبو لحية أن القاهرة تدرك أن استمرار حالة المراوحة الحالية لا يهدد الفلسطينيين وحدهم، بل يحمل تداعيات مباشرة على الأمن الإقليمي بأكمله.
سيناريوهات المرحلة المقبلة
قال “أبو لحية” إن المرحلة المقبلة تدور حول مسارين رئيسيين متناقضين، الأول إيجابي يتمثل في إحراز تقدم فعلي في تنفيذ التفاهمات القائمة، بما يشمل التزام إسرائيل بما ورد في اتفاق شرم الشيخ، والانخراط في المسار الذي تدعمه الإدارة الأمريكية بقيادة الرئيس ترامب، بما يسمح ببدء عمل اللجنة الوطنية لإدارة غزة، وتوليها مهام الحوكمة والإدارة المدنية والإشراف على ملفات إعادة الإعمار والخدمات العامة.
كما يفترض هذا السيناريو انسحاب القوات الإسرائيلية من المناطق التي لا يزال الاحتلال يسيطر عليها داخل القطاع، وضمان تدفق المساعدات الإنسانية وفق البروتوكول الإنساني المتفق عليه، بما يخفف من الكارثة الإنسانية ويفتح الباب أمام مرحلة أكثر استقرارًا.
أما المسار الثاني (السلبي)، فيقوم على استمرار إسرائيل في انتهاج سياسة المماطلة والبحث عن ذرائع جديدة تؤدي إلى تعطيل تنفيذ الالتزامات المتفق عليها، وفي هذا السيناريو تستمر العمليات العسكرية وسقوط الضحايا الفلسطينيين رغم أن البند الأول من الاتفاق ينص على وقف الأعمال العدائية، مع استمرار القيود على دخول المساعدات الإنسانية، ومنع اللجنة الوطنية من مباشرة عملها داخل قطاع غزة، إلى جانب الإبقاء على الوجود العسكري الإسرائيلي في المناطق التي يفترض الانسحاب منها.
وأشار “أبو لحية” إلى أنه في هذا السياق، يبرز دور الوسطاء، وفي مقدمتهم مصر وقطر وتركيا، باعتباره عاملًا حاسمًا في المرحلة المقبلة، إذ تتركز جهود هذه الأطراف على حماية الاتفاق من الانهيار، ومتابعة آليات التنفيذ على الأرض، والضغط السياسي والدبلوماسي على الوسيط الأمريكي للقيام بدور أكثر فاعلية في إلزام إسرائيل باحترام تعهداتها ووقف أي إجراءات أو انتهاكات من شأنها تقويض الاتفاق أو الالتفاف على استحقاقاته السياسية والإنسانية.
واختتم أبو لحية: "بناءً على المعطيات الحالية، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في التوصل إلى الاتفاقات بقدر ما يكمن في ضمان تنفيذها عمليًا، لأن التجارب السابقة أظهرت أن فجوة التنفيذ كانت دائمًا العقبة الأكبر أمام تحويل التفاهمات السياسية إلى واقع ملموس على الأرض.

















0 تعليق