أحيانًا تشعر أن الحياة كانت ستصبح أسهل بكثير لو توقفت عن الجري وراء الأشياء الثقيلة؛ وراء العلاقات المرهقة، والقرارات المعقدة، والتفاصيل التي تستهلكك، والأشخاص الذين يجعلون كل خطوة في يومك معركة صغيرة. لكننا، بشكل غريب، ننجذب للتعقيد كأنه دليل على الأهمية. وكأن البساطة نقص لا نعمة، يا صديقي. الحقيقة أن البساطة ليست هروبًا، بل عمق من نوع مختلف. لأنك لا تحتاج ضجيجًا لتشعر أنك حي، ولا تحتاج صعوبة لتثبت أنك قوي. البساطة هي أن تعرف ماذا تريد، وماذا لا تريد، وأن تختار ما يريحك لا ما يرضي العالم.
هي أن تتخلى عن الزوائد، وتترك مساحة لشيء يشبهك، لا شيء يستهلكك. ولأن البساطة مرآة، فهي تكشف لك ما تتهرب منه. حين تخفف ضوضاء حياتك، تبدأ تسمع نفسك بوضوح، وهذا مخيف. كثير من الناس يتركون حياتهم مزدحمة حتى لا يتورطوا في مواجهة دواخلهم. الزحام يخدر، لكن الصمت يفضح. لذلك نتمسك بالتعقيد، ليس لأنه حقيقي، بل لأنه يخفي أشياء أعمق، يا عزيزي.
البساطة ليست أن تعيش قليلًا، بل أن تعيش ما يليق بك. أن تكف عن ملاحقة كل شيء، وأن تحتفظ فقط بما يمنحك معنى. أن تفهم أن العلاقات الواضحة أطول عمرًا من العلاقات المليئة بالظنون، وأن القرارات البسيطة أكثر صدقًا من الخطط المفخمة، وأن الأشياء التي تريح روحك أهم مئة مرة من الأشياء التي تعجب الآخرين، صديقي القارئ.
ولعل أجمل ما في البساطة أنها تعيدك لنفسك. حين تترك التعقيد خلفك، تكتشف أنك لم تكن تحتاج كل ذلك. تكتشف أن الراحة كانت دائمًا بالقرب، لكنك كنت مشغولًا جدًا عن ملاحظتها. تبدأ ترى جمال التفاصيل الصغيرة: ضحكة، مشوار قصير، كوباية قهوة، كلمة صادقة، وعلاقة واضحة لا تستهلكك. كل شيء يعود لقيمته الحقيقية حين تزاح عنه طبقات الفوضى.
والأجمل من ذلك، البساطة ليست طريقة حياة فقط، بل شجاعة. شجاعة أن تختار الهدوء في عالم يعبد الضوضاء، وأن تختار الوضوح في زمن يحب المراوغات، وأن تعرف أن قيمتك لا تزيد بالتعقيد، بل بالصدق. البساطة ليست نقصًا... بل رفاهية لا يفهمها الجميع. وحين يهدأ كل هذا الزحام، ستبدأ أشياء صغيرة في الظهور... أشياء مرّت بجوارك كثيرًا، وكانت تحمل المعنى كله. انتظر الكبسولة الفلسفية القادمة... فقد يكون سرّ الحياة مختبئًا في التفاصيل التي استعجلنا عبورها.
كاتب في السرديات الثقافية وقضايا الشرق الأوسط


















0 تعليق