يعرف الجميع أن هناك بلاد نزورها ثم نغادرها فلا يبقى منها سوى صور باهتة في الذاكرة وهناك بلاد تمنحنا شيئا من روحها فتصير جزءا منا مهما ابتعدنا عنها، وسلطنة عمان كانت بالنسبة لي من هذا النوع النادر من البلاد، عشت وعملت فيها سنوات طوال ولم أشعر فيها يوما أنني غريب أو مجرد وافد يؤدي عملا ثم يرحل، كنت ضيفا فأكرموني وإنسانا فاحترموني وعربيا ففتحوا لي قلوبهم قبل أبوابهم.
تعلمت في عمان معنى الهدوء النبيل، هناك لا يعلو الصخب على الأخلاق ولا تتقدم الفوضى على النظام، شعب يعرف قيمة الكرامة دون ضجيج ويعرف معنى الاحترام دون ادعاء، لذلك فإن حق عمان علي ليس مجرد كلمات مجاملة بل دين معنوي وإنساني يجعل الدفاع عنها واجبا أخلاقيا قبل أن يكون موقفا سياسيا
لهذا شعرت بالغضب الحقيقي وأنا أتابع التهديد الحقير الذي أطلقه دونالد ترامب ضد سلطنة عمان، لم يكن الأمر بالنسبة لي خبرا سياسيا عابرا بل بدا كأن رجلا مختلا يهدد بيتا عشت فيه وأرضا أعرف طيبة أهلها وسلام نواياها، أي جنون هذا الذي يدفع رئيسا أمريكيا سابقا للحديث بلغة النسف والتدمير ضد دولة لم تعتد على أحد ولم تحمل سلاحها في وجه أحد ولم تكن يوما مصدرا للفوضى أو الإرهاب أو التهديد.
سلطنة عمان ليست دولة مارقة ولا عصابة مسلحة حتى يخرج من يلوح لها بالنار، عمان دولة عاقلة ومحترمة بنت مكانتها الدولية بالحكمة والاتزان لا بالصواريخ ولا بالمغامرات، هي من الدول القليلة في المنطقة التي اختارت دائما طريق التهدئة والحوار ورفضت الانجرار إلى هستيريا المحاور والصراعات، حتى خصومها يعترفون بأنها دولة تحفظ التوازن وتعرف كيف تبقي خطوط التواصل مفتوحة بين الجميع.
ومن يعرف عمان من الداخل يدرك أن هذا البلد لم يكن أبدا مصنعا للكراهية بل مساحة نادرة للتسامح والاستقرار، عشت هناك سنوات ورأيت كيف يعيش الناس ببساطة ومحبة بعيدا عن أمراض الاستعراض السياسي، لم أر شعبا مأخوذا بالعداء لأحد بل شعبا منشغلا بالعمل والحياة والستر والطمأنينة، ولذلك يبدو التهديد الأمريكي ضدها عملا خسيسا وعدوانا على نموذج محترم في هذه المنطقة المضطربة.
الأخطر أن ترامب يتحدث بعقلية رجل يتصور أن العالم كله يمكن إخضاعه بالتهديد والإهانة، لغة تكشف اضطرابا سياسيا ونفسيا خطيرا، فحين يصل الأمر إلى التلويح بنسف دولة مستقرة وصديقة للولايات المتحدة نفسها فهذا يعني أننا أمام عقل لا يرى في العلاقات الدولية سوى استعراض القوة والغطرسة.
ومن هنا يصبح الصمت العربي مخجلا، أقل ما يجب أن يحدث هو إعلان تضامن عربي واضح مع سلطنة عمان ورفض هذه اللغة العدوانية، نعم الجامعة العربية صارت في نظر كثيرين مؤسسة عاجزة لا تملك إلا البيانات الباردة لكن حتى هذه البيانات أصبحت الآن ضرورة أخلاقية وسياسية، لأن السكوت على التهديد يعني القبول الضمني بمنطق البلطجة الدولية.
إن الدفاع عن عمان اليوم ليس دفاعا عن حدود جغرافية فقط بل دفاع عن فكرة الدولة الهادئة المحترمة التي تريد أن تعيش بسلام دون أن تتحول إلى تابع أو أداة في مشاريع الآخرين، والدفاع عنها أيضا دفاع عن حق الشعوب العربية في أن تعيش بعيدا عن جنون القوة الأمريكية التي تتعامل مع المنطقة أحيانا كأنها ساحة مباحة للابتزاز.
وأنا هنا لا أكتب كمحلل سياسي، بل كإنسان عاش في عمان وأكل من خيرها وعرف شهامة ناسها وهدوء شوارعها وكرم أهلها، لذلك لا أستطيع أن أتعامل مع التهديد الأمريكي كخبر عابر، هناك امتنان شخصي يجعلني أقول بوضوح إن عمان لا تستحق إلا الاحترام وإن أي تهديد لها هو عدوان على كل قيمة نبيلة مثلتها هذه الدولة الهادئة طوال عقود.
ستبقى عمان أكبر من تهديدات السياسيين المختلين لأنها دولة تعرف كيف تحمي نفسها بالاحترام الذي صنعته عبر السنين أما الذين يتحدثون بلغة النسف والتدمير فهم العابرون الحقيقيون في التاريخ مهما امتلكوا من قوة وضجيج.

















0 تعليق