قال عدد من خبراء الاقتصاد إن توجه الحكومة نحو التحول التدريجى من منظومة الدعم العينى إلى الدعم النقدى، اعتبارًا من يوليو ٢٠٢٦، يمثل نقلة نوعية فى فلسفة الدعم الاجتماعى، نظرًا لما يوفره من مرونة أكبر للمواطن فى تحديد أولويات إنفاقه واحتياجات أسرته، فضلًا عن دوره فى الحد من تسرب الدعم إلى غير المستحقين، وتعزيز الشفافية داخل منظومة الحماية الاجتماعية.
وأضاف الخبراء، خلال حديثهم لـ«الدستور»، أن نجاح المنظومة الجديدة لا يتوقف فقط على تحويل الدعم من عينى إلى نقدى، وإنما يرتبط بوجود قواعد بيانات دقيقة ومحدثة للمستفيدين، تضمن عدالة الاستهداف، إلى جانب وضع آليات مرنة لمراجعة قيمة الدعم بشكل دورى، بما يتواكب مع معدلات التضخم والتغيرات المستمرة فى أسعار السلع والخدمات، مشيرين إلى أهمية تشديد الرقابة على الأسواق لحماية المستفيدين من أى زيادات غير مبررة فى الأسعار، قد تؤثر على القوة الشرائية للمواطن.
تعزز كفاءة الإنفاق.. تقلص حلقات التداول والتخزين.. وترفع كفاءة الإنفاق الحكومى
أكد الخبير الاقتصادى، أشرف غراب، أن توجه الحكومة نحو تطبيق منظومة الدعم النقدى بديلًا عن الدعم العينى يحقق العديد من المزايا الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين وللاقتصاد الوطنى، خاصة أنه يمنح المواطن حرية أكبر فى اختيار احتياجاته الأساسية وفقًا لأولوياته وظروفه المعيشية، بدلًا من الاقتصار على مجموعة محددة من السلع التموينية قد لا تتوافق دائمًا مع احتياجات جميع الأسر. وقال «غراب»: «حصول المستفيد على دعم نقدى مباشر يمكّنه من شراء السلع والخدمات التى يحتاجها بالفعل، يعزز من العدالة الاجتماعية ويرفع كفاءة الاستفادة من الدعم الحكومى».
وأشار إلى أن منظومة الدعم العينى الحالية، رغم دورها المهم فى دعم ملايين المواطنين، تواجه بعض التحديات والمشكلات المرتبطة بآليات التنفيذ، موضحًا أن بعض المناطق قد يشهد ممارسات غير منضبطة من جانب بعض منافذ صرف السلع التموينية، فضلًا عن المشكلات المتعلقة بتخزين السلع ونقلها، التى قد تؤثر على جودتها فى بعض الأحيان.
وأضاف أن التحول إلى الدعم النقدى يسهم فى الحد من أوجه القصور المرتبطة بتوزيع السلع العينية، كما يساعد فى تقليص حلقات التداول والتخزين والنقل، الأمر الذى ينعكس إيجابًا على كفاءة الإنفاق الحكومى، ويخفض جزءًا من الأعباء المالية التى تتحملها الموازنة العامة للدولة.
ولفت إلى أن نجاح منظومة الدعم النقدى يتطلب توافر رقابة فعالة على الأسواق؛ لضمان استقرار الأسعار ومنع أى ممارسات احتكارية، أو زيادات غير مبررة فى أسعار السلع الأساسية، حتى لا يكون المواطن عرضة لاستغلال بعض التجار أو تقلبات الأسعار التى قد تؤثر على الاستفادة الحقيقية من قيمة الدعم المقدم له.
واعتبر «غراب» أن التحول الرقمى الذى تنفذه الدولة خلال السنوات الأخيرة يمثل عنصرًا أساسيًا فى نجاح منظومة الدعم النقدى، بعد أن أسهمت قواعد البيانات المحدثة والربط الإلكترونى بين الجهات المختلفة فى تعزيز قدرة الحكومة على تحديد الفئات المستحقة للدعم بدقة أكبر، ما يضمن وصول المساندة إلى مستحقيها الفعليين، ويحد من أى أخطاء أو ازدواجية فى الاستفادة من الدعم. وتابع: «التطور التكنولوجى والإدارة الإلكترونية الحديثة أتاحا للدولة تكوين صورة أكثر دقة عن مستويات دخول المواطنين وأوضاعهم الاقتصادية، ما يساعد فى تحديد قيمة الدعم المناسبة لكل فئة وفقًا لاحتياجاتها ومستوى دخلها». واقترح الخبير الاقتصادى أن تكون قيمة الدعم النقدى مرتبطة بشكل مباشر بمستويات الأسعار فى الأسواق ومعدلات التضخم، بحيث تتم مراجعتها وتحديثها بصورة دورية للحفاظ على القوة الشرائية للأسر المستفيدة، موضحًا أن ثبات قيمة الدعم لفترات طويلة فى ظل ارتفاع الأسعار يؤدى إلى تراجع أثره الاجتماعى والاقتصادى، بينما يضمن ربطه بالتضخم استمرار قدرته على تلبية الاحتياجات الأساسية للمواطنين.
واختتم حديثه بالقول: «تطبيق الدعم النقدى يمثل خطوة مهمة نحو تحسين كفاءة توزيع الموارد العامة، ورفع كفاءة الإنفاق الحكومى، وتقليل تكاليف النقل والتخزين والتوزيع، ما يسهم فى تحقيق أهداف التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتعزيز مستويات المعيشة للفئات الأكثر احتياجًا».
تحد من إهدار الموارد وتقلل وصولها لغير المستحقين
وصفت الدكتورة نرمين طاحون، المدير السابق للشئون القانونية فى وحدة «المشاركة بين القطاعين العام والخاص» بوزارة المالية، الانتقال إلى منظومة الدعم النقدى، بأنه خطوة مهمة فى مسار تطوير سياسات الحماية الاجتماعية، شريطة أن يتم تطبيقه بصورة عادلة وفعالة تضمن تحقيق أهدافه الاقتصادية والاجتماعية.
وقالت الخبيرة الاقتصادية: «التحول من الدعم العينى إلى النقدى المباشر يمنح المواطن المستحق حرية أكبر فى إدارة موارده، وتحديد أولويات الإنفاق وفقًا لاحتياجات أسرته الفعلية، بدلًا من الارتباط بقائمة محددة من السلع المدعومة، ما يعزز من كفاءة الاستفادة من الدعم، ويرفع من مستوى المرونة فى تلبية الاحتياجات الأساسية للمواطنين».
وأضافت: «من أبرز مزايا الدعم النقدى قدرته على الحد من إهدار الموارد، وتقليل فرص تسرب الدعم إلى غير المستحقين، ما يسهم فى تحقيق قدر أكبر من العدالة فى توزيع الدعم الحكومى، فضلًا عن أنه يعزز الشفافية داخل منظومة الدعم، ويتيح للدولة توجيه الموارد المالية بصورة أكثر كفاءة نحو الفئات الأكثر احتياجًا».
ورأت أن نجاح تجربة التحول إلى الدعم النقدى لا يرتبط فقط بتغيير آلية تقديم الدعم، وإنما يعتمد بالدرجة الأولى على وجود قاعدة بيانات دقيقة ومحدثة بشكل مستمر، تضمن تحديد المستحقين الحقيقيين للدعم، ووصول المساندة إليهم دون أخطاء أو استبعاد غير مبرر لأى من الفئات المستحقة.
وأشارت إلى ضرورة الحفاظ على القيمة الحقيقية للدعم النقدى، باعتبار ذلك أحد أهم عناصر نجاح المنظومة الجديدة، خاصة فى ظل ارتفاع معدلات التضخم، وزيادة أسعار السلع والخدمات، اللذين يتطلبان مراجعة قيمة الدعم بصورة دورية ومنتظمة، حتى لا يفقد الدعم تأثيره الفعلى على مستوى معيشة الأسر المستفيدة».
وواصلت: «الهدف الأساسى من أى إصلاح لمنظومة الدعم يجب أن يظل متمثلًا فى حماية الفئات محدودة الدخل وتحسين جودة حياتها، وبالتالى نجاح المنظومة الجديدة يُقاس بمدى قدرتها على توفير حماية اجتماعية حقيقية للمواطنين الأكثر احتياجًا، وليس بمجرد التحول من شكل دعم إلى آخر».
وأكملت: «تحقيق التوازن بين الكفاءة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية يمثل الركيزة الأساسية لنجاح منظومة الدعم النقدى، ما يضمن تعزيز مستويات المعيشة للفئات المستحقة، وتحقيق الاستخدام الأمثل للموارد العامة للدولة».
نقلة نوعية تزيد معدلات الشفافية وتدعم الحوكمة
أكد الدكتور شريف طاهر، أستاذ الاقتصاد فى أكاديمية السادات للعلوم الإدارية، أن منظومة الدعم النقدى الجديدة، التى تستعد الدولة لتطبيقها اعتبارًا من يوليو المقبل، تمثل خطوة مهمة فى تطوير سياسات الحماية الاجتماعية، وتعكس توجهًا واضحًا نحو رفع كفاءة منظومة الدعم، وضمان وصوله إلى الفئات الأكثر استحقاقًا.
وأوضح «طاهر» أن أبرز ما يميز المنظومة الجديدة هو التحول من الدعم العينى التقليدى إلى الدعم النقدى المباشر من خلال بطاقات ذكية مزودة بتقنيات حديثة، ما يسهم فى الحد من أوجه الهدر والتسرب، ويضمن توجيه الموارد المالية إلى المستفيدين الفعليين بصورة أكثر دقة وشفافية.
وأضاف: «النظام الجديد يعتمد على قاعدة بيانات متكاملة يتم تحديثها بشكل مستمر، وترتبط بعدد من الجهات الحكومية المعنية، ما يسمح بتحديد المستحقين للدعم وفق معايير واضحة ودقيقة»، مشيرًا إلى أن هذا التكامل المعلوماتى يحد من الازدواجية، ويمنع حصول غير المستحقين على الدعم، ما يعزز كفاءة الإنفاق العام، ويرفع من فاعلية برامج الحماية الاجتماعية.
وواصل: «أحد أهم عناصر القوة فى المنظومة يتمثل فى ربط قيمة الدعم بالمتغيرات الاقتصادية، وعلى رأسها معدلات التضخم ومستويات الأسعار، وهى آلية تضمن الحفاظ على القوة الشرائية للمستفيدين، وتساعدهم فى مواجهة الزيادات المستمرة فى تكاليف المعيشة».
وأكمل: «المنظومة الجديدة تتبنى أحدث وسائل التكنولوجيا المالية، لأنها تتيح للمواطنين عدة قنوات لصرف مستحقاتهم، من بينها المحافظ الإلكترونية وماكينات الصراف الآلى، ما يوفر مرونة أكبر للمستفيدين، تسهل حصولهم على الدعم دون تعقيدات أو إجراءات مطولة».
وشدد على أن الحكومة أولت اهتمامًا كبيرًا بعناصر الحوكمة والشفافية داخل المنظومة الجديدة، من خلال توفير تطبيق تفاعلى يتيح للمواطن متابعة مستحقاته بشكل مباشر، إلى جانب إمكانية تقديم الشكاوى والاعتراضات ومتابعة نتائجها إلكترونيًا، ما يعزز من الثقة المتبادلة بين المواطنين ومؤسسات الدولة.
ووصف المنظومة الجديدة بأنها تمثل نقلة نوعية فى إدارة برامج الدعم الاجتماعى، عبر الجمع بين العدالة فى التوزيع والكفاءة فى التنفيذ، مضيفًا: «الاعتماد على الحلول الرقمية وقواعد البيانات المحدثة يسهم فى تحقيق استهداف أكثر دقة للفئات الأولى بالرعاية».
وأتم بقوله: «تطوير منظومة الدعم النقدى يعكس حرص الدولة على تحديث أدوات الحماية الاجتماعية، بما يتناسب مع المتغيرات الاقتصادية الراهنة، ويعزز من قدرة الفئات المستحقة على مواجهة الأعباء المعيشية، بما يدعم جهود تحقيق التنمية المستدامة، وتحسين مستوى جودة الحياة للمواطنين».
نجاح التجربة يتطلب مراعاة مستويات الدخل والتضخم
رأى عبدالمنعم السيد، رئيس مركز القاهرة للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية، أن توجه الدولة نحو التحول من الدعم العينى إلى النقدى المباشر يمثل أحد المسارات الطبيعية للإصلاح الاقتصادى وتطوير منظومة الحماية الاجتماعية، مشيرًا إلى أن العديد من الدول التى نفذت برامج إصلاح اقتصادى وهيكلى، مثل تركيا والهند والبرازيل، اتجهت إلى تطبيق نظم الدعم النقدى لما تتمتع به من مزايا اقتصادية واجتماعية متعددة.
وأوضح «السيد» أن منظومة الدعم العينى الحالية تعتمد بشكل أساسى على توفير سلع محددة، أبرزها الزيت والسكر، إلى جانب دعم الخبز من خلال البطاقات التموينية، لافتًا إلى أن نحو ٦٣ مليون مواطن يستفيدون من منظومة الدعم التموينى فى مصر.
ونوه بأن مخصصات دعم الخبز والسلع التموينية بلغت ١٦٠ مليار جنيه فى موازنة ٢٠٢٥/٢٠٢٦، فيما ارتفعت إلى ١٧٨.٣ مليار جنيه فى موازنة ٢٠٢٦/٢٠٢٧ بنسبة زيادة سنوية تصل إلى ١١٪، لتستحوذ على نحو ٣٨٪ من إجمالى مخصصات الدعم المقدرة بنحو ٨٣٢ مليار جنيه.
وأشار إلى أن الحكومات المتعاقبة واجهت تحديات كبيرة فيما يتعلق بارتفاع تكلفة الدعم على الموازنة العامة للدولة، فضلًا عن التساؤلات المرتبطة بمدى وصول الدعم إلى مستحقيه الحقيقيين، ما يدفع نحو البحث عن آليات أكثر كفاءة وعدالة فى توزيع الدعم. وذكر أن المقترحات المطروحة تشير إلى بدء تطبيق منظومة الدعم النقدى مع العام المالى الجديد، اعتبارًا من يوليو ٢٠٢٦، متوقعًا أن تتراوح قيمة الدعم النقدى للفرد بين ٢٠٠ و٢٥٠ جنيهًا شهريًا، إلا أنه شدد على ضرورة إعادة النظر فى هذه القيمة، فى ضوء معدلات التضخم الحالية التى تقترب من ١٤.٩٪، حتى لا تتآكل القيمة الحقيقية للدعم بمرور الوقت.
ولفت إلى أن الدعم النقدى يمنح المواطن حرية أكبر فى اختيار احتياجاته الأساسية دون التقيد بسلع محددة، كما يسهم فى تقليل فرص الفساد الناتجة عن وجود أسعار مدعمة وأخرى حرة للسلعة نفسها، منوهًا بأن التحول إلى الدعم النقدى يساعد كذلك فى تخفيف الأعباء المالية على الموازنة العامة ويضمن وصول الدعم بصورة مباشرة إلى الفئات الأكثر احتياجًا.
وشدد «السيد» على أن نجاح التجربة المصرية يتطلب وضع مجموعة من الضوابط الحاكمة، وفى مقدمتها تحديد المستحقين للدعم بصورة دقيقة وربط الاستحقاق بمستويات الدخل والحد الأدنى للأجور، مع تحديث قواعد البيانات بشكل مستمر لضمان عدالة التوزيع.
وأكد أهمية ربط قيمة الدعم النقدى بمعدلات التضخم ومستويات أسعار السلع الأساسية، مقترحًا تشكيل لجنة متخصصة، تجتمع بشكل دورى كل ثلاثة أو ستة أشهر، لمراجعة قيمة الدعم وتعديلها وفق المتغيرات الاقتصادية، بما يحافظ على القوة الشرائية للمواطنين.
وشدد على ضرورة تفعيل دور الأجهزة الرقابية ومنظومة حماية المستهلك والغرف التجارية لضبط الأسواق ووضع حدود مناسبة لهوامش الربح للسلع الغذائية الأساسية، ما يمنع أى ممارسات احتكارية قد تؤثر سلبًا على المستفيدين من الدعم النقدى.
وأكمل: «البعد الاجتماعى يجب أن يكون حاضرًا بقوة عند تطبيق المنظومة الجديدة، خاصة فى ظل التحديات المرتبطة بحالات الانفصال والطلاق، ما يتطلب تحديد آليات واضحة لصرف الدعم داخل الأسرة، بما يضمن وصوله إلى المستحقين الفعليين».

















0 تعليق