عميد إعلام الأقصى في حوار خاص لـ«الوفد»: الصحافة في غزة مهمة انتحارية بوعي وطني

الوفد 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

تزامنًا مع احتفالات اليوم العالمي لحرية الصحافة وعيد الصحافة العربية

د. غسان حرب: سترة الصحفي في غزة كفن معلق مع وقف التنفيذ


جيل يُغتال قبل التخرج.. 53 طالبًا من إعلام الأقصى شهداء و433 صحفيًا مصابًا


الاحتلال يغتال الشاهد ليدفن الرواية وحياد العالم أمام الإبادة خيانة


100% دمار في البنية التعليمية.. وصفر قاعات دراسية


أكثر من 70% من الطلاب بلا قدرة على استكمال الدراسة


في عالم يرتدي كل عام أقنعة الاحتفال باليوم العالمي لحرية الصحافة، وتُسفك فيه المحابر مدحًا في «قدسية الكلمة»، تقف غزة وحيدة على ضفة الوجع؛ تعيد تعريف الأبجدية بمدادٍ مغمس بالدم، وتحصي ما تبقى من ملامح الحقيقة في وطن يُذبح وسط صمت دولي صار شريكًا في الجريمة. 


في غزة، تسقط الحصانات؛ فلا قدسية لجامعة، ولا أمان لخوذة، حيث يقف حامل الكاميرا «شاهدًا وشهيدًا مع وقف التنفيذ»، يدرك بيقين أن عدسته قد تكون هي المبرر الأخير لقصفه، وأن نقل الحقيقة هو الجرم الذي لا يغفره القاتل
اليوم.. ننحني إجلالًا لمن حولوا «السترة الزرقاء» من درع قانوني إلى أيقونة للذاكرة، ولصروح أكاديمية أبت أن ينطفئ نورها رغم تحول جدرانها إلى رماد.

a236906d79.jpg


في هذا السياق الإنساني المثقل بالتحدي، أجرت «الوفد» حوارًا استثنائيًا مع الأستاذ الدكتور غسان إبراهيم حرب، أستاذ الإذاعة والتلفزيون عميد كلية الإعلام بجامعة الأقصى؛ تلك المنارة التي قُصفت أركانها فازداد ضوؤها اشتعالًا من وسط ركام المختبرات والاستوديوهات التي سُويت بالأرض، يًحدثنا عن «كتيبة الحالمين»؛ عن جيلٍ من الطلاب اختار دراسة الإعلام وهو يدرك أن «مشروع التخرج» قد يكون «مشروع شهادة»، ليعيد من رحم الموت صياغة مفاهيم الكرامة والمهنية التي عجزت عن حمايتها المواثيق 


وإلى نص الحوار:


* في ظل الاحتفاء العالمي باليوم العالمي لحرية الصحافة.. كيف تصفون تلك اللحظة الوجودية التي يتحول فيها الحرم الجامعي من محراب للحقيقة إلى هدف عسكري مباشر؟


هي لحظة "اغتيال للمستقبل" قبل أن تكون هدمًا للحجر؛ فأن ترى المكان الذي تبني فيه عقول الشباب يتحول إلى ركام، يعني أنك أمام محاولة صريحة لتجهيل المجتمع، هذا الواقع أعاد صياغة عقيدتنا التعليمية بالكامل؛ فلم يعد دورنا مقتصرًا على منح الشهادات، بل أصبحنا نقود معركة "استمرارية الوجود" لقد تحولنا من التعليم الأكاديمي المستقر إلى تعليم الأزمات الذي يعتمد كليًا على البدائل الرقمية لكسر الحصار المكاني، مؤمنين بأن رسالة الإعلامي الفلسطيني هي رسالة وجودية، وأن مهمتنا كعمادة هي ضمان وصول صوت خريجينا للعالم مهما بلغت التضحيات، لأن الحقيقة هي السلاح الذي لا يمكن قصفه.


*أمام تحطم البنية التحتية.. هل ما زالت المناهج الورقية صالحة لطلابكم أم أن "أرصفة غزة" هي التي تخط اليوم منهج الإعلام البديل؟


المناهج التقليدية التي كانت تُدرس في القاعات المكيفة وبين الرفوف لم تعد هي المرجع الوحيد، الميدان في غزة فرض نفسه كمنهجٍ قسري وأكثر واقعية من أي كتاب أكاديمي، الطالب اليوم يتعلم "أخلاقيات المهنة" وهو يوازن بين نقل خبر استهداف عائلته وبين واجبه المهني، ويتعلم "التغطية في الأزمات" بوسائل بدائية تحت القصف.


* كيف تعيدون تعريف الموضوعية والحياد لطلابكم وهم يرون زملاءهم يُستهدفون خلف عدساتهم؟


نعلّم طلابنا أن الموضوعية ليست "نقطة منتصف" بين الحق والباطل، بل هي "الانحياز الكامل للحقيقة"، عندما يُستهدف الأستاذ والزميل، يصبح الحياد هنا ضربًا من العدمية الأخلاقية. 
الموضوعية في قاموسنا الآن هي "أمانة الشاهد"؛ أن تلتزم بالدقة المتناهية في نقل الجريمة، ليس لأنك محايد، بل لأن الحقيقة بحد ذاتها هي أقوى أداة للمظلوم، نحن نرسخ في عقولهم أن الصحفي الفلسطيني لا ينقل خبرًا فحسب، بل هو "حارس للذاكرة" من المحو.


* سترة الصحافة أصبحت إشارة قتل لا درع حماية.. كيف تُقنعون جيل المستقبل بارتدائها؟


سترة الصحافة في غزة لم تعد مجرد زي مهني، بل تحولت إلى "كفن معلق مع وقف التنفيذ". نحن لا نبيع الطلاب أوهامًا عن الحماية، بل نضعهم أمام حقيقة المسؤولية.
نزرع فيهم أن ارتداء السترة ليس بحثًا عن حماية جسدية سقطت زيفها، بل هو إعلان حضور، فالجرأة هنا لا تنبع من الجهل بالخطر، بل من الإيمان بأن غياب هذه السترة يعني غياب الحقيقة.
نعلّمهم أن هذه السترة هي وصية مئات الزملاء الذين ارتقوا وهم يرتدونها، ارتداؤها بعد التخرج هو عهد على إكمال الرواية ومنع القاتل من إغلاق الملف. نحن لا نحثهم على الانتحار، بل نحثهم على "الشهادة المهنية".
نحن نحول الخوف من السترة إلى "فخر بالرسالة". عندما تصبح السترة هدفًا، فهذا اعتراف ضمني بمدى رعبهم من الصورة والكلمة. 
نقول لطلابنا: "أنتم لستم أهدافًا لأنكم ضعفاء، بل لأنكم الحقيقة الوحيدة المتبقية في عالم يملؤه الزيف نعلّمهم أن البقاء في التاريخ أسمى من مجرد البقاء على قيد الحياة.


* كيف تقرؤون صمت المؤسسات الدولية تجاه إبادة الكوادر الإعلامية؟ وهل سقطت أقنعة الحريات الغربية نهائيًا؟


أقرأ هذا الصمت الدولي تواطؤًا بنيويًا يكشف عجز المنظومة الأكاديمية والإعلامية العالمية عن حماية مبادئها عندما تتعارض مع الحسابات السياسية؛ فهذا الصمت هو إبادة ثانية؛ فقتل الصحفي والأكاديمي في غزة جسديًا ثم صمت المؤسسات الدولية عنه هو محاولة لقتله معنويًا وتغييب أثره، وبالتالي فان صمت كبريات الجامعات ومراكز الحريات الإعلامية في الغرب هو سحب للشرعية عن القيم الكونية التي طالما صدّروها لنا، مما جعلنا ندرك أن هذه القيم كانت "مشروطة" بعرق وجنسية الضحية.
نحن اليوم نُعلّم طلابنا أن الصمود في الميدان هو الذي يصنع المعايير الجديدة، وأن الرهان على "الضمير الدولي" هو رهان خاسر نحن وحدنا حراس روايتنا، والعالم الذي صمت عن ذبح زملائنا فقدَ الأهلية الأخلاقية.


* نجح الصحفيون الشباب في اختراق الرأي العام العالمي عبر منصات التواصل.. كيف تؤطر جامعة الأقصى هذا النجاح ليصبح استراتيجية وطنية؟


إن ما حققه الصحفيون الشباب هو "ثورة في أدوات الحقيقة"؛ فقد استطاعوا تجاوز حراس البوابة في الإعلام الدولي التقليدي. دورنا ككلية الاعلام بجامعة الأقصى هو تحويل هذا التأثير اللحظي إلى نهج أكاديمي ونضالي مستدام من خلال صياغة مساقات دراسية تحول "العفوية" إلى "احترافية واعية". 
هؤلاء الشباب أثبتوا أن الكاميرا البسيطة أقوى من استوديوهات ضخمة؛ لذا دورنا هو تأطير ممارساتهم ضمن معايير "إعلام المواجهة الرقمي"، لضمان استمرار التدفق المعلوماتي بنفس القوة.
ستعمل الكلية على أن تكون "بنكًا للذاكرة الرقمية"، حيث يتم أرشفة هذا المحتوى وتطويره لغويًا وتقنيًا ليخاطب العقل الغربي بمصطلحاته القانونية والحقوقية، مع الحفاظ على "الروح الفلسطينية" التي ميزت هذا الجيل.


* ما هي دلالة رقم "262" شهيدًا صحفيًا في ميزان العدل الدولي المائل؟


أقرأ رقم 262 شهيدًا من فرسان الحقيقة بدلالاتٍ عميقة تتجاوز لغة الأرقام خاصة حين نضعه في سياق المقارنة مع حروب عالمية كبرى، إن تجاوز هذا الرقم لضحايا الحرب العالمية الثانية وحرب فيتنام (التي سقط فيها قرابة 69 و63 صحفيًا على التوالي خلال سنوات طويلة) يعني أننا لسنا أمام أضرار جانبية، بل أمام استهداف وجودي لمنظومة الوعي والدلالة هنا أن الاحتلال لم يعد يكتفي بقتل الفلسطيني، بل يسعى لقتل "الشاهد" ودفن "الرواية".

79e2d55dbe.jpg


دلالة هذا الرقم هي إعلان رسمي عن موت القوانين الدولية التي صيغت بعد تلك الحروب الكبرى لحماية الصحفيين (مثل بروتوكولات جنيف). عندما تقتل حرب في عامين أكثر مما قتلته حرب عالمية في ستة أعوام، فهذا يعني أن "سترة الصحافة" والشرائع الدولية قد فُقدت قيمتها تمامًا أمام آلة القتل، وأصبحت مجرد حبر على ورق في أروقة الأمم المتحدة.
هذا الرقم هو "وصمة عار" في جبين المؤسسات الإعلامية الدولية الصامتة، وهو في الوقت نفسه "وسام دم" على صدر كل طالب وخريج في كليتنا.
إنه يقول لنا: "أنتم الرواة الذين تخشاهم الترسانة العسكرية"، وبقدر ما هو رقم موجع، هو تأكيد على أن رسالتنا الإعلامية هي معركة وجود لا تقبل الحياد.


* لو لخصنا الإبادة التعليمية داخل الكلية بلغة الأرقام الصادمة.. ما هو حجم الخسائر البشرية والمادية؟


عندما نتحدث عن خسائر كلية الإعلام، فنحن لا نتحدث عن أرقام، بل عن اغتيال لحلم جيل بأكمله، لقد قدمت الكلية ضريبة باهظة بارتقاء 53 شهيدًا من طلبتنا، وهم الذين كانوا يعدون أنفسهم ليكونوا عيونًا للحقيقة، لكنهم أصبحوا اليوم هم الحقيقة نفسها، بالإضافة إلى ارتقاء عدد من زملائنا الأكاديميين الذين كانوا منارات للعلم والمعرفة.
أما على صعيد البنية التحتية، فقد تم تدمير مباني الكلية بالكامل؛ لم يعد لدينا قاعة محاضرات، ولا مختبر تحرير، ولا استوديو إذاعي أو تلفزيوني. لقد سُويت بالأرض تلك المختبرات التي كانت تضج بأحلام الطلبة وإبداعاتهم، في محاولة واضحة لمحو الذاكرة الإعلامية والأكاديمية الفلسطينية.
يمكنني تلخيص هذا الواقع الدامي من خلال مؤشرات صادمة تعكس حجم "الإبادة التعليمية" التي تعرضنا لها، ومقارنتها بالوضع المستقر الذي كنا عليه قبل الحرب:
قبل الحرب/ كانت العملية التعليمية تسير بنسبة انتظام 100% وجاهياً داخل القاعات والمختبرات.
اليوم/ نسبة التأثر المادي هي 100%؛ حيث توقفت الدراسة الوجاهية تماماً.
نحن نتحدث عن تدمير كامل (صفر قاعة، صفر مختبر، صفر استوديو) الكلية التي كانت تضج بالحياة، أصبحت الآن ركاماً.
الطلبة/ ارتقاء 53 شهيدا من طلبة الكلية، وهذا يعني فقدان كتيبة كاملة من إعلاميي المستقبل.
الأكاديميين/ استشهاد عدد من كوادرنا التعليمية، مما يعني فقدان خبرات تراكمية لا يمكن تعويضها بالكتب.
قبل الحرب/ كان لدينا مئات الطلاب المنتظمين في تخصصات الإذاعة والتلفزيون، الصحافة، والعلاقات العامة.
اليوم/ تعذر على جميع طلاب الكلية بلا استثناء استكمال دراستهم "بالطريقة الطبيعية". هؤلاء الطلاب مشتتون الآن بين النزوح، الفقد، أو الانشغال بالبقاء، حتى المحاولات الرقمية التي نقوم بها تصطدم بواقع أن أكثر من 70% من طلابنا يواجهون صعوبات تقنية قاهرة (انعدام الإنترنت، غياب الكهرباء، وفقدان الأجهزة المحمولة التي دُمرت في منازلهم).
خسرنا أصولا تقنية ومعدات بملايين الدولارات كانت تمثل عصب التدريب العملي، هذه الخسارة لا تُقاس فقط بالمال، بل بسنوات من البناء والتطوير والتجهيز الذي انتهى في لحظة قصف واحدة.


*هل لديكم إحصائية بعدد الشهداء أو المصابين من طلاب وخريجي الإعلام خلال الفترة الأخيرة؟


إن المؤشرات الرقمية الحالية تعكس حجم الكارثة التي طالت أسرتنا الصحفية والأكاديمية، وهي إحصائيات مستمرة في التصاعد حتى تاريخ اليوم (30 نيسان 2026).
لدينا إحصائية موثقة باستشهاد 53 طالبًا وطالبة من أبناء كلية الإعلام بجامعة الأقصى منذ بداية العدوان. هؤلاء الشباب كانوا يمثلون نواة المستقبل الإعلامي الفلسطيني.
وثقت التقارير إصابة أكثر من 433 صحفيًا بجروح متفاوتة، بينهم طلاب كانوا يعملون كمصورين أو مراسلين ميدانيين متدربين، كما تعرّض عشرات الخريجين والطلاب للاعتقال خلال تأدية واجبهم الميداني.
على صعيد الكادر، ارتقى عدد من زملائنا الأكاديميين ضمن حصيلة إجمالية تجاوزت 246 أكاديميًا استُهدفوا في القطاع، وهو ما يمثل خسارة لسنوات طويلة من الخبرة في تدريس الإعلام. 
هذه الأرقام ليست مجرد إحصاء، بل هي استهداف ممنهج لـ"الشاهد" لمنع وصول الحقيقة، إن فقدان 53 طالبًا من كلية واحدة هو جرح غائر في جسد الأكاديمية الفلسطينية، ويدفعنا لإعادة النظر في سبل حماية من تبقى من هؤلاء المبدعين.


*هل أصبح اختيار دراسة الإعلام في غزة مشروع شهادة مؤجل ومهمة بلا ضمانات للنجاة؟


أقولها بمرارة: نعم، لقد تحول اختيار دراسة الإعلام في غزة من طموح مهني إلى مشروع شهادة مؤجل فعندما يقرر شاب أو شابة الالتحاق بكلية الإعلام، فهو لا يختار مهنة المتاعب فحسب، بل يختار طوعاً أن يكون في مقدمة الأهداف العسكرية.
فدراسة الإعلام أصبحت "مجازفة" لأن الطالب يدرك أن "سترة الصحافة" التي يطمح لارتدائها لم تعد توفر الحماية التي تنص عليها المواثيق الدولية، نحن نرى طلابنا يمارسون التدريب الميداني وهم يعلمون أن الكاميرا في أيديهم قد تكون سبباً في قصفهم، وهذا يجعل قرار دراسة الإعلام فعل نضالي يتجاوز مجرد الرغبة في التخرج.
وبالتالي فالعمل الصحفي في غزة هو المهنة الوحيدة في العالم التي "تعدم ضمانات النجاة" فالإحصائيات (262 شهيدًا) تثبت أن الصحفي يُستهدف في منزله، وفي خيمته، وأثناء تأدية واجبه، نحن نصفها لطلابنا بأنها "مهمة انتحارية بوعي وطني"؛ فالفلسطيني يمارس الصحافة وهو يعلم أن نسبة نجاته تكاد تكون معدومة لكنه يستمر لأن البديل هو موت الرواية.


* ختامًا دكتور غسان.. كيف تشرح لطلابك أن ثمن الحقيقة قد يكون حياتهم؟


الحقيقة أن الطلبة هم من يقدموا لي الشهادات الميدانية من خلال ممارساتهم وكيف يمارسون الموت كل يوم فداء للرواية الصادقة فنحن أمام حالة استثنائية يتحول فيها الطالب إلى أستاذ جامعي ليقدم دروسًا في الممارسات الإعلامية الأكثر أخلاقية في التاريخ البشري.

13557e59ed.jpg
إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق