تحلّ اليوم السبت، الذكرى الـ 43 لرحيل الفنان الكبير محمود المليجي، أحد أبرز نجوم الفن المصري والعربي، الذي قدّم مسيرة فنية حافلة امتدت لأكثر من نصف قرن، قدّم خلالها مئات الأعمال التي رسخت مكانته كواحد من أعظم الممثلين في تاريخ السينما المصرية.
شرير الشاشة المصرية
وُلد محمود المليجي في حي المغربلين بالقاهرة عام 1910، لأسرة بسيطة، وانتقل مع عائلته إلى حي الحلمية، حيث تلقى تعليمه الأساسي في مدرسة الجمعية الخيرية الإسلامية، ثم التحق بالمدرسة الخديوية في المرحلة الثانوية، ما جعله ينشأ في بيئة شعبية محافظة.
كان والده يعمل في تجارة الخيول العربية والسيارات، وكان محبًا للموسيقى، وهو ما انعكس على الابن الذي أحب الغناء في صغره، قبل أن يرفض والده احترافه. كما جرّب الملاكمة لفترة قصيرة لكنه تركها بعد تعرضه للإصابات.
بدأت موهبة التمثيل لديه خلال مشاركته في فريق المسرح بالمدرسة الخديوية، حيث تدرب على يد كبار الفنانين مثل جورج أبيض وعزيز عيد وفتوح نشاطي وأحمد علام.
في أوائل الثلاثينيات، انضم إلى فرقة فاطمة رشدي المسرحية، حيث أدى أدوارًا صغيرة مقابل أجر شهري بلغ أربعة جنيهات. وبفضل إيمان فاطمة رشدي، بموهبته رشحته لبطولة فيلم "الزواج على الطريقة الحديثة"، لكن إخفاق الفيلم دفعه إلى مغادرة الفرقة والانضمام إلى فرقة رمسيس، حيث عمل في البداية ملقنًا براتب تسعة جنيهات، قبل أن يشق طريقه كممثل محترف.
وجاءت انطلاقته السينمائية الحقيقية عام 1936 من خلال مشاركته أمام أم كلثوم في فيلم "وداد"، ثم اختاره المخرج إبراهيم لاما عام 1939 للمشاركة في فيلم "قيس وليلى"، الذي شكل بداية تألقه في أدوار الشر.
وأبدع في هذا النوع من الأدوار حتى لُقب بـ"شرير الشاشة المصرية"، رغم ما عُرف عنه من دماثة الخلق والطيبة خارج الشاشة بشهادة زملائه.
خلال الأربعينيات والخمسينيات، أصبح من أهم نجوم السينما، وكون ثنائيات ناجحة، خاصة مع الفنان فريد شوقي، وقدم مئات الأفلام التي رسخت مكانته كأحد أعمدة السينما المصرية.
وشهدت مسيرته الفنية تحولًا بارزًا عندما اختاره المخرج يوسف شاهين لتجسيد شخصية "محمد أبو سويلم" في فيلم "الأرض"، وهو الدور الذي كشف عن قدراته التمثيلية بشكل مختلف، وقدم من خلاله صورة معبرة للشخصية المصرية الصابرة والمكافحة.
وحقق الفيلم نجاحًا كبيرًا، لتصبح شخصية محمد أبو سويلم من أبرز الشخصيات في تاريخ السينما المصرية، وأحد أهم أدواره وأكثرها تأثيرًا، مما رسّخ مكانته كفنان عالمي المستوى، حتى لُقّب بـ«أنتوني كوين الشرق». واستمرت شراكته الفنية مع يوسف شاهين في عدة أعمال أخرى، منها: "العصفور"، "حدوتة مصرية"، "عودة الابن الضال"، "إسكندرية ليه".
وفي وصف موهبته، قال يوسف شاهين:"كان محمود المليجي أبرع من يؤدي دوره بتلقائية لم أجدها لدى أي ممثل آخر، كما أنني شخصيًا أخاف من نظرات عينيه أمام الكاميرا".
بينما قال الفنان يوسف وهبي عنه:"إنه الفنان الوحيد الذي أستطيع أن أقول عنه إنه أفضل من يوسف وهبي".
حكاية حب والفتوة والحب الضائع
ورغم ارتباط اسمه بلقب "شرير السينما المصرية"، فإن موهبته تجاوزت هذا الإطار، حيث قدم العديد من الشخصيات الإنسانية والدرامية المركبة التي أظهرت إمكاناته الفنية الكبيرة.
وتمكن من ترسيخ مكانته كأحد أبرز نجوم السينما المصرية من خلال مشاركته في مئات الأفلام، ومن أشهر أعماله: "الله معنا"، و"المجرم"،"المنزل رقم 13"، "رصيف نمرة 5"، و"حكاية حب"، و"الفتوة"، و"الحب الضائع"، "غزل البنات"، "إحنا التلامذة"، "أيوب"، وغيرها من الأعمال التي لا تزال حاضرة في ذاكرة الجمهور.
وعلى صعيد المسرح، تعاون المليجي مع عدد من الفرق المسرحية البارزة، من بينها فرقة فاطمة رشدي، وفرقة إسماعيل ياسين، وفرقة تحية كاريوكا، وفرقة المسرح الجديد، كما كان عضوًا في الرابطة القومية للتمثيل والفرقة القومية للتمثيل.
وقدم "المليجي" أكثر من عشرين مسرحية، من أبرزها: "الحرافيش"، "معروف الإسكافي"، "قناع السعادة"، "مبروك"، "اللص الشريف"، "زبائن جهنم"، "يوليوس قيصر"، "حـدث ذات يوم"، ودور "أبو الذهب" في مـسرحية أحمد شوقي (علي بك الكبير).
ولم تقتصر مسيرته الفنية على السينما والمسرح، بل امتدت إلى الإذاعة والتليفزيون، حيث شارك في العديد من الأعمال الإذاعية والتليفزيونية، وأظهر قدرة متميزة على تجسيد الشخصيات المختلفة عبر الأداء الصوتي.
كما خاض تجربة الإنتاج السينمائي، وأسهم في إنتاج عدد من الأفلام، من بينها: "الملاك الأبيض"، و"الأم القاتلة"، و"سوق السلاح"، و"المقامر".
وتقديرًا لمسيرته الفنية الحافلة، نال العديد من الجوائز والأوسمة، من بينها الميدالية الذهبية للرواد الأوائل، وجائزة الدولة التشجيعية في التمثيل عام 1972، وشهادة تقدير في عيد الفن عام 1977.
كما حاز وسام العلوم والفنون ووسام الأرز من لبنان، إضافة إلى تعيينه عضوًا في مجلس الشورى عام 1980. وكان أيضًا عضوًا بارزًا في الرابطة القومية للتمثيل، ثم في الفرقة القومية للتمثيل.
وعلى الصعيد الشخصي، تزوج الفنانة علوية جميل عام 1939، وظلت رفيقة دربه طوال حياته الفنية.
وفي السادس من يونيو 1983، رحل محمود المليجي، عن عالمنا إثر أزمة قلبية حادة أثناء تصوير فيلم "أيوب"، ليسدل الستار على رحلة فنية استثنائية امتدت لأكثر من خمسين عامًا، ترك خلالها إرثًا فنيًا ضخمًا جعله واحدًا من أهم نجوم التمثيل في تاريخ الفن المصري، ومدرسة فنية لا تزال أجيال من الفنانين تتعلم منها حتى اليوم.


















0 تعليق