حكم بيع المبرمج قاعدة البيانات الشخصية لشركة خاصة

الوفد 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

من المقرر شرعًا أن الحفاظ على النفس والأمن الفردي والمجتمعي أحد أهم مقاصد الشريعة الغراء، وركنٌ ركين من كلياتها الخمس العليا؛ لذا أقام الشرع الحنيف أحكامه على قاعدة عظيمة، هي: "لا ضرر ولا ضرار"، أحاط بها الدماءَ والأبدان بسياجٍ من الحرمة والقدسية، وسنَّ من الأحكام والحدود ما يكفل صيانة الآدميين ويحفظ سلامة أجسادهم، ويمنع ضرهم أو الإضرار بهم.

بيع المبرمج المعلومات والبيانات الشخصية

يحرم على المبرمج بيع قاعدة المعلومات للبيانات الشخصية والبيومترية لشركة أجنبية أو غيرها مقابل نظير مادي دون إذن من أصحابها، والموافقة المسبقة من المستخدمين على سياسة الخصوصية لم تكن تمليكًا للبيانات، وإنما هي ائتمان وإذنٌ مقيد بغرض التطوير التقني، ويحرم على المبرمج الخروج عن هذا الغرض والمتاجرة بالبيانات لتحقيق ربح شخصي خائنًا لمبدأ الأمانة الرقمية، ومخالفًا لشرط الإذن، متعديًا على حقوق المستخدم في شخصه، وعرضه وماله.


حفظ الشريعة الإسلامية للنفس والعرض

ولم يكتف الشرع الشريف بتحريم الاعتداء المباشر، بل امتدت حكمته إلى سد كل ذريعة قد تؤدي إلى الإخلال بهذا الأمن، حالًا أو مآلًا؛ فالإسلام لا يُحرِّم شيئًا إلا حرَّم سُبل الوصول إليه، فقد تقرر في قواعد الفقه أنَّ "للمقاصد أحكام الوسائل"، وأنَّ "حريم الحرامِ حرامٌ"، و"كل ما أدى إلى الحرام فهو حرام"، و"ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب".

قال الإمام الشاطبي في "الموافقات" (2/ 353، ط. دار ابن عفان): [وقد تقرر أن الوسائل من حيث هي وسائل غير مقصودة لأنفسها، وإنما هي تبع للمقاصد بحيث لو سقطت المقاصد سقطت الوسائل] اهـ.

وقال الإمام الزركشي في "المنثور في القواعد الفقهية" (2/ 46، ط. وزارة الأوقاف الكويتية): [(الحريم يدخل في الواجب والحرام والمكروه) فكل (محرم) له حريم يحيط به كالفخذين (فإنهما) حريم للعورة الكبرى، والحريم هو المحيط بالحرام، وكل واجب دخل في بعض من كل كغسل الوجه لا يتحقق إلا بغسل شيء من الرأس من باب ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب] اهـ.

وقال الإمام السيوطي في "الأشباه والنظائر" (ص: 125، ط. دار الكتب العلمية): [(القاعدة الثامنة: الحريم له حكم ما هو حريم له) الأصل في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقَدِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ، كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ» الحديث، أخرجه الشيخان. قال الزركشي: الحريم يدخل في الواجب والحرام والمكروه، وكل محرم له حريم يحيط به، والحريم: هو المحيط بالحرام، كالفخذين فإنهما حريم للعورة الكبرى. وحريم الواجب: ما لا يتم الواجب إلا به] اهـ.

وبهذا تقرر الشريعة أن كل إجراء أو تصرف من شأنه أن يُعرِّض النفس أو العرض أو المال للخطر -داخل في دائرة المنع الشرعي، ولذا خوَّل الشرع الشريف لولي الأمر اتخاذ التدابير واللوائح التي تُحقق حفظ هذه الكليات؛ إذ الأمرُ بتحقيق المقاصد أمرٌ بتحصيل وسائلها.

أسهم التطور التكنولوجي المتسارع وكثرة التقنيات الرقمية الحديثة والتي منها: الذكاء الاصطناعي في إتاحة وسائل أكثر دقة وحداثة في جمع ومعالجة وتحليل البيانات والمعلومات الشخصية، بما يسمح باستخلاص أنماط سلوكية ونفسية دقيقة للأفراد، فالبيانات الشخصية هي: البيانات المتعلقة بالشخص الطبيعي، والتي يمكن تحديده بشكل مباشر أو غير مباشر عن طريق الربط بين هذه البيانات وأي بيانات أخرى كالاسم، أو الصوت، أو الصورة، أو رقم تعريفي، أو محدد للهوية عبر الإنترنت، أو أي بيانات تحدد الهوية النفسية، أو الصحية، أو الاقتصادية، أو الثقافية، أو الاجتماعية، وقد تكون هذه البيانات الشخصية بيانات "حساسة" متى أفصحت عن الصحة النفسية أو العقلية أو البدنية أو الجينية، أو بيانات القياسات الحيوية "البيومترية" أو البيانات المالية أو المعتقدات الدينية أو الآراء السياسية أو الحالة الأمنية، كما أفادت المادة رقم (1) من قانون حماية البيانات الشخصية رقم (151) لسنة 2020م.

وقد جعل ذلك البيانات الشخصية موردًا بالغ الحساسية؛ نظرًا لإمكانية توظيفها في التأثير على قرارات الإنسان أو الإضرار بمصالحه المادية والمعنوية، ومن ثمَّ غدت حماية هذه البيانات ضرورة لصون كرامة الإنسان والحفاظ على خصوصيته وأمنه المالي والاجتماعي.

ومتى حاز مبرمج الذكاء الاصطناعي تلك المعلومات بطريقة شرعية فإن ذلك لا يمنحه الحق في التعامل بها وفق ما يريد؛ إذ يُعد ذلك تعدّيًا على حق الفرد في بياناته الحيوية الخاصة بصورته وصوته، وكلاهما من حقوقه الخالصة التي لا يجوز اقتحامها إلا بإذنٍ معتبر؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «كُل المسلِم على المسلِم حرام: دمه، وماله، وعرضه» رواه الإمام مسلم.

قال القاضي أبو الفضل عياض في "إكمال المُعْلِمِ بفوائد مسلم" (7/ 530، ط. دار الوفاء): [فالدم كناية عن النفس، والعرض كناية عن أذاه بالقول] اهـ.

 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق