«الجمهورية الرقمية» استثمار في الإنسان وليس إفلاسه

الوفد 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

يبدو المشهد متناقضا .. الدولة تتحدث باستمرار عن التحول الرقمى، والشمول المالى، وربط الخدمات الحكومية بالتكنولوجيا، ثم يفاجأ المواطن بارتفاع أسعار خدمات الإنترنت وكأن الطريق إلى «الجمهورية الرقمية» أصبح أكثر تكلفة. لكن الحقيقة أن القضية أعقد من مجرد زيادة أسعار، لأنها ترتبط بمعادلة شديدة الحساسية بين «حق المواطن فى الاتصال» و«تكلفة بناء البنية التحتية الرقمية».

فمصر خلال السنوات الأخيرة أنفقت مليارات الجنيهات على تطوير شبكات الألياف الضوئية، وتحسين سرعات الإنترنت، وتوسيع خدمات الاتصالات فى القرى ضمن مبادرة «حياة كريمة»، إلى جانب التوسع فى مراكز البيانات والتحول إلى الخدمات الحكومية الرقمية. 

هذه المشروعات تحتاج إلى استثمارات ضخمة، خاصة مع ارتفاع أسعار المعدات العالمية وسعر الدولار والطاقة. ومن هنا ترى شركات الاتصالات أن رفع الأسعار أصبح ضرورة اقتصادية لضمان استمرار الخدمة والتطوير.

لكن الأزمة الحقيقية ليست فى مبررات الشركات، بل فى توقيت الرسالة السياسية والاقتصادية التى تصل إلى المواطن. فالدولة التى تريد دفع الناس نحو الدفع الإلكترونى والتعليم الرقمى والعمل عن بعد، لا يمكن أن تجعل الإنترنت عبئا إضافيا على الأسرة المتوسطة والفقيرة، لأن الإنترنت لم يعد رفاهية، بل أصبح مثل الكهرباء والمياه، أداة أساسية للحياة والعمل والتعليم.

المفارقة أن الشمول الرقمى لا يتحقق فقط ببناء الشبكات، وإنما بقدرة الناس على استخدامها. فما قيمة الإنترنت الأسرع إذا كان المواطن مضطرا لتقليل الاستهلاك أو إلغاء الاشتراك بسبب الأسعار؟ وكيف نقنع شابا بالدخول إلى الاقتصاد الرقمى بينما تكلفة الاتصال نفسها تلتهم جزءا معتبرا من دخله؟

هناك أيضا بعد اجتماعى مهم، فرفع أسعار الإنترنت يخلق فجوة رقمية بين الطبقات. القادر سيواصل التعلم والعمل والترفيه عبر الشبكة، بينما قد يدفع محدودي الدخل إلى العزلة الرقمية تدريجيا. وهنا يصبح الحديث عن العدالة الرقمية ضروريا، لأن التنمية الحديثة لا تقاس فقط بعدد الأبراج والكابلات، بل بعدد المواطنين القادرين فعليا على الوصول إلى المعرفة والخدمات.

الحل لا يكمن فى رفض التطوير أو تجاهل التكاليف الاقتصادية، بل فى صياغة سياسة أكثر توازنا. يمكن مثلا تقديم باقات اجتماعية منخفضة التكلفة للطلاب والأسر محدودة الدخل، أو دعم الإنترنت التعليمى، أو منح حوافز للشركات مقابل توسيع الوصول بأسعار عادلة. فالدول التى نجحت فى التحول الرقمى تعاملت مع الإنترنت باعتباره استثمارا فى الإنسان، لا مجرد خدمة تجارية.

وفى النهاية، يبقى السؤال الأهم: هل الهدف من التحول الرقمى هو زيادة الإيرادات فقط، أم بناء مجتمع حديث يستطيع فيه الجميع المشاركة؟ لأن الشمول الرقمى الحقيقى لا يتحقق حين تصل الشبكة إلى كل بيت فقط، بل حين يستطيع كل بيت تحمل تكلفة البقاء متصلا بالعالم.

 

[email protected]

 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق