اسرائيل والزوال القريب

الوفد 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

أنا حر

الأحد 26/أبريل/2026 - 06:01 م 4/26/2026 6:01:37 PM

تاريخياً، لم تكن الدول التي قامت كذيول لقوى عظمى بعيدة بمنأى عن تقلبات السياسة الدولية، فالدولة التي تعتمد في بقائها على مدد خارجي مستمر تظل رهينة لمصالح تلك القوى وتحولاتها الداخلية. واليوم ونحن نراقب المشهد العالمي، نجد أن الولايات المتحدة الأمريكية، الداعم التاريخي والأكبر لإسرائيل، تمر بمرحلة من المراجعة الذاتية القاسية. لم يعد الدعم المطلق محل إجماع داخل المؤسسات الأمريكية، بل أصبح مادة للسجال الانتخابي وضغط الشارع الذي بات يرى في الانحياز الأعمى عبئاً أخلاقياً وسياسياً يستنزف موارد الدولة ومكانتها الدولية، هذا التراجع في المركزية الأمريكية تزامن مع بزوغ فجر عالم متعدد الأقطاب، حيث لم تعد واشنطن وحدها من ترسم خرائط النفوذ، بل دخلت قوى كبرى كالصين وروسيا لتفرض معادلات جديدة تجبر إسرائيل على إعادة حساباتها في بيئة لم تعد توفر لها الحماية الدبلوماسية والعسكرية المطلقة التي اعتادت عليها لعقود.
وإسرائيل اليوم تواجه معضلة "العمق الاستراتيجي المفقود"، فهي تعيش في محيط جغرافي لم تنجح في الاندماج معه عضوياً، وتعتمد على تكنولوجيا وتفوق عسكري باهظ التكاليف لا يمكن استدامته دون تدفق مالي وتقني خارجي. ومع تزايد الاستقطاب العالمي، تجد إسرائيل نفسها أمام خيارات صعبة، فإما التخلي عن عقيدة الاعتماد على القوة وحدها، والبحث عن مسارات سياسية قد تقوض أسس فكرتها القومية المتطرفة، أو الاستمرار في مواجهة الاستنزاف الذي بدأ يطال بنيتها الاقتصادية والاجتماعية بشكل غير مسبوق.

والصراع المباشر والمحتدم حالياً مع إيران هو أحد أخطر العوامل التي تُسرّع من احتمالات الانهيار الهيكلي لإسرائيل، ليس فقط لكونه مواجهة عسكرية كبرى، بل لتحوله إلى حرب استنزاف شاملة تضرب أسس "الأمن القومي" والنموذج الاقتصادي الذي قام عليه الكيان. فبينما كانت إسرائيل تعتمد تاريخياً على "الحروب القصيرة" الخاطفة خارج حدودها، نجد أن المواجهة الحالية قد نقلت المعركة إلى قلب المدن والمراكز الحيوية، مما أدى إلى تحطيم مفهوم "الملاذ الآمن" الذي جذب المهاجرين والاستثمارات لعقود.
كما أن هذا الاستنزاف لا يتوقف عند حدود المعارك العسكرية، بل يمتد ليضرب العصب الحساس للدولة وهو "الاقتصاد التكنولوجي" والقدرة على الجذب السكاني. لأن الفكرة التي قامت عليها إسرائيل بصفتها "الملاذ الآمن" تتعرض اليوم لاهتزاز عنيف، فالحروب الطويلة والمستمرة، وتصاعد التهديدات السيبرانية ، حوّلت هذا الملاذ إلى ساحة مواجهة دائمة. هذا الوضع دفع بقطاعات واسعة من النخبة المتعلمة وأصحاب رؤوس الأموال إلى التفكير بجدية في الهجرة المعاكسة، وهو نزيف صامت يفرغ الدولة من قوتها المحركة ويضعف قدرتها على المنافسة العالمية 

قراءة التاريخ تمنحنا مؤشرات قوية على أن الدول والكيانات التي تعتمد كلياً على دعم خارجي فائق دون تحقيق انسجام حقيقي مع محيطها الجغرافي تظل دائماً مهددة بالزوال بمجرد اهتزاز ذلك الدعم، ويمكننا استحضار تجربة "ممالك الفرنجة" أو الممالك الصليبية في الشام كمثال تاريخي صارخ، حيث استمرت تلك الممالك لنحو قرنين من الزمان بفضل التفوق العسكري والدعم المتواصل من أوروبا، لكن بمجرد أن غرق الغرب في صراعاته الداخلية وتراجعت حماسته لإرسال الحملات، وجدت تلك الكيانات نفسها معزولة أمام قوى إقليمية صاعدة استعادت توازنها، وهو ما يشبه إلى حد كبير وضع إسرائيل التي تعيش اليوم في "حالة حصار دائم" تعوضه بالتفوق التقني الأمريكي، فإذا ما استمر التراجع الأمريكي وانشغلت واشنطن بصراعات المحيط الهادئ ضد الصين، فإن إسرائيل ستفقد "العمق الاستراتيجي" الذي كان يرمم تصدعاتها الداخلية.
وإسرائيل اليوم تعيش حالة من "الحروب الثقافية" والهوية التي لم تعد تقبل الحلول الوسطى، فالفجوة بين التيار العلماني الليبرالي الذي بنى أسس الدولة واقتصادها التكنولوجي، وبين التيارات الدينية القومية والمتشددة التي تزداد توغلاً في مفاصل الحكم، وصلت إلى مرحلة كسر العظم، والتهديد المباشر للعقد الاجتماعي الذي قامت عليه الدولة.

 

الجيش الذي كان يُعتبر "بوتقة الانصهار" ومصدر الإجماع الوطني، بدأ يتأثر بهذه الانقسامات، حيث شهدنا في الأعوام الأخيرة تمرداً صامتاً من قبل طيارين وضباط احتياط يرفضون المسار السياسي المتطرف، وهذا يعني أن الأداة العسكرية التي هي "ضمانة البقاء" الوحيدة لم تعد بمنأى عن التفكك السياسي، فالدولة التي يفقد جيشها تجانسه وعقيدته القتالية الموحدة تفقد قدرتها على الردع، مما يشجع خصومها الإقليميين على استغلال هذه الثغرات العميقة.
وعلاوة على ذلك، فإن تصاعد قوة "اليمين المتطرف" وفرضه لأجندات تصادمية لا يعزل إسرائيل دولياً فحسب، بل يضعها في مواجهة مع حلفائها التقليديين في الغرب الذين يجدون صعوبة متزايدة في تسويق دعمهم لدولة تتبنى سياسات توصف بالعنصرية أو الثيوقراطية، وهذا المسار يؤدي بالضرورة إلى "تآكل الشرعية" التي استمدتها إسرائيل من النظام العالمي ما بعد الحرب العالمية الثانية، فالدولة التي تفقد مبرر وجودها الأخلاقي والقانوني في نظر العالم تصبح عبئاً ثقيلاً حتى على أقرب المقربين، والمعضلة الكبرى التي تواجه البقاء الوجودي هي "الهجرة المعاكسة" التي لم تعد مجرد حالات فردية، بل تحولت إلى ظاهرة اجتماعية مقلقة، وهذا التآكل النوعي هو المسمار الأخير الذي يدق في نعش الاستقرار الطويل الأمد، فالدولة التي يرحل عنها بناؤها الحقيقيون لا يمكنها الصمود بوجه العواصف التاريخية.
إن زوال الكيانات لا يحدث دائماً بضربة قاضية واحدة، بل بتراكم عوامل الفناء التي تجعل البقاء عبئاً ثقيلاً لا يمكن حمله، فمع تراجع الهيمنة الأمريكية وبروز أقطاب دولية جديدة لا ترى في إسرائيل حليفاً "مقدساً"، ومع تفاقم الصراع الداخلي بين العلمانية والثيوقراطية، وانهيار الميزة الاقتصادية التنافسية، يجد هذا الكيان نفسه في مواجهة حتمية مع سنن التاريخ التي لا تحابي أحداً. 
لقد علمتنا دروس التاريخ أن الإمبراطوريات والكيانات التي تعيش في حالة إنكار للجغرافيا وتحدٍ مستمر للتاريخ تنتهي دائماً إلى نقطة الانكسار، وهذه النقطة تبدو اليوم أقرب من أي وقت مضى بفعل تضافر عوامل الوهن الداخلي مع تنامي الرفض الإقليمي والعالمي. وفقدان الغطاء الأخلاقي وسقوط السرديات التي بررت الوجود لعقود يمهدان الطريق للحظة الختام، مما يمهد لنهاية حقبة من التوتر المستمر لصالح عودة المنطقة إلى منطقها الطبيعي وهويتها الأصيلة.
هذا الزوال المرتقب ليس مجرد احتمال سياسي، بل هو حتمية كونية تصيب كل من يحاول الوقوف في وجه تيار التحرر والعدالة، إذ إن استنزاف الروح المعنوية والارتباك في الرؤية الاستراتيجية هما النذيران الأخيران لغروب شمس هذا الكيان. وبذلك، يكتمل المشهد بصورة تؤكد أن التغيير الشامل والنهائي قادم لا محالة، ليرسم خارطة جديدة تخلو من شوائب الصراع المفروض، وتعيد ترتيب الأوراق وفقاً لموازين الحق والواقع التاريخي الذي لا يرحم المتغافلين عن سننه.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق