- سلام: مصر تعيد كتابة تاريخ المحيطات.. وأصبحنا ندخل نادي صناعة العلم لا نستقبله فقط
قبل 66 مليون سنة، لم يكن كوكب الأرض كما نعرفه اليوم. فقد أنهى اصطدام كويكب ضخم عصر الديناصورات، وفتح الباب أمام مرحلة جديدة من تاريخ الحياة، ما زال العلماء حتى الآن يحاولون فك ألغاز بدايتها.
وبين سؤالين كبيرين كيف انتهى العالم القديم، وكيف بدأ العالم الجديد ظلت الفجوة العلمية قائمة لعقود طويلة دون إجابة حاسمة، فمن قلب الصحراء الشرقية المصرية، وبين طبقات صخرية صامتة تبدو للعين المجردة بلا حياة، خرجت واحدة من أهم الإجابات العلمية في السنوات الأخيرة.
هناك، قاد فريق بحثي مصري برئاسة الدكتور هشام سلام رحلة علمية امتدت لسنوات، انتهت بكشف استثنائي يعيد رسم فهم تطور الحياة البحرية بعد الانقراض العظيم، حيث أظهرت دراسة نُشرت في مجلة Science Advances أن الأسماك الحديثة بدأت تتشكل خلال أقل من أربعة ملايين سنة فقط من تلك الكارثة الكونية.
هذا الاكتشاف لم يكن مجرد إضافة علمية جديدة، بل نقطة تحول وضعت مصر في قلب النقاش العلمي العالمي حول نشأة النظم البيئية الحديثة في المحيطات، وفي خلفية هذا الإنجاز يقف فريق "سلام لاب"، الذي جمع بين خبرة الباحثين الكبار وطموح جيل جديد من العلماء، وعلى رأسهم الدكتورة سناء السيد، التي تحولت رحلتها من فكرة وُلدت في عزلة كورونا إلى اكتشاف عالمي يغير جزءًا مهمًا من تاريخ الحياة على الأرض.
"الدستور" حاورت قائد الفريق الدكتور هشام سلام..
• بعد الإعلان عن هذا الاكتشاف، كيف تصف مشاعرك تجاه ما تحقق، وماذا تقول لفريق العمل وخاصة الدكتورة سناء السيد؟
في الحقيقة، الشعور الأول الذي يسيطر عليّ هو مزيج من الدهشة والامتنان واسترجاع كل تفاصيل الرحلة الطويلة، عندما ترى بحثًا علميًا يصل إلى هذا المستوى من التأثير، فأنت لا تتذكر فقط لحظة النشر، بل تتذكر كل سنوات العمل الميداني في الصحراء، وكل الساعات الطويلة في المختبر، وكل مرة كان فيها السؤال العلمي أكبر من الإجابة المتاحة.
الدكتورة سناء السيد تحديدًا كانت في قلب هذه الرحلة، ولم تكن مجرد باحثة مشاركة، بل كانت تقود أجزاءً أساسية من التفكير والتحليل والصياغة العلمية، حيث عملت لسنوات طويلة بإصرار شديد، تقرأ وتقارن وتراجع وتعيد البناء العلمي أكثر من مرة، حتى خرجت الورقة بهذا الشكل المتماسك، ولهذا أقول لها بكل تقدير: شكرًا، وشرفتينا، وأتمنى أن تكوني في المرحلة القادمة قائدة لهذا الفريق بروح أكثر اتساعًا وطموحًا.
أما فريق "سلام لاب"، فهو ليس فريقًا بالمعنى التقليدي، بل كيان علمي متكامل يعمل بروح واحدة، كل فرد فيه يساهم في بناء الفكرة من زوايا مختلفة، وكأن البحث ليس عمل شخص واحد بل عقل جماعي واحد، وهذا ما يجعل كل إنجاز يخرج من الفريق يحمل بصمة جماعية حقيقية.
• كيف بدأت فكرة هذا البحث، وكيف تحولت إلى اكتشاف علمي كبير؟
البداية لم تكن مشروعًا علميًا ضخمًا كما قد يتخيل البعض، بل كانت أقرب إلى سؤال بسيط، لكنه عميق جدًا، خلال فترة عزلة كورونا، بدأ التفكير في كيفية فهم ما حدث للحياة البحرية بعد انقراض الديناصورات، وكيف استطاعت النظم البيئية أن تعود للحياة بهذه السرعة النسبية.
هذا السؤال تحول تدريجيًا إلى مشروع بحثي متكامل، ثم إلى رحلات ميدانية في الصحراء الشرقية، حيث الصخور التي تحمل داخلها سجلًا جيولوجيًا نادرًا، ومع كل طبقة صخرية كنا نكتشفها، كان السؤال يكبر أكثر، وكانت الصورة العلمية تتضح تدريجيًا حتى وصلنا إلى هذا النموذج التفسيري الجديد لنشأة الأسماك الحديثة.


• ما الذي يجعل هذا الاكتشاف مختلفًا عن الدراسات السابقة في المجال نفسه؟
الاختلاف الأساسي أن هذا البحث لا يقدم مجرد تفسير نظري، بل يعتمد على دليل أحفوري مباشر من موقع جيولوجي عمره أكثر من 62 مليون سنة، هذا الموقع يمثل نافذة حقيقية على مرحلة حرجة من تاريخ الأرض، وهي الفترة التي أعقبت الانقراض العظيم مباشرة.
الدراسة لا تتحدث فقط عن "ماذا حدث"، بل تقدم إطارًا زمنيًا دقيقًا يوضح "متى وكيف" بدأت الأسماك الحديثة في الظهور والتنوع، وهذا النوع من التفاصيل الزمنية الدقيقة هو ما يجعل الاكتشاف مهمًا عالميًا، لأنه يعيد ضبط بعض الفرضيات القديمة حول بطء أو سرعة تعافي الحياة بعد الكوارث الكبرى.

• ما القيمة العلمية الأوسع لهذا الاكتشاف في فهم تاريخ الأرض؟
القيمة الأساسية تكمن في أن الماضي الجيولوجي ليس مجرد تاريخ جامد، بل هو نموذج حي لفهم المستقبل، عندما ندرس كيف استجابت الأرض لتغيرات مناخية ضخمة بعد انقراض الديناصورات، فإننا في الواقع نقرأ سيناريوهات مشابهة لما يمكن أن يحدث في عصرنا الحالي مع التغير المناخي.
ما وجدناه يشير إلى أن الأرض لديها قدرة على إعادة بناء النظم البيئية بسرعة أكبر مما كان يُعتقد سابقًا، ولكن هذا لا يعني أن التأثيرات كانت بسيطة، بل كانت هناك تحولات ضخمة في مستوى البحار، ودرجات الحرارة، وتوزيع الحياة البحرية.
• كيف تفسرون التغيرات المناخية التي حدثت بعد الانقراض العظيم؟
بعد سقوط الكويكب، دخل الكوكب في مرحلة من عدم الاستقرار المناخي الشديد، تخللتها فترات من الاحتباس الحراري الحاد، هذا أدى إلى ذوبان الجليد في القطبين وارتفاع مستويات البحار بشكل كبير، ما غيّر خريطة القارات والمحيطات كما كانت معروفة آنذاك.
في هذا السياق، بدأت الكائنات البحرية الجديدة في الظهور والتطور بسرعة نسبية، مستفيدة من الفراغ البيئي الذي تركه الانقراض الكبير، ومصر في ذلك الوقت كانت أقرب إلى النطاق الاستوائي، ما جعلها بيئة مهمة لفهم هذه التحولات.
• ما الأثر المحتمل لهذا البحث على علوم الأحياء البحرية والاقتصاد الحيوي؟
الأثر العلمي لهذا الاكتشاف لا يتوقف عند كونه إضافة إلى سجل التاريخ الجيولوجي، بل يمتد ليشكل نقطة تحول في طريقة فهمنا لتطور الكائنات البحرية الحديثة، فالكشف عن التوقيت الدقيق لنشأة الأسماك الحديثة بعد الانقراض العظيم يمنح العلماء إطارًا زمنيًا أكثر وضوحًا لإعادة بناء شجرة الحياة، وربط الأنواع الحالية بسلالاتها القديمة بطريقة أكثر دقة وموضوعية، هذا النوع من الربط الزمني يساعد في تصحيح بعض الفجوات في الفهم التطوري التي ظلت محل جدل لعقود.
ومن الناحية الجزيئية، فإن تحديد هذا السياق التاريخي بدقة ينعكس بشكل مباشر على دراسات علم الوراثة الحديثة، خاصة تحليل سلاسل الـDNA للكائنات البحرية، إذ يتيح هذا الاكتشاف للباحثين فرصة إعادة معايرة "الساعات الجزيئية" التي تُستخدم لتقدير توقيت التفرع التطوري بين الأنواع، ما يؤدي إلى نماذج أكثر دقة في تفسير كيفية تشكل التنوع الحيوي في المحيطات، وبذلك يصبح الماضي الجيولوجي أداة حقيقية لتحسين فهم البيانات الوراثية المعاصرة.
أما على المستوى التطبيقي، فإن لهذه النتائج انعكاسات مهمة على مجالات مثل الاستزراع السمكي وإدارة الموارد البحرية، حيث يساعد فهم أصول الأنواع وتاريخ تطورها في تحسين استراتيجيات التربية والانتقاء الوراثي، بما يضمن إنتاجًا أكثر استدامة وكفاءة، كما يمكن أن يسهم في دعم الجهود الرامية إلى الحفاظ على الأنواع المهددة بالانقراض من خلال فهم أعمق لقدرتها على التكيف مع البيئات المتغيرة.
ولا يقل البعد البيئي أهمية، إذ يوفر هذا النوع من الدراسات أساسًا علميًا لفهم كيفية استجابة النظم البحرية للتغيرات المناخية الكبرى عبر الزمن، فمعرفة كيف تعافت الحياة البحرية بعد الانقراضات السابقة تمنح العلماء أدوات أفضل لتوقع مستقبل المحيطات في ظل التغير المناخي الحالي، وهو ما يجعل هذا البحث حلقة وصل بين الماضي السحيق والتحديات البيئية والاقتصادية التي يواجهها العالم اليوم.
• هل يمكن اعتبار هذا الاكتشاف نقلة في صورة العلم المصري عالميًا؟
نعم، وبشكل واضح، ما حدث هنا هو انتقال من موقع "المتابع للعلم" إلى موقع "المُنتج للعلم" عندما تنشر دراسة من مصر في مجلة عالمية مرموقة مثل Science Advances، فهذا يعني أن مصر أصبحت جزءًا من إنتاج المعرفة وليس فقط استهلاكها.
الأهم من ذلك أن هناك اهتمامًا دوليًا متزايدًا بهذا النوع من الأبحاث، خاصة من المؤسسات العلمية الكبرى ووسائل الإعلام العلمي مثل ناشيونال جيوجرافيك، وهو ما يعزز صورة مصر كدولة لها حضور في العلوم الطبيعية الحديثة.

• بعد هذا النجاح، هل تفكر في الاستمرار بنفس الدور القيادي أم هناك رؤية مختلفة للمستقبل؟
أنا أؤمن أن لكل مرحلة علمية قيادتها الطبيعية التي تتشكل وفق تطور الفريق ونضجه العلمي والبحثي، ومع وصول "سلام لاب" إلى هذا المستوى من التراكم المعرفي والخبرة الميدانية، أصبح من الطبيعي أن تتسع دائرة المسؤولية داخل الفريق، وأن تُمنح المساحة الأكبر للجيل الجديد كي يقود التجربة العلمية بروح أكثر تجديدًا ومرونة.
وفي هذا السياق، أرى أن الدكتورة سناء السيد تمثل امتدادًا طبيعيًا لهذه المرحلة الجديدة، بعدما أثبتت خلال السنوات الماضية قدرتها على إدارة جزء كبير من المشروع البحثي، ليس فقط على مستوى العمل الميداني أو التحليل العلمي، بل أيضًا في صياغة الفكرة وتطويرها حتى وصلت إلى شكلها النهائي المنشور، وهذا النوع من التدرج في المسؤولية هو ما يصنع قيادة علمية حقيقية قادرة على الاستمرار والتطور.
أما دوري في المرحلة القادمة، فسوف يكون أقرب إلى المشاركة والتوجيه العام بدلًا من القيادة المباشرة، لأنني أؤمن أن النمو العلمي الحقيقي لا يتحقق بالتمسك بالمناصب، بل بإتاحة الفرصة للآخرين كي يقودوا التجربة ويطوروا أدواتها، فالعلم في جوهره عملية تراكمية، تستمر وتتوسع عندما تنتقل الخبرة من جيل إلى جيل داخل الفريق الواحد.
• هل هناك مشاريع بحثية جديدة يعمل عليها الفريق؟
نعم، هناك عدد من المشاريع البحثية الجديدة التي ما زالت قيد العمل داخل الفريق، وبعضها يمتد إلى مواقع جيولوجية مختلفة في الصحراء المصرية، حيث نواصل استكشاف طبقات صخرية تحمل سجلات غير مكتشفة بعد عن تاريخ الحياة القديمة، هذه المواقع تمثل فرصًا علمية حقيقية لإعادة قراءة مراحل أخرى من تطور الحياة البحرية، وقد تكشف عن تفاصيل إضافية تعمّق فهمنا للتغيرات البيئية التي شهدها الكوكب عبر ملايين السنين.
هذه المشروعات لا تقل أهمية عن الاكتشاف الحالي، بل يمكن القول إنها امتداد طبيعي له، لأنها لا تكتفي بتأكيد النتائج السابقة، وإنما تسعى إلى توسيع الإطار العلمي الذي نعمل داخله، كل موقع جديد ندرسه يضيف طبقة جديدة من المعرفة، ويساعدنا على بناء صورة أكثر تكاملًا عن كيفية تشكل النظم البيئية البحرية بعد الانقراضات الكبرى، وما تبعها من تحولات مناخية وجيولوجية.
أما على مستوى المستقبل، فيمكن القول إن وتيرة الاكتشافات لن تتوقف، لأننا وصلنا اليوم إلى مرحلة نمتلك فيها خبرة علمية وميدانية متراكمة تتيح لنا طرح أسئلة أكثر عمقًا وتعقيدًا، ومع كل إجابة نحصل عليها، تتولد أسئلة جديدة تدفعنا للاستمرار، وهو ما يجعل البحث العلمي بالنسبة لنا مسارًا مفتوحًا لا ينتهي، بل يتسع باستمرار مع كل خطوة جديدة في الميدان أو المختبر.
• ما الرسالة التي تود توجيهها للشباب والباحثين خلال الفترة المقبلة؟
الرسالة الأساسية التي أؤمن بها دائمًا هي أن العلم ليس طريقًا سهلًا، لكنه في الوقت نفسه طريق ممكن ومتاح لكل من يمتلك الإرادة الحقيقية، فالوصول إلى نتائج علمية مؤثرة لا يتحقق عبر فكرة واحدة أو لحظة إلهام عابرة، بل هو حصيلة سنوات طويلة من العمل المتواصل، والتجربة، والخطأ، وإعادة المحاولة، حتى تتبلور المعرفة في شكلها النهائي القابل للنشر والتأثير.
النجاح في المجال العلمي لا يُبنى على الحماس اللحظي فقط، بل على القدرة على الاستمرار رغم الصعوبات، وعلى تطوير الذات باستمرار في مواجهة أسئلة جديدة ومعقدة، فكل مرحلة في البحث العلمي تفتح بابًا لمرحلة أخرى أكثر تعقيدًا، وكل إجابة يتم الوصول إليها تولّد أسئلة جديدة، وهو ما يجعل هذا الطريق قائمًا على التراكم والصبر وليس على القفزات السريعة.
إذا كان لدى أي شخص حلم علمي، فلا ينبغي أن يتعامل معه كفكرة بعيدة أو مستحيلة، بل كمسار طويل يحتاج إلى التزام يومي وصبر وتطوير مستمر، الأهم هو التحول الحقيقي من مجرد الاهتمام بالعلم إلى ممارسته الفعلية، ومن مرحلة الهواية إلى مرحلة الاحتراف، حيث يصبح البحث جزءًا من أسلوب الحياة وليس مجرد نشاط مؤقت.
وما نراه اليوم في "سلام لاب" هو دليل واضح على أن مصر قادرة على إنتاج علم عالمي عندما تتوفر بيئة داعمة، وإصرار حقيقي، وعمل جماعي منظم، كما يؤكد أن الطريق من المحلي إلى العالمي ليس مستحيلًا كما يعتقد البعض، بل هو ممكن ومتاح لكل من يختار أن يسلكه بجدية واستمرارية وإيمان حقيقي بقدراته.


















0 تعليق