في وقت يفترض أن تمتلئ فيه الشوارع السورية بأجواء البهجة استعدادًا لاستقبال عيد الأضحى، يبدو الواقع الاقتصادي أكثر قسوة من أي وقت مضى، بعدما تحولت المناسبة لدى قطاعات واسعة من السوريين إلى موسم إضافي للقلق والحسابات الثقيلة، وسط ارتفاع غير مسبوق في الأسعار وتدهور القدرة الشرائية وانهيار مستويات الدخل.
وتشير تقديرات وتقارير أممية ودولية إلى أن نحو 90% من السوريين يعيشون اليوم تحت خط الفقر، بينما يعاني ملايين المواطنين من انعدام الأمن الغذائي، في وقت تواصل فيه الليرة السورية فقدان قيمتها، وتتسع الفجوة بين الرواتب وتكاليف المعيشة بصورة غير مسبوقة. كما باتت الأضاحي وشراء الملابس الجديدة وحتى تأمين مستلزمات الضيافة البسيطة، أحلامًا بعيدة المنال بالنسبة لكثير من العائلات.
وترصد «الدستور» كيف يمر عيد الأضحى في عدد من المدن السورية، بينها حلب واللاذقية وحمص، حيث يروي مواطنون تفاصيل يومية صعبة تعكس عمق الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي تضرب البلاد.
وتختلط معاناة الغلاء بضعف الرواتب وتدهور الخدمات وأزمات الكهرباء المستمرة، بينما يؤكد كثيرون أن فرحة العيد باتت شبه غائبة تحت وطأة السعي اليومي لتأمين لقمة العيش والحد الأدنى من متطلبات الحياة.
واقع مرير يعيشه السوريون
وفي غمرة الاستعدادات لاستقبال عيد الأضحى في مدينة حلب، يبدو المشهد الخارجي مبهجًا ومليئًا بالحركة، لكن الكواليس تخفي خلفها واقعًا معيشيًا مريرأً يرويه أحمد خالد (30 عامًا)، الذي يعمل في إحدى مطابع المدينة.
يرى أحمد خلال حديثه مع الدستور، أن الأجواء العامة للعيد تبدو جميلة في ظاهرها، لكنها تصطدم بجدار الواقع الاقتصادي القاسي بمجرد النزول إلى الأسواق؛ حيث تصدم الأسعار "النارية" والجنونية الفائضة عن الحد أي مواطن يحاول شراء ملابس جديدة لأطفاله أو حتى تأمين ضيافة العيد البسيطة، ليجد المواطن نفسه عاجزًا أمام الغلاء، فالمردود المالي الذي يتقاضاه العمال بالكاد يسد رمق المعيشة اليومية، مما يطرح سؤالًا حائرًا: من أي باب يمكن تأمين مصاريف إضافية لإسعاد الأطفال وجعلهم يختبرون بهجة العيد وألعابه؟ فالواقع باختصار شديد كما يصفه أحمد هو أن "الجيوب فارغة تمامًا"، فلا طبيعة العمل الحالية قادرة على ستر المعيشة، ولا الدخل يفي بالحد الأدنى من المتطلبات.
ويغوص الشاب الثلاثيني في تفاصيل التركيبة الطبقية التي أفرزتها الأزمة في سوريا، مشيرًا إلى أن الطبقة الفقيرة باتت تعيش واقعًا يختصره المثل الشعبي "كل مين همه بقلبه"؛ فهناك من يقضي يومه باحثًا عن مأوى أو بيت يأويه ويستر فيه وعائلته دون جدوى، وهناك من يستنزف طاقته في التفكير بكيفية تأمين لقمة العيش وإطعام أطفاله، بينما تبحث فئة أخرى عن أي زيادة طفيفة قد تطرأ على الرواتب لتحسين المستوى المعيشي المتدني.
وبحسب تقديره ومعايشته للواقع، يوضح أحمد أن نسبة من يمتلكون القدرة على الشعور الحقيقي بأجواء العيد وتأمين متطلباته لا تتجاوز 30% فقط على مستوى البلد كله، في حين أن الـ 70% المتبقية تمثل الطبقة الفقيرة التي بات كل همها محصورًا في تأمين الأكل والشرب للبقاء على قيد الحياة.
