الربط الإلكترونى كلة السر فى تنفيذ الأحكام المُعلَّقة

الوفد 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

الحرمان من تجديد الرخصة والرقم القومى وجواز السفر أهم العقوبات 

خبراء: يغلق أبواب التهرب من النفقة ويعزز تنفيذ الأحكام النهائية

مخاوف من تشابه الأسماء وربط الخدمات بالرقم القومى نقلة نوعية 

التحول الرقمى يقترب من إنشاء «ملف موحد للمواطن».. والربط الكامل ما زال قيد التنفيذ

فى خطوة تعكس توجه الدولة نحو تشديد آليات تنفيذ الأحكام القضائية، أطلق وزير العدل منظومة الربط الإلكترونى لتعليق الخدمات الحكومية عن الممتنعين عن سداد النفقة، فى محاولة لإنهاء واحدة من أبرز أزمات التقاضى الأسرى، وهى عدم تنفيذ الأحكام رغم صدورها بشكل نهائى. غير أن هذه الخطوة تفتح باباً واسعاً من التساؤلات عن نطاق تطبيقها، وما إذا كانت ستقتصر على قضايا النفقة فقط، أم تمتد لتشمل جميع من صدرت بحقهم أحكام قضائية غير منفذة، سواء فى الجنح أو القضايا الجنائية. 

كما يثار الجدل عن إمكانية التوسع فى تطبيق إجراءات مثل منع السفر أو وقف الخدمات ليكون وسيلة ضغط قانونية، ومدى توافق ذلك مع الضمانات الدستورية وحقوق المواطنين. وبين ضرورات إنفاذ القانون وتحقيق العدالة، يظل التساؤل قائماً: هل تمثل هذه المنظومة بداية مرحلة جديدة فى التعامل مع الأحكام غير المنفذة فى مصر؟

يرى خبراء فى قانون الأحوال الشخصية أن هذه الخطوة تعزز قدرة الدولة على حماية حقوق الزوجة والأبناء، خاصة فى ظل تزايد شكاوى عدم تنفيذ أحكام النفقة رغم صدورها، مؤكدين أن الربط الإلكترونى قد يحقق نقلة فى سرعة إلزام المحكوم عليهم بالسداد، دون الحاجة لإجراءات مطولة.

فى المقابل، يطالب آخرون بوضع ضوابط دقيقة لضمان عدم التعسف فى التطبيق، خاصة فى الحالات التى يكون فيها المدين غير قادر فعلياً على السداد. 

وفى المقابل يثير تطبيق المنظومة تساؤلات عن مدى شمولها الأشخاص الصادرة بحقهم أحكام أخرى لم تنفذ بعد، وهل سيتم إدراجهم تلقائياً ضمن قوائم تعليق الخدمات؟.. مصادر قانونية تشير إلى أن التفعيل سيكون مرتبطاً بالأحكام النهائية واجبة النفاذ، مع إمكانية التوسع لاحقاً ليشمل الحالات المتقاعسة عن التنفيذ بعد إنذار رسمى.

 

خطوة مهمة

فى البداية، رحب محسن السبع، المستشار القانونى ومؤسس حملة «أريد حلاً»، بتدشين منظومة الربط الإلكترونى لتعليق الخدمات الحكومية عن الممتنعين عن سداد النفقة، معتبراً أنها خطوة مهمة فى طريق إنصاف الزوجة والأسرة، خاصة فى مواجهة من يتعمدون التهرب من تنفيذ الأحكام القضائية.

وأوضح السبع، فى حديثه لـ«الوفد»، أن أى إجراء يعزز من تنفيذ أحكام النفقة ويضمن وصول الحقوق لمستحقيها، يستحق الدعم، فى ظل معاناة الكثير من الأسر من ظاهرة «الأحكام غير المنفذة»، رغم صدورها بشكل نهائى.

وأشار إلى أن القانون رقم 6 لسنة 2020، المعدل لبعض أحكام قانون العقوبات رقم 58 لسنة 1937، وضع إطاراً قانونياً واضحاً للتعامل مع الممتنعين عن سداد النفقة، حيث نص على معاقبة الزوج القادر الممتنع عن الدفع بالحبس لمدة لا تزيد على سنة، أو غرامة لا تتجاوز 500 جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين، مع تشديد العقوبة حال تكرار الواقعة ورفع دعوى جديدة.

وأضاف أن القانون لم يقتصر على العقوبات الجنائية فقط، بل تضمن أيضاً إجراءات إدارية مؤثرة، من بينها تعليق استفادة المحكوم عليه من بعض الخدمات الحكومية التى تقدمها الجهات الرسمية، مثل استخراج بطاقة الرقم القومى، أو رخصة القيادة، أو جواز السفر، وذلك دون المساس بالحقوق والحريات الأساسية للمواطن.

وأكد «السبع» أن تطبيق هذه الإجراءات مشروط بصدور حكم قضائى نهائى واجب النفاذ بثبوت الامتناع عن سداد النفقة، مشيراً إلى أن التنفيذ يبدأ عادة بعقوبة الحبس مدة شهر، وفى حال تكرار الامتناع تتحول الواقعة إلى جنحة تطبق بشأنها العقوبات الأشد.

وفيما يتعلق بآليات التنفيذ، أوضح أن هناك بالفعل ربطاً إلكترونياً قائماً بين الجهات المختلفة، خاصة وزارة الداخلية، حيث يتم إجراء كشف أمنى على المواطنين عند طلب خدمات مثل استخراج الأوراق الرسمية أو التعامل مع مصلحة الأحوال المدنية أو الجوازات، بما يتيح التعرف على الموقف القانونى للشخص.

وشدد على أن الدستور والقانون لا يجيزان حرمان أى مواطن من الخدمات لمجرد صدور حكم ضده، خاصة إذا كان حكماً غيابياً أو غير نهائى، محذراً من مخاطر تشابه الأسماء أو استغلال بعض الثغرات للإضرار بأشخاص غير معنيين. وأكد ضرورة الاعتماد على الرقم القومى فى ربط الأحكام، لضمان دقة التنفيذ وعدم وقوع أخطاء.

وتابع بأن تطبيق تعليق الخدمات فى قضايا النفقة يرتبط تحديداً بصدور حكم نهائى بثبوت الامتناع، ويتم تفعيل القرار بناءً على طلب الزوجة، حيث تحدد قائمة بالخدمات التى يحرم منها الزوج الممتنع، وتتراوح بين 7 و8 خدمات أساسية.

وأشار إلى أنه بعد صدور الحكم النهائى، تقوم المحكمة بإخطار النيابة العامة، التى تتولى بدورها مخاطبة الجهات المختصة لتنفيذ القرار، بما يشمل إدراج الشخص على قوائم الترقب والمنع من السفر، إلى جانب تعليق بعض الخدمات.

وفى سياق متصل، انتقد السبع الاعتماد على الأحكام الغيابية، معتبراً أنها قد تكون غير منصفة فى بعض الحالات، خاصة مع إمكانية تحرير محاضر ضد أشخاص دون علمهم. وأكد أن الحل يكمن فى تعزيز منظومة الربط الإلكترونى، وربط القضايا بالبيانات الشخصية الدقيقة، مع إخطار المتهمين بكل الإجراءات عبر وسائل حديثة مثل الرسائل النصية، على غرار ما هو مطبق فى العديد من الدول العربية والغربية.

واختتم حديثه بتأكيد أن نجاح المنظومة الجديدة يتوقف على دقة التطبيق، وضمان تحقيق التوازن بين إنفاذ القانون وحماية حقوق المواطنين، بما يحقق العدالة الناجزة دون الإخلال بالضمانات الدستورية.

الدكتورة سلوى جميل، المحامية
الدكتورة سلوى جميل، المحامية

عقوبات قانونية 

ومن جانبها، أكدت الدكتورة سلوى جميل، المحامية، أن قانون الأسرة وضع التزاماً واضحاً على الزوج بسداد النفقة وكل المستحقات المرتبطة بها، مشددة على أن الامتناع عن التنفيذ يعرضه لعقوبات قانونية تبدأ بالحبس مدة شهر، وفى حال تكرار المخالفة تتصاعد العقوبات لتشمل الحبس والغرامة، فضلاً عن الحرمان من عدد من الخدمات الحكومية.

وأوضحت «جميل»، فى حديثها لـ«الوفد»، أن هذه الإجراءات قد تمتد إلى وقف خدمات مثل استخراج بطاقة الرقم القومى، أو صحيفة الحالة الجنائية (الفيش والتشبيه)، أو جواز السفر، بل قد تصل إلى المنع من السفر، وذلك من خلال منظومة رقمية تعتمد على ربط البيانات الشخصية للمواطنين بشكل دقيق.

وأشارت إلى أن منظومة الربط الإلكترونى لعبت دوراً محورياً فى دعم حقوق الزوجة والأبناء، من خلال إحكام الرقابة على تنفيذ الأحكام القضائية، وإجبار الممتنعين على السداد، بما يسهم فى تحقيق قدر أكبر من العدالة الناجزة، ويضع حداً لظاهرة التهرب من تنفيذ الأحكام.

وأضافت أن هذا التوجه لم يقتصر على قضايا الأسرة فقط، بل امتد ليشمل منظومة العدالة بشكل أوسع، حيث أخذ قانون الإجراءات الجنائية فى اعتباره أهمية الربط الإلكترونى، خاصة فيما يتعلق بمتابعة المحكوم عليهم ومنع هروبهم خارج البلاد دون تنفيذ الأحكام الصادرة بحقهم.

ولفتت إلى أن التعديلات المرتقبة فى قانون الإجراءات الجنائية، والمقرر بدء تطبيقها فى الأول من أكتوبر المقبل، تعزز استخدام التكنولوجيا فى تتبع الحالات القضائية، وضمان تنفيذ الأحكام بشكل أكثر دقة وسرعة.

وشددت على أن التطور الرقمى أسهم بشكل كبير فى القضاء على مشكلة تشابه الأسماء، حيث أصبح الربط يتم من خلال الرقم القومى إلى جانب الاسم وكل البيانات الشخصية، ما يقلل من احتمالات الخطأ ويضمن توجيه الإجراءات القانونية إلى مستحقيها بدقة.

واختتمت بتأكيد أن تفعيل هذه المنظومة يمثل خطوة مهمة نحو تحقيق العدالة وحماية الحقوق، سواء فى قضايا الأسرة أو غيرها من القضايا، فى ظل توجه الدولة نحو التحول الرقمى الشامل فى منظومة العدالة.

محمود فرج، خبير أمن المعلومات
محمود فرج، خبير أمن المعلومات

التحول الرقمى 

فيما يرى محمود فرج، خبير أمن المعلومات، أن توجه الدولة نحو ربط الخدمات الحكومية بالرقم القومى يمثل خطوة متقدمة فى مسار التحول الرقمى، مؤكداً أن إنشاء نظام موحد يضم كل بيانات المواطن سيحدث نقلة نوعية فى كفاءة تقديم الخدمات واتخاذ القرار، رغم أن التطبيق الكامل لهذا النظام لم يكتمل بعد.

وأوضح «فرج»ـ فى حديثه لـ«الوفد»، أن الدولة تعمل خلال الفترة الأخيرة على بناء «ملف رقمى موحد» لكل مواطن، يربط بين مختلف الخدمات والمعاملات، بدءًا من التراخيص والضرائب، وصولاً إلى البيانات البنكية وبعض الجوانب القانونية، وهو ما يسهم فى تسهيل الوصول إلى المعلومات وتسريع الإجراءات، سواء للمواطن أو للجهات الحكومية.

وأشار إلى أن هذا الربط سيمكن الجهات المختلفة من التعرف على الوضع المالى والقانونى للفرد بشكل لحظى، بما يدعم كفاءة الخدمات، خاصة فى مجالات مثل القروض والدعم الاجتماعى، حيث لن يحتاج المواطن إلى تقديم مستندات ورقية متعددة، بل يكفى استخدام الرقم القومى للوصول إلى بياناته.

وأضاف أن هذا التحول سيسهم كذلك فى تحسين توجيه الدعم لمستحقيه، وتسهيل الوصول إلى الفئات الأكثر احتياجاً، مثل المستفيدين من برامج الحماية الاجتماعية، إلى جانب تعزيز قدرة الدولة على ضبط المنظومة الاقتصادية وتقليل التلاعب أو ازدواجية الاستفادة من الخدمات.

وفى المقابل، أثار فرج جانباً آخر من الجدل، يتعلق بتطبيق بعض الإجراءات القانونية التى تقيد حصول الأفراد على الخدمات الحكومية أو السفر فى حال عدم تنفيذ أحكام قضائية، مثل قضايا النفقة، موضحاً أن هذا الأمر قد يضع قيوداً كبيرة على حياة الأفراد، ويؤثر فى قدرتهم على العمل وتوفير دخل يمكنهم من سداد التزاماتهم.

وأوضح أن حرمان الفرد من خدمات أساسية مثل تجديد البطاقة أو الرخصة قد يفاقم الأزمة بدلاً من حلها، مشيراً إلى ضرورة تحقيق توازن بين تنفيذ الأحكام القضائية وضمان الحد الأدنى من الحقوق الأساسية التى تمكن الأفراد من العمل والإنتاج.

وأكد خبير أمن المعلومات أن التحول الرقمى، رغم ما يقدمه من مزايا كبيرة، يتطلب مراعاة الأبعاد الاجتماعية والإنسانية عند تطبيقه، حتى لا يتحول إلى أداة تقييد، بل يظل وسيلة لتسهيل الحياة وتعزيز العدالة والكفاءة فى تقديم الخدمات.

واختتم فرج حديثه بتأكيد أن مصر تسير بخطوات جيدة فى مسار الرقمنة، وأن اكتمال منظومة الربط الشامل سيحقق فوائد كبيرة للاقتصاد والمجتمع، لكنه شدد فى الوقت نفسه على أهمية التطبيق المتوازن الذى يراعى حقوق المواطنين وظروفهم المختلفة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق