مَن يربى المربين؟

الوفد 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

«رغيفين» وكيس فول.. تفتح الملف

الثلاثاء 05/مايو/2026 - 08:52 ص 5/5/2026 8:52:39 AM

رئيس اتحاد أولياء الأمور: واقعة بنى سويف تكشف خللًا فى أساليب التعامل التربوى داخل المدارس

منظومة اختيار المعلّمين بحاجة إلى إعادة نظر شاملة 

خبير تربوي: اختيار المعلّم لا يقل أهمية عن اختيار المناهج الدراسية

استشارى نفسي: الاعتذار لا يمحو الجرح النفسى.. والدعم هو الحل

 

رغم اعتذاره عمّا بدر منه فى حق التلميذة الصغيرة، فإن واقعة إهانة مسؤول بحجم وكيل وزارة التربية والتعليم لتلميذة صغيرة تركت جرحا اجتماعيا غائرا، وشغلت الرأى العام كله: فى البيوت والمدارس، وعلى وسائل التواصل الاجتماعى، وتحت قبة البرلمان.
والسؤال الخطير الذى أثارته هذه الواقعة هو: كيف يتم اختيار المسؤولين فى الحقل التعليمي؟ خاصةً إذا كان المسؤول معلّمًا يُربى التلاميذ على القيم الإيجابية.
فالمعلّم مسؤولية، واختياره يجب أن يكون قائمًا على أسس كثيرة، أولها سلوكه وأخلاقه، وهل يتمتع بنفسية سوية أم لا. فهناك الكثير من المعلمين يحملون أعلى الشهادات، لكن نفوسهم غير سوية، وأخلاقهم وسلوكهم مريضة، وتكمن الخطورة هنا فى تعاملهم مع الأطفال وتأثيرهم عليهم.
وفى واقعة أثارت جدلًا واسعًا، تنمّر مسؤول بوزارة التربية والتعليم على طالبة تحمل كيس فول وعيش بمحافظة بنى سويف. قد تبدو الواقعة بسيطة للبعض، لكنها فى الحقيقة ليست كذلك، لأنها صدرت من مسؤول يُفترض أنه نموذج للقيم والتربية قبل التعليم، وقدوة يُحتذى بها أمام الطلاب.
فكيف لشخص فى هذا الموقع أن يتنمّر على فقر طالبة؟ المفترض أنه يمنع التنمّر بين الطلاب، لا أن يمارسه بنفسه. ما حدث لم يكن مجرد موقف عابر، بل جرح نفسى أمام زملائها، وحتى الاعتذار الذى جاء تحت ضغط، بعد انتشار الواقعة وغضب الرأى العام، لن يمحو أثر هذا الجرح.
فالمعلّم ليس مجرد ناقل للعلم، بل هو نموذج سلوكى يتشكل على يديه وعى الطفل وشخصيته. فكيف يكون مُربيًا يُعلّم أجيالًا رفض التنمّر وهو يمارسه؟ كيف يكون قدوة وهو يفتقد أبسط معايير السلوك السوي؟
أفعال كثيرة تفقد المعلّم قيمته، وخطورته الحقيقية أن فساده لا يقف عند فرد، بل يفسد جيلًا كاملًا، بينما صلاحه يُصلح به المجتمع بأكمله.
هذه الواقعة تفتح بابًا واسعًا من التساؤلات: هل الاعتذار يكفي؟
وأين مسؤولية اختيار وتأهيل من يتعاملون مع الطلاب؟
وهل يتم تقييم المعلّم نفسيًا وسلوكيًا أم فقط علميًا؟
وأين الرقابة على ما يحدث داخل المدارس، فى ظل أزمات أخرى مثل سوء التغذية، ودورات المياه غير الآدمية، والعنف المدرسي؟
ويؤكد مختصون أن تجاهل الجانب النفسى والسلوكى عند اختيار المعلّم قد يؤدى إلى نتائج كارثية، خاصة فى المراحل العمرية المبكرة، حيث يكون الطفل أكثر عرضة للتأثر والانكسار. فالتنمّر عندما يصدر من طالب يمكن علاجه، لكن عندما يصدر من معلّم أو مسؤول، فإنه يمنح الطلاب مبررًا لتقليده.
فى هذا الصدد، قالت الدكتورة نادية جمال- استشارى الصحة النفسية والعلاقات الأسرية، إن هذه الواقعة تطرح تساؤلات جوهرية حول دور المسؤولين داخل المنظومة التعليمية، موضحةً أنه من غير المقبول أن يصدر مثل هذا السلوك من شخص يُفترض أن يكون مصدر دعم وحماية للطالبة، لا سببًا فى إيذائها.
وأكدت أن المسؤول فى التربية والتعليم يجب أن يكون أول من يدافع عن الطلاب ويحفظ كرامتهم، ويتصدى لأى شكل من أشكال الأذى أو التنمّر، لأنه يمثل قدوة ونموذجًا يُحتذى به فى السلوك.
وأضافت أن مسمّى «التربية والتعليم» ليس مجرد ترتيب لفظى، بل يعكس أولوية حقيقية، حيث تأتى التربية فى المقام الأول قبل التعليم. وبالتالى، فإن أى مسؤول داخل هذه المنظومة تقع على عاتقه مسؤولية تصحيح السلوكيات الخاطئة، وتوفير بيئة آمنة نفسيًا للطلاب، تحميهم من التعرض لأى إساءة، وليس العكس بأن يكون هو مصدر الأذى.
وأشارت إلى أن ما حدث مع الطالبة لم يكن مجرد تعليق عابر، بل يحمل رسائل سلبية خطيرة، حيث أعطاها صورة مؤلمة عن نفسها، وربط بينها وبين الفقر بشكل مهين، وكأن بساطة طعامها سبب يدعو للسخرية.
وأوضحت أن هذا النوع من الإهانات العلنية، خاصة أمام الآخرين، قد يترك أثرًا نفسيًا عميقًا، ويؤدى إلى كسر ثقة الطفلة بنفسها، ويجعلها عرضة لمزيد من التنمّر من زملائها.
وشددت على أن الاعتذار، رغم أهميته، لا يمكن اعتباره كافيًا فى مثل هذه الحالات، لأنه لا يمحو الأثر النفسى الذى خلّفه الموقف.
وأكدت ضرورة اتخاذ خطوات عملية لدعم الطالبة، تبدأ بالتواصل المباشر معها، وشرح أن ما حدث خطأ جسيم لا يصح أن يصدر عن مسؤول، مع التأكيد لها أن الخطأ ليس فيها على الإطلاق.
كما طالبت بضرورة حذف الفيديو المتداول للواقعة من جميع المنصات، حتى لا تتعرض الطالبة لإعادة مشاهدة الموقف أو سماع تعليقات قد تزيد من معاناتها النفسية.
وأكدت أهمية تقديم دعم نفسى حقيقى لها، والاستماع لمشاعرها، وتعزيز ثقتها بنفسها.
واختتمت حديثها بالتأكيد على ضرورة تكريم الطالبة، تقديرًا لسلوكها الهادئ وعدم ردّها بالإساءة رغم ما تعرضت له، مع توجيه رسالة واضحة لها بأن بساطة طعامها أو ظروفها المعيشية ليست سببًا للتنمّر، وأن قيمتها لا تُقاس بأى مظهر مادى، بل بما تحمله من أخلاق واحترام.
من جانبها، أكدت داليا الحزاوى، الخبيرة التربوية ومؤسس ائتلاف أولياء أمور مصر، أن واقعة «رغيفين عيش وكيس فول» داخل إحدى مدارس إهناسيا بمحافظة بنى سويف لا يمكن التعامل معها باعتبارها موقفًا عابرًا أو بسيطًا، بل هى مؤشر واضح على وجود خلل فى بعض أساليب التعامل التربوى داخل المدارس.
وأوضحت أن مثل هذه الوقائع تكشف عن حاجة ملحّة لإعادة تأهيل وتدريب القيادات التعليمية والمعلمين، ليس فقط على الجوانب الأكاديمية، ولكن على أساليب التعامل الإنسانى والتربوى السليم مع الطلاب، خاصة فى المراحل العمرية الحساسة.
وأضافت الحزاوى أن حتى لو كان الهدف من تصرف المسؤول هو التوعية الصحية، كما جاء فى البيان الرسمى، فإن الأسلوب الذى تم به ذلك لم يكن مناسبًا على الإطلاق، إذ أدى إلى إحراج الطالبة أمام زميلاتها، وهو ما قد يشعرها بالتقليل من شأنها أو تعرضها للتنمّر.
وأشارت إلى أن مثل هذه المواقف قد تترك أثرًا نفسيًا سلبيًا على الطفل، قد يصل إلى كراهية المدرسة أو النفور منها، خاصة إذا لم يتم التعامل مع الموقف باحتواء وتقدير لمشاعر الطالبة.
وشددت على أن هناك فارقًا كبيرًا بين التوجيه التربوى السليم، الذى يراعى الخصوصية والاحترام، وبين تعريض الطالب لموقف علنى قد يسبب له أذًى نفسيًا عميقًا.
وأكدت أنه كان من الأفضل توجيه الطالبة بشكل فردى، أو من خلال الأخصائى الاجتماعى، بما يحفظ كرامتها ويجنبها الشعور بالإهانة أمام الآخرين.
كما أوضحت أن الطالبة لم ترتكب أى خطأ يستدعى هذا الأسلوب، وأن طبيعة الإفطار الذى تحمله تعكس ظروفها الاجتماعية، وهو ما كان يتطلب دعمًا نفسيًا واحتواءً، لا تعليقًا أو لفت انتباه الآخرين إليه بطريقة قد تُفهم على أنها سخرية أو تنمّر.
