ذاكرة السياسيين

الوفد 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

اختلف أو اتفق مع سياسات الدكتور السيد البدوى، رئيس حزب الوفد.. لكن لا يمكن أن يختلف اثنان على سمات فريدة تميز شخصيته، أهمها «الذاكرة الحديدية».

يملك الدكتور البدوى، قدرة غريبة، على تذكر ليس أسماء كوادر الحزب فقط، وإنما أسماء أولادهم أيضا، وهو ما يمثل «قوة ناعمة» لايستهان بها، واعتقد أن التواصل هو أساس النجاح.

الأسبوع الماضى، تحسست طريقا وسط زحام أعضاء هيئة جيل المستقبل، لأسمع جانبا من حوارهم مع رئيس الحزب..

ربما لم أندهش من مداخلات عشرات الشباب ونقدهم وتطلعاتهم، باعتبارى متابعا تارة ومشاركا تارة أخرى فى مثل هذه الفعاليات منذ عقود ثلاثة.

لكن المدهش، هو أن أحد المشاركين، قدم نفسه «سيد عبدالصبور»، فأكمل البدوي:» والد حمزة ونسمة» واسم طفلة أخرى لا أتذكرها.

يعرف «البدوى» ليس اسم عضو الحزب فقط، وإنما أسماء ثلاثة من أبنائه!!! وهذا نموذج عام، إذ يتكرر الأمر بين «البدوي» وأعضاء كثر من الوفديين فى المحافظات.. وكذلك الصحفيون.

حتى زميلى محمود المنهراوى، لم أعرف اسم ابنته إلا عندما سأله رئيس الحزب عن أخبار طفلته الصغيرة»منى؟»

تعمل الذاكرة البشرية كنظام معقد ليس مجرد «مخزن» للمعلومات، بل هى عملية ديناميكية تشمل تشفير البيانات، وتخزينها، ثم استرجاعها عند الحاجة.. وهى سلاح رهيب للسياسيين، لأن نسيان الاسم فى الثقافة المصرية، قد يُفسر أحيانًا على أنه «قلة تقدير».

أواخر التسعينيات، كنا نتحاور أمام بوابة حزب الوفد، مع قيادة أمنية، ونستطلع رأيه فى أحزاب المعارضة وقتها.. وكنت متخوفا من نظرته تجاه حزب الوفد خصوصا أن زعيمه وقتها فؤاد باشا سراج الدين، كان طاعنا فى السن.

رد الرجل بأنه فى بداية عمله لمتابعه النشاط السياسى، حضر أحد المؤتمرات لشباب الوفد، ولم تكن عنده دراية بتاريخ فؤاد باشا سراج الدين ولا الوفد.

وعندما دخل الباشا، إلى القاعة، استغرب الرجل من الاستقبال الحار لزعيم الوفد كبير السن، وكأن الجمهور السياسى تحول إلى مجموعة «مجاذيب».

المهم أن شباب الوفد، بدأوا يطرحون الأسئلة السياسية والتنظيمية على الباشا، إذ كان يقف الشاب ويقدم نفسه ومحافظته ويطرح سؤاله، بينما الباشا ينصت باهتمام.. حتى انتهوا جميعا.

أضاف الرجل، أنه اعتقد أن الباشا، سيرد على الشباب ردا مجمعا يتناول فيه القضايا السياسية والإشكاليات التنظيمية.. لكن المدهش أن رئيس الحزب، أمسك الميكروفون، ثم نادى على كل شاب باسمه ورد على سؤاله.. دون ورقة أو قلم، كأنه استوعب أسماء الجميع وأسئلتهم فى ذاكرته الحديدية.

يقول الرجل إنه أدرك حينها أنه أمام شخصية استثنائية، تملك ذاكرة فولاذية، ولديها مفاتيح القوة.. وربما يضعف الجسد لكن تظل الذاكرة هى أقوى رابط.

كان أحد أسرار الراحل كمال الشاذلى رغم الخصومة السياسية معه ـ هو قدرته الفريدة أيضا، على تذكر أبناء العائلات، وتاريخهم وروابطهم، من العريش ومطروح شمالا حتى جنوب أسوان.

ربما يكون النسيان نعمة، لكن ليس فى العمل السياسى.

فمن ينسى فى السياسة، سيدفع ثمنا فادحا حتى تعود له الذاكرة.

أسعد الله أيامكم.

 

أخبار ذات صلة

0 تعليق