أزمة الخدمات الخانقة في سوريا
ويتحول يوم الخميس من كل أسبوع بالنسبة لأحمد وعائلته -وهو يوم استلام الرواتب- من مناسبة للراحة إلى رحلة حسابات معقدة ومقلقة فور عودته إلى المنزل؛ حيث يجلس وعائلته لتقسيم هذا الدخل الشحيح محاولين التكهن بكيفية جعله يكفي لبقية الأسبوع، والبحث في كيفية سداد فاتورة "الأمبيرات".
ويسلط أحمد الضوء على أزمة الخدمات الخانقة في سوريا، وتحديدًا في حلب، ويؤكد في حديثه للدستور، حيث تعاني مناطق واسعة من انقطاع التيار الكهربائي التام والاعتماد الكلي على المولدات الكهربائية الخاصة (الأمبيرات) وما يرافقها من إشكالات وأعباء مادية ثقيلة، لدرجة أن التزامات الحياة وفاتورة الطاقة تلتهم وحدهما ما يقارب ثلاثة أرباع الراتب، ليتبقى ربع الدخل أو ثلثه فقط ليعيشوا به ويؤمنوا منه قوتهم اليومي.
وأمام هذا الواقع المالي المعقد، يتساءل أحمد بحسرة: "عن أي عيد نتحدث ونحن نعيش هذه الظروف؟"، ليختتم كلامه بنبرة رضا ممزوجة بالألم مؤكدًا أن الفضل والنعم لله وحده، لكن "الشكوى لغير الله مذلة".
مستقبل ضبابي
لا تقتصر قسوة الظروف المعيشية في حلب على العجز عن تأمين لقمة العيش فحسب، بل إنها تمتد لتلتهم أحلام الشباب وتطلعاتهم المستقبلية، وهو ما يعبر عنه محمود (25 عامًا)، شاب يعمل في أحد محلات حلب، واصفًا أوضاع البلاد بأنها بلغت حدًّا كبيرًا من السوء والتعاسة، يتحدث محمود بحسرة عن واقع جيله، مشيرًا إلى أن الشاب اليوم وما إن يبلغ العشرين من عمره، حتى يجد نفسه غريبًا عن مفاهيم السعادة والهناء والراحة؛ إذ ينحصر كل همه مع بداية شبابه في رحلة كفاح وعمل شاق ومستمر، يبذل فيه قصارى جهده وطاقته، ليرى في النهاية أن المردود المالي الذي يحصله بالكاد يغطي إيجار سكنه أو مصروفه الشخصي ومعيشته طوال الأسبوع.
ويضيف محمود أن الشاب يجد نفسه ممزقًا بين رغبته في مساعدة عائلته وأهله، وبين محاولاته تأمين مستقبله الخاص، مؤكدًا أن فكرة بناء عائلة وتأسيس أسرة باتت ضربًا من المستحيل في ظل هذه الأوضاع المعيشية الصعبة.
ويعترف الشاب العشريني بمرارة أنه يرفض تمامًا مجرد التفكير في الخطوبة أو الزواج في الوقت الحالي، متسائلًا بإنكار: "في ظل غياب السكن المؤمن والشغل المستقر، ودخل يكاد يكفيني كفرد بمفردي، كيف لي أن أتحمل مسؤولية عيش فتاة أخرى معي؟"، لافتًا إلى أن أجر العمل الأسبوعي يضيع بالكامل بين تكاليف الطعام والشراب ومواصلات الذهاب والإياب من الشغل، في حلقة مفرغة يأمل أن تنتهي بفرَج قريب من الله.
عيد بلا فرحة في سوريا
أما عن طقوس العيد وأجوائه، فيؤكد محمود باقتضاب أنه لا وجود للعيد ولا للفرحة في قاموسهم اليوم، بل إن المناسبة تحولت في نظره إلى مجرد "حجة" أو ذريعة اجتماعية لشراء قطعة ملابس أو قطعتين، لارتدائها أمام الناس كنوع من التظاهر والمجاراة لئلا يشعروا بالدونية، وإيهام المحيطين بأنهم يرتدون ملابس جديدة في العيد.
