صناعة الأزمات بين العقل المصرفي التقليدي وطموح التكنولوجيا الرقمية

الوفد 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

 

 

شهدت الساحة الإعلامية والاقتصادية مؤخراً حالة من الجدل الكثيف الذي تجاوز حدود النقاش الفني المعتاد ليلامس جوهر التنافس الإقليمي على صدارة المشهد الرقمي والمالي. إن محاولة قراءة التحولات الكبرى برؤية قديمة لا تكتفي بتعطيل مسيرة النمو، بل قد تذهب إلى خلق بؤر تصادم مصطنعة بين مكونات البناء الاقتصادي الواحد التي تفرض طبيعة الأشهر الحالية تكاملها لا تنافرها. يعيدنا هذا المشهد إلى تفكيك آليات الخطاب العام وتأثيراته الممتدة على ثقة المستثمرين ورواد الأعمال في بيئة اقتصادية تتسم بالتحول السريع نحو الرقمنة الشاملة.

 

جذور الرؤية التقليدية وإشكالية استيعاب المستقبل

لقد دأبت المدارس الاقتصادية الكلاسيكية على النظر إلى الاستقرار المالي من منظور التحوط الصارم، وهو أمر يمتلك منطقه الخاص والمشروع لحماية أموال المودعين وصيانة النظام المصرفي من الهزات المفاجئة [1]. ومع ذلك، فإن تغييب الخيال الطموح في فهم طبيعة الطفرات التكنولوجية يؤدي بالضرورة إلى إسقاط أدوات الماضي على آليات المستقبل. إن المنصات التكنولوجية الحديثة التي تتيح للمواطنين العاديين الاستثمار المباشر في أسواق المال لا تقع بأي حال من الأحوال ضمن خانة التمويل الاستهلاكي الذي يعتمد على الاقتراض لغرض الإنفاق الجاري وغير المنتج [2]. وهنا يبرز الخلط المفاهيمي؛ فحين يتم تصوير الابتكار الرقمي كأنه مهدد للاستقرار التقليدي، يجري إغفال حقيقة أن هذه المنصات تسهم في توسيع القاعدة الرأسمالية وجذب مدخرات صغيرة كانت مهملة وخارج الدورة الاقتصادية الرسمية.

إن التكامل بين القطاع البنكي العريق والشركات الناشئة في مجال التكنولوجيا المالية هو العمود الفقري لأي نهوض اقتصادي حقيقي في منطقتنا. وحين يتحول المنبر الإعلامي من مساحة للنقاش الموضوعي الهادف إلى منصة لتضخيم الفجوات وإحداث الوقيعة بين شركاء التنمية، فإن النتيجة المباشرة تكون صناعة أزمة من لا شيء، أو كما يصفها المأثور الشعبي بـ "خلق الأزمة من ذقنه وافتلو". إن توجيه أسئلة مأزومة على الهواء مباشرة يهدف بالأساس إلى توريط القيادات المصرفية في اتخاذ مواقف حدية قد لا تعكس بالضرورة مرونة القطاع أو رغبته الحقيقية في رعاية الابتكار، مما يضر بالبيئة التنافسية الكلية للدولة.

 

إن السؤال الذي يطرح نفسه بظلال قاتمة في كواليس المشهد الراهن: هل نعيش حقاً مواجهة فنية بريئة بين حذر المصارف وجرأة التكنولوجيا، أم أننا أمام ستائر حريرية خضراء تخفي وراءها صراعاً أعمق على ريادة الأعمال والاستثمار الإقليمي، حيث يُراد للمبدع المحلي أن يتعثر بفقر خيال مؤسساته؟ تتبعوا بدقة مسار التدفقات الرأسمالية في الأشهر المقبلة لتدركوا من المستفيد الحقيقي من هندسة هذه الصراعات المصطنعة.

التنافسية الإقليمية وجوانتي الحرير الأخضر

لا يمكن فصل هذا السجال عن السياق الإقليمي الأوسع، حيث تخوض اقتصادات المنطقة سباقاً محموماً وجاذباً نحو ريادة الأعمال، والتحول الرقمي، واجتذاب العقول والشركات التكنولوجية الكبرى [3]. في هذا السباق، تصبح صياغة البيئة التشريعية والإعلامية الحاضنة للابتكار هي الميزة التنافسية الأولى. وحين يظهر الخطاب الإعلامي المحلي كأنه يضيق ذرعاً بالشركات التقنية الناجحة مثل منصات الاستثمار الرقمي الحديثة "ثاندر" وأخواتها، فإن الرسالة السلبية المبعوثة للخارج تتجاوز المنصة المعنية لتطال مناخ الاستثمار بأكمله [4]. إنها عملية ضرب تحت الحزام تبدو في ظاهرها حرصاً على أموال المواطنين وتنظيماً للسوق، لكنها في جوهرها تخدم أطرافاً إقليمية أخرى تسعى جاهدة لاقتناص هذه المواهب والمنصات وتوفير الملاذات الآمنة والمشجعة لها.

من هنا، يصبح من الضروري على متخذي القرار والمخططين الاقتصاديين إدراك أن حماية الاقتصاد الوطني لا تعني الانكفاء على الأساليب النمطية القديمة، بل تعني فتح الآفاق وتطوير البنية التنظيمية لتستوعب الأدوات الجديدة [5]. إن مواجهة طوفان التطور التكنولوجي العالمي بفقر الخيال وبأدوات المنع والتخويف هي معركة خاسرة مسبقاً، فالأجيال الجديدة من المستثمرين والمتعاملين باتت تمتلك من الوعي والقدرة التقنية ما يمكنها من تجاوز الأطر التقليدية برمتها، وإذا لم يجدوا البيئة الحاضنة محلياً، فسينتقلون بأموالهم وأفكارهم إلى الفضاءات الرقمية المفتوحة عالمياً أو إقليمياً.

 

ثورة الأصول الحقيقية المشفرة والموجة القادمة

إن القراءة المستنيرة للمستقبل القريب تشير إلى أن العالم يقف على أعتاب تحول جذري أعمق بكثير من مجرد منصات لتداول الأسهم؛ نحن نتحدث عن رقمنة الأصول الحقيقية في العالم وتحويلها إلى رموز رقمية مشفرة قابلة للتداول والملكية المجزأة [6]. هذه الموجة، المعروفة دولياً بـ الـ (Real World Assets - RWA)، ستعيد تعريف مفهوم الملكية والاستثمار بالكامل خلال سنوات قليلة. فإذا كانت المنظومة المصرفية والإعلامية الحالية تعاني من تداخل المفاهيم والعجز عن استيعاب منصة استثمارية محلية بسيطة وتخلط بينها وبين التمويل الاستهلاكي، فكيف سيكون الحال عندما تصبح العقارات، والمصانع، والمحاصيل الزراعية، والمعادن النفيسة ممثلة برموز رقمية يتم تداولها عبر شبكات لامركزية عابرة للحدود وبدون وسيط تقليدي؟ [7]

إن التحدي الحقيقي ليس في إيقاف الموجة، فالإمكانات التقنية الحالية تجعل من المستحيل محاصرة التطور. التحدي يكمن في كيفية امتلاك الجرأة والشجاعة الفكرية لتطوير المنظومة البنكية والمصرفية الرسمية لتكون هي القائد والموجه لهذه التحولات [8]. يجب أن يتوقف الإعلام عن لعب دور المحرض الذي يستدعي المخاوف، بل يجب أن يتحول إلى شريك في نشر الوعي المالي المعاصر وضبط التوازن الإيجابي بين التحوط المطلوب والمغامرة المحسوبة التي تصنع الثروة وتدفع بقطاعات التكنولوجيا والصناعة إلى الأمام، بما يضمن بقاء الدولة في طليعة المشهد الإقليمي والدولي [9].

 

الخلاصة

إن الأزمة المفتعلة مؤخراً بين الرؤية المصرفية الكلاسيكية ومنصات التكنولوجيا المالية تكشف عن فجوة عميقة في الوعي بالمستقبل وفقر واضح في الخيال التنظيمي والإعلامي الذي يدير الحوار الاقتصادي. إن محاولات زرع الشقاق والتصادم بين القطاع المصرفي العريق وشركات الابتكار الرقمي لا تخدم إلا التنافسية الإقليمية التي تسعى لسحب البساط من تحت الأقدام الوطنية المستندة إلى تاريخ طويل من الريادة. يتطلب العبور الآمن نحو الاقتصاد الجديد التوقف الفوري عن أساليب الإثارة وتصفية الحسابات تحت غطاء الحرص الحمائي، والبدء في صياغة استراتيجية تكاملية شاملة تستوعب التحولات القادمة وعلى رأسها رقمنة الأصول الحقيقية.

  1.  الخلط بين منصات الاستثمار الرقمي والتمويل الاستهلاكي يعكس قصوراً مفاهيمياً يضر بوعي الجمهور وثقة المستثمرين.
  2.  الخطاب الإعلامي التحريضي يورط القامات المصرفية ويهدد التنافسية الاقتصادية للدولة لصالح أطراف إقليمية متربصة.
  3.  تكامل الرأسمالية المصرفية التقليدية مع مرونة التكنولوجيا المالية هو السبيل الوحيد لبناء اقتصاد مرن ومستدام.
  4.  مواجهة التحولات الرقمية العالمية بفقر الخيال وأدوات المنع القديمة تدفع العقول والمدخرات الوطنية للهجرة بشتى صورها.
  5.  رقمنة الأصول الحقيقية (RWA) هي المعركة الاقتصادية المقبلة، والاستعداد لها يتطلب ثورة تشريعية وفكرية شاملة.

 

المصدر الأساسي للخبر:

برنامج "الحكاية"، تقديم الإعلامي عمرو أديب، استضافة المصرفي هشام عز العرب، المذاع على شاشة تلفزيون "إم بي سي مصر"، حلقة يوم الجمعة 15 مايو 2026. 

 

المصادر والمراجع الكلية (للمتخصصين والباحثين):

 [1] طبيعة النظم المصرفية والتحوط المالي في الاقتصادات النامية ، تأليف الدكتور حازم الببلاوي، دار الشروق للنشر، القاهرة، صفحة 112-118، تاريخ النشر 2018.

 [2] ثمن التنمية: دراسة في التغيرات الاقتصادية والاجتماعية بمصر ، تأليف الدكتور جلال أمين، دار المستقبل العربي، صفحة 85-92، تاريخ النشر 2021.

 [3] التراكم الرأسمالي والتنمية المستدامة في عصر العولمة الرقمية، تأليف الدكتور سمير أمين، دار ابن خلدون، بيروت، صفحة 204، تاريخ النشر 2019.

 [4] الرقابة المالية وتحديات التكنولوجيا الناشئة: دليل صندوق النقد الدولي، إعداد فريق دراسات السياسات النقدية بالصندوق، مطبوعات صندوق النقد الدولي، واشنطن، صفحة 47-53، تاريخ النشر 2024.

 [5] ثروة الأمم في القرن الحادي والعشرين: إعادة قراءة المبادئ الكلاسيكية، دراسة مقارنة بإشراف معهد دراسات البنك الدولي، دار نشر جامعة أكسفورد، صفحة 310، تاريخ النشر 2025.

 [6] رأس المال في القرن الحادي والعشرين، تأليف توماس بيكيتي، ترجمة وائل جمال، دار التنوير، بيروت، صفحة 415-420، تاريخ النشر 2016.

 [7] التفكير السريع والبطيء في القرارات الاستثمارية وعلم النفس المالي، تأليف دانيال كانمان، دار نشر الرائد، صفحة 189، تاريخ النشر 2015.

 [8] فلسفتنا الاقتصادية والمالية: دراسة مقارنة للمذاهب والأنظمة الحديثة، تأليف السيد محمد باقر الصدر، دار التعارف للمطبوعات، صفحة 276-281، تاريخ النشر 2012.

[9] فلسفة التاريخ والاجتماع الاقتصادي (المقدمة)، تأليف عبد الرحمن بن خلدون، تحقيق ودراسة، دار الشعب، القاهرة، الجزء الثالث، صفحة 44-49، تاريخ النشر (إعادة طباعة مراجعة) 2014.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق