البنوك ترفع الفائدة والانظار تتجه لاجتماع 21 مايو
يعمل البنك المركزى المصرى على كبح التضخم، بعد صدمات الحرب على الأسعار، ذلك من خلال تحريك رفع أسعار الفائدة فى البنوك وقبل اجتماعه القادم.
وتجتمع لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزى يوم 21 مايو للنظر فى أسعار الفائدة وسط تحديات صعبة وضغوط تضخمية بسبب الحرب على إيران والتى بدأت 28 فبراير 2026. وتشهد السوق المصرفية تحركات فى أسعار العائد داخل عدد من البنوك، فى إطار سياسة تستهدف كبح جماح التضخم بشكل غير مباشر.
ويرى خبراء أن السياسة النقدية التى يتبناها البنك المركزى المصرى تستهدف تحقيق توازن دقيق بين الحفاظ على معدلات عائد جاذبة لأصحاب الودائع، وبين دعم النشاط الاقتصادى وتجنب الدخول فى موجات ركود محتملة.
كان لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزى قد فى اجتماعها يوم الخميس 2 أبريل 2026 الإبقاء على أسعار العائد الأساسية دون تغيير، حيث تم تثبيت سعر الإيداع لليلة واحدة عند 19%، وسعر الإقراض عند 20%، وسعر العملية الرئيسية عند 19.5%، وكذلك سعر الائتمان والخصم عند 19.5%. ويأتى القرار فى ظل استمرار حالة عدم اليقين العالمية الناتجة عن التوترات الجيوسياسية، والتى أثرت على سلاسل الإمداد وأسعار الطاقة والغذاء، ما دفع البنوك المركزية عالميًا إلى اتباع نهج حذر والإبقاء على السياسات النقدية دون تغيير أو تباطؤ وتيرة التيسير.
ومحليًا، أشار البنك المركزى إلى تباطؤ طفيف فى نمو الاقتصاد خلال الربع الأول من 2026 إلى ما بين 4.8% و5%، مع خفض توقعات النمو للعام المالى 2025/2026 إلى 4.9%، مقابل 5.1% سابقًا، نتيجة تداعيات الصراع الإقليمى، رغم استمرار دعم قطاعات الصناعة والتجارة والاتصالات للنشاط الاقتصادى. وفيما يخص التضخم، ارتفع المعدل السنوى إلى 13.4% فى فبراير 2026، بينما سجل التضخم الأساسى 12.7%، متأثرًا بزيادة الرسوم الدراسية وبعض العوامل الموسمية، إلى جانب ضغوط أسعار الغذاء.
وأكد البنك المركزى أن استمرار التوترات الإقليمية أدى إلى زيادة المخاطر التضخمية، ما دفعه إلى تعليق دورة التيسير النقدى مؤقتًا، والإبقاء على سياسة نقدية تقييدية بهدف احتواء التضخم ودعم استقرار الأسعار، مع الاستمرار فى متابعة التطورات واتخاذ القرارات وفق المستجدات الاقتصادية.
أعلنت عدد من البنوك العاملة فى مصر رفع أسعار الفائدة بنحو 1.25% على الشهادات الادخارية ذات العائد الثابت التى يتم صرف عائدها شهريًا، وذلك اعتبارًا من يوم الأربعاء 22 أبريل.
قال محمد الأتربى، الرئيس التنفيذى للبنك الأهلى المصرى، إن لجنة الأصول والخصوم (الألكو) قررت تعديل العائد على الشهادات البلاتينية الثلاثية ذات العائد الشهرى ليصبح 17.25% بدلًا من 16%، موضحًا أن القرار بدأ تطبيقه اعتبارًا من 22 أبريل عبر جميع فروع البنك وتطبيقاته الإلكترونية. وأضاف أن هذه الخطوة تأتى فى إطار استراتيجية البنك لتقديم حلول ادخارية متنوعة تناسب مختلف شرائح العملاء.
وفى السياق ذاته، أوضح هشام عكاشة، الرئيس التنفيذى لبنك مصر، أن البنك عدل العائد السنوى على شهادة “القمة” الثلاثية ذات العائد الثابت ليصبح 17.25% بدورية صرف شهرية بدلًا من 16%. وأشار إلى إمكانية شراء أو تجديد الشهادة من خلال القنوات الإلكترونية للبنك، بما فى ذلك الإنترنت والموبايل البنكى BM Online، إضافة إلى ماكينات الصراف الآلى المنتشرة فى أنحاء الجمهورية، وشبكة الفروع التى تضم نحو 900 فرع ووحدة مصرفية، بما ييسر الخدمات على العملاء. وتبدأ فئات شهادة “القمة” من 1000 جنيه مصرى ومضاعفاتها، وتُصدر للأفراد الطبيعيين، على أن يتم احتساب مدة الشهادة اعتبارًا من يوم العمل التالى لتاريخ الشراء. كما يتيح البنك لحاملى الشهادة الحصول على تسهيلات ائتمانية تشمل الاقتراض بضمان الشهادة أو إصدار بطاقات ائتمانية، مع إمكانية استرداد قيمتها بعد مرور 6 أشهر من تاريخ الإصدار وفقًا للضوابط المعتمدة.
وفى ميدبنك، قال محمود جمال، رئيس قطاع التجزئة المصرفية، إن البنك طرح شهادة ادخارية بعائد سنوى 17.25% يُصرف شهريًا، لمدة 3 سنوات، مع بدء احتساب العائد من يوم العمل التالى للشراء. وتبلغ قيمة الشهادة 1000 جنيه ومضاعفاتها، مع حد أدنى للشراء يبدأ من 10 آلاف جنيه، وتُتاح للأفراد من المصريين والأجانب. كما يتيح البنك استرداد قيمتها بعد مرور 6 أشهر من تاريخ الشراء، إضافة إلى إمكانية الاقتراض بضمانها بنسبة تصل إلى 95% من قيمتها، بعائد يزيد بنسبة لا تقل عن 2% فوق سعر العائد المطبق، إلى جانب العمولات المقررة.
وأكد جمال أن البنك يواصل تطوير أدوات ادخارية متنوعة تلبى احتياجات العملاء المختلفة، ويهدف إلى تعزيز ثقافة الادخار ودعم الاستقرار المالى للأفراد من خلال تقديم منتجات مرنة تجمع بين العائد المجزى وتوفير السيولة عند الحاجة، بما يتماشى مع تطورات السوق واحتياجات العملاء المتغيرة.
التعليق التكتيكي
يقول محمد عبد العال، الخبير المصرفى، إن قرار البنك الأهلى المصرى وبنك مصر برفع العائد على الشهادات الثلاثية إلى 17.25% يعكس تفاعلًا مرنًا من الجهاز المصرفى مع التطورات الاقتصادية الحالية، فى إطار يجمع بين تلبية احتياجات العملاء ومواكبة المتغيرات النقدية.
وأوضح أن القرار يأتى فى توقيت تتسم فيه السياسة النقدية بالحذر، حيث تواصل لجنة السياسة النقدية تقييم المشهد الاقتصادى دون حسم اتجاه واضح، وهو ما يعزز من دور البنوك فى استخدام أدواتها السوقية لإدارة السيولة. كما أشار إلى أن هذا التحرك لا يتعارض مع التوجه العام، بل يكمله ويضيف إليه أبعادًا نقدية واقتصادية أعمق، خاصة فى ظل ما وصفه بـ”التعليق التكتيكي” للسياسة النقدية من جانب اللجنة.
وأضاف أن القرار يجمع بين البعد الاجتماعى والبعد النقدى، إذ يخدم شريحة واسعة من المدخرين فى ظل الضغوط التضخمية، من خلال توفير أداة لحماية القوة الشرائية. وفى الوقت نفسه، يعكس قراءة استباقية لاحتمالات استمرار التضخم، ويعمل كأداة لامتصاص السيولة دون انتظار قرار رسمى من البنك المركزى.
وفيما يتعلق بتوقيت القرار، أوضح عبد العال أن هناك عدة عوامل مؤثرة، أبرزها ارتفاع معدلات التضخم مؤخرًا، وتوقع استمرار الضغوط نتيجة أسعار الطاقة وسعر الصرف، إلى جانب الارتفاع النسبى فى عوائد أدوات الدين العام، وهو ما يهيئ بيئة مناسبة لإعادة تسعير بعض الأوعية الادخارية، بما يحقق إدارة متوازنة للسيولة دون الإخلال بالاستقرار المالى.
وأشار إلى أن هذه الخطوة لا تتعارض مع سياسة التيسير النقدى، موضحًا أن ما يشهده السوق حاليًا هو تيسير نقدى مُقيد أو انتقائى، يتمثل فى تعليق خفض الفائدة رسميًا، مع الاعتماد على أدوات سوقية لضبط السيولة والتوقعات التضخمية، مع إمكانية عقد لجنة السياسة النقدية اجتماعًا استثنائيًا فى أى وقت وفقًا لتطورات الأوضاع.
ولفت إلى أن القرار قد يدفع البنوك الأخرى إلى اتخاذ تحركات مماثلة، بما يشمل إعادة تسعير تدريجية للأوعية الادخارية، وارتفاعًا محسوبًا فى تكلفة الأموال، مع استمرار قدرة البنوك على التوازن، مدعومة بارتفاع عوائد أدوات الدين الحكومى وزيادة الطلب على التمويل فى ظل مستويات الإقراض الحالية.
وأكد عبد العال أن رفع العائد على الشهادات يعيد ترتيب أولويات المستثمرين، حيث تصبح الودائع البنكية أكثر جاذبية، مع احتمالات تراجع نسبى فى الطلب الاستثمارى على العقار، وإعادة توازن فى سوق الذهب، وضغوط على صناديق الاستثمار قصيرة الأجل.
وبشأن توقعات اجتماع لجنة السياسة النقدية، أوضح أن المؤشرات الحالية ترجح استمرار الحذر والاعتماد على أدوات غير مباشرة، مع تأجيل قرارات الحسم لحين وضوح مسار التضخم. وأضاف أن اجتماع 21 مايو المقبل قد يشهد استمرار التعليق التكتيكى لدورة التيسير النقدى أو تثبيت أسعار العائد، إلى أن تتضح الصورة الاقتصادية فى ظل حالة عدم اليقين العالمية والإقليمية التى تمتد تداعياتها إلى مصر.
توقيت بالغ الحساسية
قال هانى أبو الفتوح، الخبير المصرفى، إننا لا نقف هنا أمام منافسة تقليدية بين شهادات الادخار ولا أمام تحركات عادية فى عوائد البنوك، بل أمام صياغة مالية أكثر تعقيدًا، هدفها الجوهرى حماية الاقتصاد الكلى من صدمات السياسة النقدية فى لحظة بالغة الحساسية.
وأوضح أن البنك الأهلى المصرى وبنك مصر لا يتحركان فقط من منطق الربحية، فهما بنكان حكوميان لهما دور أوسع يرتبط بامتصاص السيولة ومنح صانع السياسة النقدية هامشًا زمنيًا إضافيًا قبل اتخاذ قرارات أكثر كلفة، خصوصًا فى ظل مشهد إقليمى وجيوسياسى غير مستقر وحالة عدم يقين عالمية ممتدة.
وأشار إلى أن الدافع الأعمق لهذه المعادلة يرتبط بتفادى ارتفاع تكلفة خدمة الدين العام، فمستوى الفائدة الحالى عند 19% يعنى أن أى تشديد إضافى سينعكس سريعًا على أعباء الموازنة. ومع وصول الدين العام إلى ما بين 76% و78% من الناتج المحلى، تصبح أى زيادة فى العوائد عبئًا إضافيًا على العجز المستهدف عند 5.2%. ومن هنا تأتى أهمية إدارة الأدوات الادخارية كحل مؤقت لتخفيف الضغط دون التأثير المباشر على سوق الدين الحكومى.
وأضاف أن النقطة الجوهرية التى لا يمكن إغفالها هى أن التكلفة لم تُلغَ، لكنها تغيّر موقعها داخل المنظومة المالية، فالبنوك الحكومية التى تمتلك قاعدة رأسمالية متينة وخبرة فى امتصاص الصدمات تتحول فعليًا إلى خط دفاع أول، إلا أن ما يتم امتصاصه فى الأعلى يعود لاحقًا إلى الاقتصاد فى صورة تكلفة تمويل أعلى تدريجيًا.
وأوضح أن رفع العوائد على الشهادات يسحب السيولة من السوق سواء من الاستهلاك أو من الدولرة، وهو ما يمنح قدرًا من الاستقرار النسبى لسعر الصرف والتضخم، كما يتيح للبنك المركزى مساحة انتظار دون اللجوء إلى رفع رسمى لأسعار الفائدة، بما يحمى الموازنة من أعباء إضافية قد تُقدّر بمليارات الجنيهات سنويًا.
وفى الخلفية، أشار إلى أن هذه السياسة تسهم فى تهدئة حركة رؤوس الأموال الساخنة، إذ يظل المستثمر الأجنبى يراقب قدرة الدولة على إدارة السيولة دون اهتزازات حادة. وبدلًا من الدخول فى تشديد نقدى طويل، يتم الاعتماد على أدوات ادخارية مؤقتة لحين تحسن الظروف الخارجية وهدوء الضغوط الجيوسياسية.
لكنه لفت إلى أن هذا الاستقرار الظاهرى يخفى تناقضًا داخليًا، فامتصاص السيولة عبر البنوك يرفع تكلفة الأموال داخل الجهاز المصرفى نفسه، وهو ما قد يظهر لاحقًا فى صورة قروض أكثر تكلفة أو أقل توافرًا، بما ينعكس سلبًا على الاستثمار والإنتاج.
واختتم أبو الفتوح بأننا أمام إدارة للوقت بقدر ما هى إدارة للاقتصاد، حيث لا تُلغى التكلفة بل يعاد توزيعها بين أطراف النظام المالى وتؤجل لحين لاحق، مع بقاء التساؤل مفتوحًا حول مدى قدرة هذا النهج على الاستمرار قبل أن ينتقل العبء بالكامل إلى الاقتصاد الحقيقى.

















0 تعليق