وانتقدت الحزاوى أيضًا اصطحاب مصورين خلال الزيارة، معتبرة أن ذلك ساهم فى تضخيم الواقعة ونشرها بشكل أوسع، وهو ما يمثل انتهاكًا لحق الطالبة فى الحفاظ على كرامتها وخصوصيتها، خاصة فى موقف حساس كهذا.
وأكدت أن الحفاظ على مشاعر الطلاب وكرامتهم يجب أن يكون أولوية قصوى لدى أى مسؤول داخل المنظومة التعليمية.
وقدمت الحزاوى مجموعة من النصائح لأولياء الأمور فى حال تعرض أبنائهم لمواقف تنمّر، سواء من زملائهم أو من داخل المدرسة. وأوضحت أن الخطوة الأولى تتمثل فى الاستماع للطفل بهدوء واحتوائه نفسيًا، دون التقليل من مشاعره، ثم التواصل مع إدارة المدرسة ومقابلة الأخصائى الاجتماعى لمعرفة تفاصيل الواقعة، والتأكد من اتخاذ الإجراءات اللازمة وفق لائحة الانضباط المدرسية.
أما إذا كان المتنمّر أحد المعلمين، فأكدت ضرورة التقدم بشكوى رسمية إلى إدارة المدرسة أو الإدارة التعليمية، لضمان التحقيق فى الواقعة ومحاسبة المسؤول، مع الاستمرار فى دعم الطفل نفسيًا وتعزيز ثقته بنفسه.
مصطفى كامل: اختيار المعلّم لا يقل أهمية عن اختيار المناهج الدراسية
من جانبه، أكد الدكتور مصطفى كامل، استشارى التدريب والتطوير الدولى والخبير التربوى، أن الحديث عن تطوير التعليم لا يمكن فصله عن جودة اختيار العناصر البشرية داخل المنظومة التعليمية، مشيرًا إلى أن اختيار المعلمين والمسؤولين لا يقل أهمية عن اختيار المناهج الدراسية نفسها، نظرًا لدورهم المحورى فى تنفيذ العملية التعليمية وتحقيق أهدافها.
وأوضح أن منظومة اختيار المعلمين فى مصر بحاجة إلى إعادة نظر شاملة، حيث يعتمد القبول فى كليات التربية بشكل أساسى على المجموع الدراسى، بينما تأتى اختبارات القدرات والتقييمات النفسية والمقابلات الشخصية فى مرتبة ثانوية، وغالبًا ما تكون شكلية، وهو ما قد يسمح بمرور عناصر غير مؤهلة تربويًا أو نفسيًا للتعامل مع الطلاب.
وأشار إلى أن المعلّم الناجح لا يقتصر دوره على نقل المعرفة، بل يجب أن يمتلك مجموعة من المهارات والمعايير الأساسية، من بينها الثقافة العامة والاطلاع الواسع، والإلمام باستراتيجيات التعليم الحديثة التى تراعى الفروق الفردية بين الطلاب، إضافة إلى القدرة على ربط المناهج المختلفة ببعضها البعض، بما يحقق التكامل المعرفى ويساعد الطالب على توظيف ما يتعلمه فى حياته اليومية.
كما شدد على أهمية الجانب الإنسانى والاجتماعى فى شخصية المعلّم، مؤكدًا أن المدرسة تمثل عالمًا مصغرًا يقضى فيه الطالب جزءًا كبيرًا من يومه، ما يجعل المعلّم فى موقع الأب والمربى والمرشد، وليس مجرد ناقل للمعلومة.
ولذلك، فإن تدريب المعلمين على التعامل الإنسانى السوى مع الطلاب يجب أن يكون جزءًا أساسيًا من برامج التأهيل، من خلال مواقف تطبيقية واقعية داخل الأنشطة الصفية واللاصفية.
وأكد أن للمدرسة دورًا رئيسيًا فى غرس قيم احترام الآخر ونبذ التنمّر، من خلال تفعيل لائحة الانضباط المدرسية بشكل عادل على جميع أطراف العملية التعليمية، سواء طلابًا أو معلمين أو إداريين، بما يضمن خلق بيئة تعليمية آمنة قائمة على الاحترام المتبادل وقبول الاختلاف دون تمييز أو سخرية.
واختتم حديثه بالتأكيد على أن بناء منظومة تعليمية ناجحة يبدأ من الاهتمام بالإنسان قبل أى شيء، وأن تنشئة جيل يتمتع بالتوازن النفسى والاجتماعى، وقيم الاحترام والتقدير، من شأنها أن تسهم فى بناء مجتمع أكثر استقرارًا، بعيدًا عن الصراعات والمشكلات، وقادرا على التقدم والاستفادة من طاقاته البشرية بشكل إيجابى.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق