تتسارع الخطى داخل أروقة وزارة الدفاع الأمريكية لإيجاد منظومات متطورة قادرة على حسم المعارك الحديثة وتوفير الحماية الكاملة للقوات البرية، حيث تسعى الولايات المتحدة حاليا إلى تطوير وسائل أكثر فاعلية وأقل تكلفة للتصدي لخطر الطائرات المسيرات التي باتت تمثل أحد أبرز تحديات الحروب الحديثة في ظل تزايد الاعتماد الدولي على هذه الطائرات منخفضة الكلفة في مختلف ساحات القتال العالمية لا سيما بعد أن أثبتت كفاءة تكتيكية هائلة ومخيفة للأنظمة الدفاعية التقليدية.
الجيش الأمريكي يستعرض منظومة ماديس المتطورة لمواجهة التهديدات الجوية
وحسب تقرير لصحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية فإن قوات مشاة البحرية الأمريكية المارينز عرضت خلال مناورات عسكرية موسعة أُجريت في الفلبين قدرات نظام دفاع جوي متنقل صُمم خصيصًا لمواجهة التهديدات الجوية قصيرة المدى بما في ذلك الطائرات المسيرات الانتحارية وطائرات الاستطلاع، ويأتي هذا التوجه العسكري الاستراتيجي في وقت تواجه فيه الجيوش الغربية معضلة متزايدة واستنزافا مستمرا لترسانتها العسكرية المتقدمة نتيجة استخدام صواريخ باهظة الثمن لإسقاط طائرات بدون طيار زهيدة الثمن ومتاحة بسهولة.
وتعتمد التكنولوجيا الحديثة التي تطورها قوات المارينز الأمريكية على منظومة دفاعية متكاملة تُعرف باسم نظام الدفاع الجوي المتكامل لمشاة البحرية وتتكون من مركبتين تكتيكيتين خفيفتين جرى تزويدهما بمجموعة متنوعة ومتكاملة من الوسائل الدفاعية المتطورة، وتحمل إحدى هاتين المركبتين رادارًا متطورًا للغاية ومخصصًا لرصد الأهداف الجوية وتتبعها بدقة متناهية بينما تضم المركبة الأخرى صواريخ ستينجر المضادة للطائرات بالإضافة إلى تزويد المنظومة بالكامل بقدرات فائقة في مجال الحرب الإلكترونية المعقدة.
وتشمل قدرات الحرب الإلكترونية في المنظومة الجديدة عمليات التشويش المكثف على إشارات التحكم والاتصال الخاصة بالطائرات المسيرات وتعطيلها تماما وإخراجها عن مسارها العملياتي قبل وصولها إلى أهدافها، ولا تقتصر المنظومة الدفاعية على إطلاق الصواريخ الاعتراضية فقط بل جرى تزويد المركبتين بمدافع آلية سريعة الطلقات ورشاشات ثقيلة تسمح بالتعامل المباشر السريع مع الأهداف الجوية المقتربة باستخدام الذخائر التقليدية أو الاعتماد على الذخائر الذكية منخفضة التكلفة التي توفر بدائل مالية ممتازة.
الذخائر الذكية تنهي عصر الصواريخ الباهظة في الحروب الحديثة
وتتمثل إحدى أبرز الميزات التقنية والاقتصادية لهذا النظام الدفاعي الجديد في استخدام قذائف متطورة من عيار ثلاثين ملم مزودة بصمام تقاربي ذكي يسمح بانفجار القذيفة تلقائيا عند الاقتراب من الهدف الجوي دون الحاجة إلى تحقيق إصابة مباشرة بالهيكل، ويؤكد الخبراء العسكريون أن هذه التقنية المبتكرة كفيلة بتغيير قواعد الاشتباك التقليدية مع الطائرات المسيرات في المستقبل القريب حيث يمكن إسقاط أي هدف جوي معاد باستخدام عدة قذائف مدفعية تبلغ تكلفتها الإجمالية نحو أحد عشر ألف دولار فقط.
وتظهر الأهمية الاستراتيجية لهذه المنظومة عند مقارنة تكلفتها الزهيدة بكلفة الصواريخ الاعتراضية التقليدية ومحاولات التصدي لخطر المسيرات المستمر حيث تصل تكلفة صاروخ ستينجر الواحد إلى نحو أربعمائة وثلاثين ألف دولار، بينما تتراوح تكلفة منظومة الاعتراض الحديثة المعروفة باسم كويوت بين مائة ألف ومائة وخمسة وعشرين ألف دولار للطلقة الواحدة وفق تقديرات عسكرية متخصصة وهو ما يفرض ضغوطًا مالية ولوجستية هائلة وطويلة الأمد على ميزانيات الدفاع ومنظومات الحمية الجوية.
وتكتسب هذه المقاربة الاقتصادية الجديدة أهمية خاصة ومتزايدة مع الانتشار الواسع والسريع للطائرات المسيرات منخفضة التكلفة وسهلة التصنيع في مختلف بؤر الصراع المشتعلة حول العالم، وتُقدر كلفة الطائرات الانتحارية الإيرانية من طراز شاهد والتي استُخدمت بكثافة في نزاعات الشرق الأوسط وحرب أوكرانيا بنحو ثلاثين ألف دولار فقط للواحدة مما يجعلها سلاحا استنزافيا خطيرا يستهدف القدرات المالية للجيوش النظامية الكبرى التي تواجه هذه الأسراب بكلفة باهظة ومستمرة.
تحديات إنتاج الذخائر وتأمين البيئات الجزرية في المحيط الهادئ
وفي سياق متصل تتراوح أسعار الطائرات التجارية الصغيرة متعددة المراوح والتي يمكن تعديلها عسكريا بسهولة بين ألف وخمسمائة وخمسة آلاف دولار فقط مما يمنح الجماعات المسلحة تفوقا تكتيكيا، وأدى هذا التفاوت الكبير والواضح بين تكلفة الهجوم الجوي الرخيص وتكلفة الدفاع الصاروخي الباهظ إلى دفع الجيوش العالمية للبحث الجاد عن بدائل أكثر اقتصادية خصوصًا في النزاعات المعقدة التي تشهد إطلاق أعداد كبيرة ومتزامنة من الطائرات المسيرات بشكل متتابع لإرباك الدفاعات.
ويشير المراقبون إلى أن المدافع الأرضية المزودة بالذخائر الذكية يمكن أن توفر طبقة دفاعية أولى وفعالة للغاية ضد هذه التهديدات الجوية المستمرة مع الاحتفاظ بالصواريخ الثقيلة للاستخدام ضد الأهداف الأكثر خطورة، ويكتسب نظام ماديس الدفاعي أهمية إضافية ضِمن استعدادات الولايات المتحدة الأمريكية المستمرة لأي مواجهة عسكرية محتملة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ حيث تتوقع القيادات العسكرية أن تلعب الطائرات المسيرات دورًا محوريًا وحاسمًا في الصراعات المستقبلية.
وتتوقع القوات الأمريكية أن تتركز معارك الطائرات المسيرات في البيئات الجزرية الممتدة والظروف الجغرافية المعقدة المحيطة بتايوان وبحر الصين الجنوبي مما يتطلب مرونة حركة عالية للمنظومات الدفاعية، وخلال المناورات العسكرية الأخيرة التي جرت في الفلبين استخدمت قوات المارينز عشرات الطلقات التدريبية الحية للتعامل مع أنواع ومستويات مختلفة من الأهداف الجوية قبل أن تختتم التجربة الميدانية بنجاح كبير عبر إطلاق صاروخ ستينجر دمر هدفه تماما من المحاولة الأولى.
سباق التسلح العالمي يفرض تسريع صناعة الأنظمة الدفاعية المتكاملة
ورغم النجاح الميداني الكبير الذي أظهرته المنظومة الدفاعية المتكاملة في مراحل الاختبار يؤكد المختصون أن التحدي المقبل للجيش الأمريكي لا يقتصر على تطوير وسائل الاعتراض التكنولوجية فحسب، بل يشمل التحدي الحقيقي ضرورة زيادة معدلات إنتاج الذخائر الذكية والصمامات التقاربية لتلبية الطلب المتنامي في المستودعات العسكرية مع استمرار سباق التسلح العالمي في مجال الطائرات المسيرات وأنظمة مكافحتها وتطوير تقنيات التشويش والدفاع الجوي منخفض الكلفة لحماية القوات.
وتتكامل هذه الجهود الأمريكية مع مساعي حلفاء واشنطن لتأمين الممرات البحرية الحيوية والمجالات الجوية للدول الحليفة ضد الهجمات المفاجئة التي تنفذها أسراب الطائرات المسيرات الانتحارية والتجسسية، وتكشف التقارير الاستخباراتية أن الاعتماد على الحلول الاقتصادية ومركبات الدعم التكتيكي الخفيفة سيمثل الركيزة الأساسية في استراتيجيات بناء الجيوش الحديثة خلال العقد الحالي لضمان الاستدامة الميدانية وتفادي الاستنزاف المالي القاتل الذي تفرضه حروب الوكالة والتقنيات العسكرية الرخيصة المنتشرة عالميا.
وينظر قادة البنتاجون إلى هذا التحول التكنولوجي والاقتصادي كخطوة ضرورية لا بديل عنها للحفاظ على التفوق العسكري الأمريكي في مواجهة القوى الإقليمية الصاعدة التي تعتمد على استراتيجيات إغراق الأجواء بالأسلحة الرخيصة، وسيتطلب النجاح الكامل لهذه المنظومات تحديثا مستمرا للبرمجيات المخصصة لرصد وتتبع الأهداف الجوية الصغيرة وصعبة الالتقاط بواسطة الرادارات التقليدية مما يجعل تطوير الذكاء الاصطناعي في أنظمة الرصد والمتابعة أمرا حتميا لمواجهة تحديات المستقبل وضمان التفوق البري والجوي الكامل.
















0 تعليق