ويرسم محمود صورة قاتمة للشوارع والناس خلال فترة العيد، واصفًا النفوس بأنها متعبة والطباع حادة، حيث غابت الراحة النفسية عن الجميع، مما يجعل المبادرة بمعايدة الآخرين وقول "كل عام وأنت بخير" عبارة مغتربة وجافة، متسائلًا عن جدواها لإنسان عاجز عن تأمين مأكله ومشربه كما يجب.
ويستطرد محمود موضحًا أن تلك المظاهر من ملابس وخروج ليست إلا قناعًا زائفًا يخفي وراءه همومًا تثقل كاهل الشباب، لدرجة أنهم باتوا لا يتمنون سوى مرور أيام العيد وانقضائها سريعًا، ليعودوا إلى أعمالهم اليومية التي تمكنهم من الاستمرار في البقاء ومجاراة الحياة، مختتمًا حديثه بنبرة حائرة وعجز يختصره بقوله: "إن أردنا الكلام.. فما عدنا نعرف ماذا نقول".
لا تختلف قتامة المشهد في العاصمة والمدن الداخلية عنها في المدن الساحلية، حيث تنقل سلمى (35 عامًا) من مدينة اللاذقية صورة مأساوية للواقع الحالي، مؤكدة بمرارة أن البلاد تمر اليوم بأسوأ ظروفها على الإطلاق، وتعيش الفترة الأكثر صعوبة وقسوة منذ اندلاع الحرب وحتى اليوم.
وتصف سلمى الغلاء بأنه بات "فاحشًا" وفوق طاقة الاحتمال، لدرجة دفعت المواطنين العاجزين عن مجاراة الأسعار إلى العزوف حتى عن البضائع الجديدة، والتوجه نحو أسواق الملابس المستعملة (البالة)، بل وانتظار تصفيات "البالة" النهائية للحصول على أقل الأسعار الممكنة.
الأضحية باتت بعيدة المنال
أما عن شعيرة الأضاحي، فتقول إنها باتت في عالم آخر بعيد المنال؛ وتسوق مثالًا من عائلتها مؤكدة أن والدتها "الحاجة" التي يفرض عليها واجبها الديني التضحية، لم تتمكن عائلتها من تأمين الأضحية لها هذا العام نظرًا للتكلفة الباهظة، متسائلة بأسى: "إذا كنا نحن لم نقدِر، فما هو حال العائلات الأكثر فقرًا؟".
وتكشف الشابة الثلاثينية عن مظاهر صادمة من التقهقر المعيشي وسوء التغذية الذي أصاب المجتمع، لافتة إلى ما يحدث في أسواق دمشق الشهيرة كـ "باب سريجة" كمثال على عمق الأزمة، حيث يُعرض القفص الصدري للدجاج (العظام المجردة من اللحم) للبيع، لتشتريه العائلات الفقيرة وتقوم بسلقه للاستفادة من مرقته (الزوم) في طهي الطعام وإضفاء نكهة غابت عن موائدهم.
وتضيف سلمى بُعدًا آخر للأزمة يتعلق بقطع الأرزاق، كاشفة أنها تعيش هذا العيد للمرة الثانية على التوالي دون تقاضي أي مستحقات مالية، إثر انقطاع رواتبهم تمامًا وعدم قبضهم "ولا ليرة واحدة" منذ بداية العام الحالي.
وتختتم سلمى شهادتها بالحديث عن الجانب الأمني الذي يضاعف مخاوف المواطنين فوق همومهم المعيشية، داعية إلى "نسيان موضوع الأمان تمامًا" في ظل ما تصفه بـ "الفلتان الأمني الرهيب" الذي بات يخيّم على تفاصيل حياتهم اليومية.
فيما قال سالم، وهو محامي من مدينة حمص، إن عيد الأضحى الثاني الذي يمر على السوريين بعد ما وصفه بـ«سقوط الدولة» يأتي في ظل أوضاع معيشية وأمنية صعبة، مؤكدًا أن الواقع الحالي «لا يختلف كثيرًا عن السنوات الماضية».
وأضاف أن الشارع السوري يعيش حالة انقسام واضحة بين مؤيدين للسلطة الحالية، رغم ما وصفه بعيوبها وخلفياتها الطائفية، وبين فئات واسعة تعاني من الفقر والتجويع وسياسات التهميش والإقصاء، على حد تعبيره.
أوضاع معيشية صعبة وارتفاع معدلات الفقر
وأشار إلى أن عيد الأضحى هذا العام يأتي مع ارتفاع أكبر في نسب الفقر وغلاء أسعار المواد التموينية والأساسية، موضحًا أن كثيرًا من العائلات أصبحت عاجزة حتى عن شراء مستلزمات العيد البسيطة.
وأكد أن فئات واسعة من السوريين تعيش أوضاعًا اقتصادية قاسية، في ظل عجز الكثيرين عن تأمين احتياجاتهم اليومية، قائلًا إن المواطنين باتوا «حبيسي المنازل» بعيدًا عن أي مظاهر للفرح بسبب صعوبة الظروف المعيشية والانقسامات المجتمعية.
وتحدث سالم، عن استمرار حالة الانفلات الأمني، معتبرًا أن غياب القانون والأمان ما يزال يسيطر على الشارع السوري، إلى جانب ما وصفه بحكم «سلطة الأمر الواقع» وتأثيرها على مختلف تفاصيل حياة المواطنين.
«العيد يمر بلا فرحة»
واختتم حديثه بالقول إن عيد الأضحى يمر هذا العام «ثقيلًا وشاحبًا» على السوريين، في ظل العجز عن تأمين لقمة العيش، مضيفًا أن الأطفال فقدوا مظاهر البهجة التي كانت ترتبط بالعيد في السابق، نتيجة الضغوط الاقتصادية والمعيشية المتفاقمة.
وفي هذا الصدد يرى الباحث والمحلل سياسي والسوري أحمد السلطان أن: "المشهد المعيشي الخانق الذي يخيم على الشارع السوري في هذا العيد ليس نتاج صدفة، بل هو الإفراز الطبيعي لانسداد الأفق السياسي وتحول البلاد إلى 'اقتصاد حرب' مقونن، الدولة تخلت تدريجيًا عن أدوارها الرعائية والخدمية الأساسية، تاركة المواطن في مواجهة مباشرة مع شبكات مصالح مستفيدة من الأزمة، وهو ما يفسر تحول قطاعات حيوية كالطاقة إلى سوق سوداء تديرها 'مافيات الأمبيرات' التي تنهش دخول المواطنين الشحيحة أصلًا".
ويتابع السلطان للدستور، قائلًا: "إن المفارقة الصارخة بين سحق الطبقة الوسطى والفقيرة - التي باتت تبحث عن عظام الدجاج وتصفيات البالة - وبين الازدهار المفاجئ للمولات والمشاريع الفاخرة، تعكس بوضوح صعود طبقة جديدة من 'أمراء الحرب' والمستثمرين الجدد الذين تراكمت ثرواتهم عبر قنوات غير شرعية واقتصاد الظل.
أضاف:" هذا التشوه البنيوي خلق فجوة اجتماعية حادة أدت إلى غياب الاستقرار النفسي والمجتمعي، وباتت تهدد بتآكل ما تبقى من السلم الأهلي نتيجة الفلتان الأمني المرافق لتفكك مؤسسات الضبط. العيد في سوريا اليوم لم يعد مناسبة دينية أو اجتماعية، بل أصبح مرآة سنوية تكشف عمق التمزق الاقتصادي الذي جعل 90% من السوريين يرزحون تحت خط الفقر، ويحول أحلام جيل الشباب من البناء والاستقرار إلى مجرد كفاح يومي للبقاء على قيد الحياة".


















0 تعليق