مارس المصرى ومايو الصينى
ـ فى اللقاءات السياسية والدبلوماسية التى تجمع ممثلى الحضارات القديمة، تُقاس العلاقات بالروابط والمنعطفات التاريخية المشتركة التى صاغت وجدان شعوب تلك الحضارات.
ـ من هنا نبدأ حديثنا عن العلاقات التاريخية بين حزب الوفد المصرى والصين، نستدعى فيه فصلًا من أعمق فصول نضال الشرق ضد الهيمنة والإمبريالية فى النصف الأول من القرن العشرين.
ـ فى 9 مارس 1919، انتفضت مصر فى ثورة شعبية تنادى بالاستقلال التام وبحق تقرير المصير، بعد أن خيبت القوى الغربية آمال المصريين فى مؤتمر باريس للسلام وتراجعت عن وعودها.
وبعد أسابيع قليلة، والثورة المصرية لا تزال مشتعلة، اندلعت فى الصين "حركة 4 مايو 1919"، كثورة شعبية وفكرية، بمشهد بدا قريبًا من الثورة المصرية، حيث قادها الطلاب والعمال الصينيون، احتجاجًا على معاهدة "فرساى" التى آلت بموجبها الامتيازات الألمانية فى إقليم "شاندونغ الصينى" إلى اليابان بدلًا من إعادتها إلى السيادة الصينية.
هذا التزامن اللافت بين “مارس المصرى” و”مايو الصينى”، شكّل ما يمكن اعتباره البدايات المبكرة لموجة الوعى التحررى فى الشرق، والتى اتسع مداها لاحقًا ليشمل الهند، ضمن سياق أوسع من يقظة الشعوب الآسيوية ضد الاستعمار.
ـ وبعد أن حققت ثورة 19 المصرية أغلب اهدافها، وتولى سعد زغلول رئاسة "وزارة الشعب" فى يناير عام 1924 كأول حكومة مصرية برلمانية دستورية، وتبودلت برقيات التهنئة، ظهرت بعدها بوادر تواصل دبلوماسى وسياسى بين القاهرة والدوائر الوطنية الصينية.
ـ فالتوأمة بين الثورتين لم تكن مجرد مصادفة، بل كانت انعكاسًا لتطابق الفكر الاستراتيجى والقناعات الوطنية بين الزعيمين الكبيرين سعد زغلول و"صن يات سين" ـ الأب الروحى للأمة الصينية ومؤسس الحزب الوطنى الصينى "الكومينتانغ"، ورئيس الحكومة الوطنية فى "غوانغجو" جنوب الصين، قبل توحيد البلاد.
حيث آمن كلا الزعيمين بأن تحرير الشرق يمر عبر ثلاثة مسارات متوازية:
أولاً: صهر الأمة في بوتقة واحدة بكل أيديولوجياتها وطبقاتها لتمثّل مجموع الشعب، وهو ما جسّده "الوفد" المصرى و"الكومينتانغ" الصينى.
ثانياً: انتزاع السيادة الكاملة من براثن الامتيازات الأجنبية.
ثالثاً: الانحياز الاجتماعى لطبقات الفلاحين والعمال صانعى الثورات الحقيقيين.
فبدت المبادئ الثلاثة للشعب، كما صاغها "صن يات سين"، متفقة إلى حد بعيد مع كثير من أفكار سعد زغلول والخطاب الاجتماعى للوفد.
ـ أيضًا فى مطالعة سريعة لأرشيف الصحافة الوفدية، او الصحافة القريبة من الوفد، فى منتصف العشرينيات ـ كأعداد جريدة "البلاغ" صيف عام 1925 بعد استقالة وزارة الشعب ـ سنلاحظ كيف واكبت الجريدة بالتفصيل انتفاضة العمال والطلاب ضد المصانع الأجنبية فى شانغهاى، التى عُرِفَت تاريخيًا بـ "حركة 30 مايو 1925".
فأفردت "البلاغ" مقالات تحليليلة قارنت فيها بين مقاطعة المصريين للبضائع الإنجليزية خلال ثورة 1919، ومقاطعة الصينيين لها، فى سياق سياسى تضامنى عكس تعاطفًا واضحًا مع النضال الصينى لاستعادة الموانئ الصينية الخاضعة للسيطرة والامتيازات الأجنبية، او ما يعرف سياسيًا بـ "Treaty Ports" باعتبارها المعركة الشقيقة لمعركة مصر فى إلغاء صندوق الدين والامتيازات.
ـ لم تتوقف مساندة الوفد للصين عند حدود التضامن الدبلوماسى، بل تحولت خلال زعامة النحاس إلى خط تحريرى صارم قاده مفكرو الحزب وسياسيوه.
ففى أواخر عام 1931، تزامنًا مع الغزو اليابانى لإقليم منشوريا الصينى، خصصت جريدة "كوكب الشرق" ـ المحسوبة على الوفد ـ تغطيات ومقالات واسعة للدفاع عن وحدة الأراضى الصينية، ونشرت سلسلة مقالات تندد بعجز عصبة الأمم عن حماية الدول الناشئة، وكيف أنه هو العجز ذاته الذى كانت تواجهه القضية المصرية في المحافل الدولية، وأن الصمود الصينى "كان ملهمًا لحركات التحرر التى لا يجب أن تعتمد على الوعود الغربية بل على المقاومة الشعبية والتمسك بالحق التاريخى".
ـ ثم كانت القفزة الاستراتيجية الكبرى فى تاريخ الحزبين والدولتين، حين اتخذ النحاس باشا فى 14 سبتمبر 1942، قرار الاعتراف الكامل بجمهورية الصين وتبادل التمثيل الدبلوماسى معها برتبة "وزير مفوض"، تضامنًا مع الصين التى تخوض حرب استقلال شرسة، وأن مصر يجب أن تكون حاضرة فى صياغة عالم ما بعد الحرب فى آسيا.
وفي المقابل، واستكمالًا لهذا التبادل الدبلوماسى الرفيع، عيّنت الحكومة الصينية أول وزير مفوض لجمهورية الصين فى القاهرة، ليقدم أوراق اعتماده ولينسق مباشرة مع حكومة الوفد.
ـ وفى عام 1943، ولم يمر عام واحد على قرار التبادل الدبلوماسى، كانت القاهرة تستقبل الزعيم الصيني "شيانغ كاى" فى زيارته التاريخية لمصر، للمشاركة فى مؤتمر القاهرة نوفمبر 1943 إلى جانب الرئيس الأمريكى روزفلت ورئيس الوزراء البريطانى تشرشل.
وقد منحت هذه الترتيبات القاهرة ـ فى ظل حكومة الوفد ـ دورًا محوريًا كأهم نافذة دبلوماسية للصين فى الشرق الأوسط خلال تلك اللحظة الحرجة من الحرب العالمية الثانية.
ـ أما ذروة التنسيق الوفدى الصينى، فقد تمثلت فى الاستفادة الصينية المباشرة من "معاهدة مونترو لعام 1937"، التى نجح فيها النحاس باشا فى انتزاع إلغاء الامتيازات الأجنبية والمحاكم المختلطة فى مصر،
فلفتت التجربة المصرية اهتمام الدوائر القانونية الصينية التى سعت لاحقًا لإنهاء نظام المحاكم القنصلية الأجنبية، وهو ما تحقق فى معاهدات لاحقة عام 1943 بين الصين وبريطانيا وأمريكا.
الشاهد..
مراحعة تلك التواريخ والوقائع ـ 1924، 1931، 1937، 1942، 1943 ـ تشرح كيف أن العلاقات المصرية الصينية لم تولد من رحم الأيديولوجيا الشيوعية الصينية التى تأسست دولتها عام 1949، بل وُلدت من رحم "الواقعية السياسية" ودبلوماسية التحرر الوطنى التى قادها الوفد فى الشرق كله.
وحين قررت مصر، فى 1956، الاعتراف بجمهورية الصين الشعبية كأول دولة عربية وإفريقية، لم يكن ذلك تحولًا مفاجئًا، بل كان استمرارًا طبيعيًا للمسار الاستراتيجى الذى خطه سعد وكتبه النحاس باشا، حين أدرك الوفد مبكرًا جدًا أن الصين ـ بغض النظر عن طبيعة النظام الذي يحكمها ـ هى العمق الطبيعى لقوى التحرر التى كانت مصر تقودها فى الشرق كله.
ـ نهايةً.. ولأن "نسيان التاريخ هو أحد مظاهر موت الأمة"… كما تكلم سعد، فأخطر ما قد يحدث للأحزاب التاريخية، هو أن تضع ذاكرتها فى عهدة من لا يعرف تلك الذاكرة ولا يعيها.


















0 تعليق