في مطلع العام الحالي، كان الاقتصاد الأمريكي يشهد حالة من استقرار معدلات النمو واعتدال التضخم. واستمرت ضغوط الأسعار في التراجع من الذروة التي بلغتها بعد جائحة كوفيد-19، حيث انخفض تضخم أسعار المستهلك من حوالي 9% في منتصف عام 2022، ليقترب تدريجياً من نسبة 2% المستهدفة من قِبل بنك الاحتياطي الفيدرالي. إلا أن هذا المسار تعرض لتغير مفاجئ نتيجة لتصعيد الصراع الإسرائيلي الأمريكي مع إيران في أواخر فبراير.
عقب الحملة العسكرية الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، التي انطلقت في 28 فبراير، ردت طهران بإغلاق مضيق هرمز، وهو الممر المائي الذي يمر عبره عادةً ما يقارب 20% من إمداد النفط والغاز الطبيعي المسال العالمي. وقد أدى الارتفاع في أسعار الطاقة الناتج عن ذلك إلى انعكاس جزئي في عملية تراجع التضخم، حيث ارتفع التضخم إلى ما يقارب 4%، أي ما يناهز ضِعف النسبة المستهدفة في السياسة النقدية والتي تبلغ 2%، مما استدعى إعادة تقييم التوقعات. علاوة على ذلك، ارتفع إجماع التوقعات بشأن التضخم لهذا العام بشكل ملحوظ من 2.6% في فبراير، قبل النزاع، إلى 3.3% في التقديرات الأخيرة، مما يشير إلى مرحلة جديدة من ضغوط الأسعار.

وفي حين كانت التوقعات السابقة تشير إلى تيسير تدريجي للسياسة النقدية من جانب بنك الاحتياطي الفيدرالي هذا العام، إلا أن الغموض بات يكتنف المشهد حالياً، حيث بدأ صانعو السياسات يعيدون تقييم مدى استمرارية وعمق الموجة الجديدة من ضغوط الأسعار. وبالإضافة إلى ذلك، فإن التغيير في قيادة بنك الاحتياطي الفيدرالي، مع تولي كيفن وارش رئاسة البنك، يُعقِد المشهد أكثر. وكان وارش قد أكد سابقاً أن العوامل الهيكلية، بما في ذلك الزيادة في الإنتاجية المدفوعة بالذكاء الاصطناعي، يمكنها أن تُخفض تكاليف الإنتاج والأسعار التي يدفعها المستهلكون، مما يشير إلى إمكانية خفض أسعار الفائدة. لكن الوضع الحالي يفرض احتمالات أكثر صعوبة.
ويناقش قسم الاقتصاد ببنك قطر الوطني العوامل الرئيسية التي تدفع التضخم إلى الارتفاع في الولايات المتحدة والمخاطر المترتبة على السياسة النقدية. وأوضح أن أول هذه العوامل هو الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة بعد تصعيد الصراع. والذي كان المحرك الرئيسي للزيادة الأخيرة في التضخم
فقد ارتفعت أسعار خام برنت بأكثر من 25% في الأسابيع التي تلت اندلاع الأعمال العدائية، متجاوزة 120 دولار أمريكي للبرميل في ذروتها، قبل أن تنخفض إلى مستويات لا تزال مرتفعة، بينما ارتفعت أسعار البنزين إلى أكثر من 4 دولار أمريكي للغالون من حوالي 3 دولار للغالون قبل النزاع. وقد أدى ارتفاع أسعار النفط والغاز إلى ارتفاع سريع في تكاليف البنزين والكهرباء والنقل، مما أدى إلى ضغوط تصاعدية على التضخم العام. وارتفعت تكلفة الطاقة ضمن سلة أسعار المستهلك بنسبة 17.9% على أساس سنوي في أبريل. إلى جانب هذا التأثير المباشر، ينتشر أثر الصدمة عبر تأثيرات ثانوية، حيث تؤدي زيادة تكاليف الطاقة إلى ارتفاع نفقات الإنتاج والخدمات اللوجستية والتوزيع، مما يرفع الأسعار عبر نطاق أوسع من السلع والخدمات. ويزيد انتقال ضغوط التكاليف من مخاطر استمرار ارتفاع التضخم، مما يشكل تحدياً للسياسة النقدية.

وثاني العوامل كما يشير قسم الاقتصاد في QNBأن السياسة التجارية برزت كمصدر مهم للضغوط التضخمية. فقد أدت الرسوم الجمركية المرتفعة التي فرضتها الولايات المتحدة منذ عام 2025 إلى زيادة تكلفة السلع المستوردة، مما عكس جزئياً اتجاه انخفاض التضخم الذي لوحظ خلال العام الماضي. وارتفع متوسط معدلات الرسوم الجمركية الفعلية من 2.3% في عام 2024 إلى المستوى الحالي البالغ 9.4%، حيث تمثل الواردات ما يقرب من 15% من الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة. وتشير تقديرات بنك الاحتياطي الفيدرالي في دالاس إلى أن الرسوم الجمركية أضافت ما يقرب من نقطة مئوية واحدة إلى التضخم، مما يعكس كلاً من التأثيرات السعرية المباشرة والآثار غير المباشرة عبر سلاسل التوريد المحلية. وهذا يشير إلى أن السياسة التجارية تعمل الآن كمصدر مهم للضغوط التضخمية.
وثالث العوامل لا يزال الطلب المحلي قوياً، مما يعزز ضغوط الأسعار الأساسية. يستمر الاستهلاك الخاص في النمو بوتيرة ثابتة، مدعوماً بنمو الدخل الحقيقي وارتفاع ثروة الأسر. ولا يزال صافي ثروة الأسر الأمريكية قريباً من مستوياته القياسية، عند حوالي 180 تريليون دولار أمريكي، مدعوماً بأداء قوي لسوق الأسهم واستقرار أسعار المساكن. وعلى الرغم من أن سوق العمل يشهد تباطؤاً تدريجياً، إلا أنه لا يزال ضيقاً مقارنة بالمعايير التاريخية، حيث لا يزال معدل البطالة قريباً من 4.5%. إضافة إلى ذلك، لا تزال السياسة المالية داعمة بشكل عام، مع استمرار العجز الكبير والإنفاق العام الذي يدعم الطلب. وتساهم هذه العوامل مجتمعة في زيادة ضغوط التضخم، لا سيما في قطاع الخدمات، حيث يميل التضخم إلى أن يكون أكثر استدامة في هذا القطاع.
بشكل عام، يري QNB أن التحديات التي تواجه آفاق التضخم في الولايات المتحدة تتزايد نتيجة للزيادة الأخيرة في أسعار الطاقة، والضغوط الجمركية المستمرة، وقوة الطلب المحلي. وتشير هذه العوامل مجتمعة إلى أن التضخم من المرجح أن يبقى أعلى من المستوى المستهدف لفترة أطول، مما يعرقل مسار بنك الاحتياطي الفيدرالي نحو تطبيع السياسة النقدية. ونتيجة لذلك، تم تعديل توقعات السوق، حيث يتوقع المستثمرون الآن بقاء أسعار الفائدة دون تغيير هذا العام عند حوالي 3.75%، على عكس التوقعات السائدة قبل النزاع والتي كانت تشير إلى تخفيضين بمقدار 25 نقطة أساس

















0 تعليق