هل نحن أمام حرب استنزاف طويلة في الشرق الأوسط ؟

الوفد 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

السبت 23/مايو/2026 - 10:20 ص 5/23/2026 10:20:06 AM

حين تتحول الملفات النووية إلى ألغام سياسية وعسكرية مفتوحة،،
لم تعد المواجهة الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، مجرد صراع تقليدي يمكن حسمه بضربة عسكرية أو اتفاق سياسي سريع، بل يبدو أن المنطقة تدخل تدريجيًا مرحلة “حرب الاستنزاف الكبرى”، حيث تتحول الملفات المعقدة إلى ساحات مواجهة طويلة الأمد يصعب إغلاقها بسهولة.
فالملف النووي الإيراني اليوم لم يعد قضية تخصيب يورانيوم فقط، بل أصبح عقدة جيوسياسية ترتبط بمستقبل النفوذ الإقليمي، وتوازنات الشرق الأوسط، وشكل النظام الدولي نفسه. ولهذا السبب يبدو أن كل الأطراف تدرك أن أي تنازل كبير قد يُفسَّر باعتباره هزيمة استراتيجية، وليس مجرد تسوية سياسية.
إيران تنظر إلى برنامجها النووي باعتباره جزءًا من منظومة الردع القومي، وليس مجرد مشروع علمي أو اقتصادي. أما إسرائيل، فترى أن بقاء أي مخزون نووي مخصب داخل إيران يمثل تهديدًا وجوديًا طويل المدى، حتى لو تم إخضاعه للرقابة الدولية. وبين الطرفين، تقف واشنطن أمام معادلة شديدة التعقيد؛ فهي لا تريد حربًا شاملة تستنزف المنطقة والقوات الأمريكية، لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع القبول بإيران نووية أو شبه نووية.
وهنا تظهر خطورة المرحلة الحالية، لأن الصراع لم يعد يدور حول “من يربح الحرب”، بل حول “من يستطيع الصمود لفترة أطول”. وهذا هو التعريف الكلاسيكي لحروب الاستنزاف.
المشكلة الأخطر أن الضربات العسكرية، مهما بلغت دقتها، لا تستطيع إنهاء الملفات النووية المعقدة بالكامل. فالمعرفة النووية لا تُقصف بالطائرات، والخبرات العلمية لا تختفي باغتيال العلماء أو تدمير المنشآت. وحتى إذا جرى تدمير جزء من البنية التحتية، فإن الشكوك ستظل قائمة حول وجود مخازن سرية أو منشآت بديلة أو مواد منقولة إلى مواقع مجهولة.
ومن هنا، تدخل المنطقة مرحلة جديدة عنوانها “القلق النووي الدائم”، حيث تصبح كل شحنة، وكل منشأة تحت الأرض، وكل تحرك عسكري، مصدر توتر إقليمي ودولي.
الأخطر من ذلك أن أي محاولة للسيطرة الميدانية على المواد النووية داخل إيران تبدو أقرب إلى “المهمة المستحيلة”. فالجغرافيا الإيرانية الواسعة، وطبيعة التحصينات العسكرية، ووجود شبكات دفاع متعددة، تجعل أي تدخل بري مباشر مغامرة مكلفة للغاية، حتى بالنسبة للقوات الأمريكية الخاصة.
كما أن الحديث عن نقل المواد النووية أو السيطرة عليها وسط أجواء الحرب يفتح الباب أمام سيناريوهات مرعبة، تبدأ من احتمالات التلوث الإشعاعي، ولا تنتهي عند خطر تسرب المواد الحساسة إلى أطراف أخرى داخل الإقليم.
وفي تقديري، فإن أخطر ما تواجهه المنطقة حاليًا ليس الحرب العسكرية المباشرة فقط، بل “الحرب الرمادية الطويلة”، أي الصراع المفتوح الذي لا يصل إلى سلام كامل ولا ينفجر إلى مواجهة شاملة نهائية. وهذا النوع من الحروب يستنزف الاقتصاد، ويعيد تشكيل التحالفات، ويدفع الدول الصغيرة إلى إعادة حساباتها السياسية والأمنية.
كما أن استمرار التوتر سيؤثر بصورة مباشرة على أمن الطاقة العالمي، والممرات البحرية، وأسعار النفط، وحتى على شكل الاستثمارات الدولية في الشرق الأوسط. ولهذا فإن العالم لا ينظر إلى الملف الإيراني باعتباره أزمة محلية، بل باعتباره أحد أخطر الملفات القادرة على إعادة رسم خرائط النفوذ الدولي خلال السنوات المقبلة.
وربما تكمن المفارقة الكبرى في أن جميع الأطراف تعلن أنها لا تريد حربًا شاملة، لكن الجميع في الوقت نفسه يواصل التحرك بخطوات تقود تدريجيًا نحوها. وهنا تصبح المنطقة أمام مشهد شديد الخطورة؛ حرب لا أحد يريد إعلانها رسميًا، لكن الجميع يستعد لها بصمت.
وفي النهاية، يبدو أن الشرق الأوسط دخل بالفعل مرحلة جديدة من الصراع المفتوح، حيث لم تعد المعارك تُحسم بسرعة، بل تتحول إلى ملفات مزمنة ومعقدة، يصعب تفكيكها أو الوصول فيها إلى حلول نهائية. ولذلك فإن السؤال الحقيقي اليوم لم يعد: هل ستقع الحرب؟ بل: إلى متى تستطيع المنطقة تحمّل استنزافها السياسي والعسكري والاقتصادي؟
محمد سعد عبد اللطيف
كاتب وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية ،،!!

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق